قواعد الفكر الإخواني (38): كيف صنع نظام الأسر مجتمع الجماعة الموازي؟

الإخوان المسلمون

قواعد الفكر الإخواني (38): كيف صنع نظام الأسر مجتمع الجماعة الموازي؟

مشاهدة

30/09/2018

يروى أنّ الفرد من جماعة الإخوان في أحد البلدان العربية، إذا أراد أن يحجز تذكرة سفر لخارج البلاد، ذهب لوكالة سفر محددة يملكها إخواني، يخصّها بمعاملته دون باقي الوكالات والشركات، حتى لو فاقت أسعارها أسعار الشركات المنافسة، وأنّه في كلّ شؤونه ومعاملاته يتعامل، في الغالب، مع منتسبي الجماعة أو الشركات والوكالات المملوكة لها فقط.

هذا السلوك لا يبدو غريباً؛ إذا أُعيدت قراءة أدبيات الجماعة التي صنعت تلك الأفكار، وحفرت مسارات لهذا السلوك في العديد من البلدان العربية.

تعزيز القطيعة

تعدّ رسالة "الأسر"؛ إحدى أهمّ الرسائل التي كتبها حسن البنا في نهاية الثلاثينيات، وتشرح كيف حرص على أن يخلق مجتمعاً متمايزاً داخل المجتمعات العربية والإسلامية، يدّعي الاتصال بهذا المجتمع والتفاعل معه، لكن، مع الوقت، تتعزّز قطيعته، ليصنع "جيتو" خاصاً يشعر بالفوقية في مواجهة المجتمعات.

تبين رسالة "الأسر" كيف حرص البنا على خلق مجتمع متمايز داخل المجتمعات العربية والإسلامية

يبدأ البنا الرسالة بالحديث عن الأمر كما لو كان تكليفاً دينياً، فيقول: "يحرص الإسلام على تكوين أسر من أهله يوجههم إلى المثل العليا، ويقوّي روابطهم ويرفع أخوّتهم من مستوى الكلام والنظريات، إلى مستوى الأفعال والعمليات، فاحرص ـــ يا أخي ـــ أن تكون لبنة صالحة في هذا البناء (الإسلام)".

كلام عامّ بمعنى خاص؛ فالمقصود ليس أفراد المجتمع، بل أفراد التنظيم الذي يتحوّل إلى أسر أو تشكيلات أو خلايا، كلّ خلية يتراوح عددها بين خمسة وسبعة أفراد، يتزعمهم نقيب هو حلقة الوصل بينهم وبين التنظيم؛ حيث يتلقون تعليمات التنظيم من خلاله، ويتولّى هو تزويدهم بأيديولوجيا التنظيم وتعليماته، ويحقق شيئاً فشيئاً حالة من حالات الانفصال عن المجتمع، أو العزلة الشعورية والوجدانية التي تصور البعض أن من ابتدعها هو سيد قطب، بينما من وضع لها الإطار العمليّ، والنظام الإداريّ؛ هو حسن البنا، حتى قبل أن يعرف قطب طريقه لجماعة الإخوان.

اقرأ أيضاً: قواعد الفكر الإخواني (37): هل الإخوان قوم عمليّون؟

استعادة الإسلام الضائع!

ينطلق البنا من فكرة شاعت في كتابات قطب لاحقاً، تحدث فيها عن الجيل القرآنيّ الفريد، أو الطليعة المؤمنة التي يريد أن تعود لتتمثل الإسلام، اعتقاداً وتصوّراً وسلوكاً، على طريقة الجماعة، لتستعيد الإسلام الضائع، وفق تصوّره.

جعل البنا مجتمع التنظيم الصورة الوحيدة المقبولة لديه وفي نفوس أتباعه للمجتمع الإسلامي

يتحدّث البنا عن تلك الفكرة قائلاً: "وقد ظلّت هذه الأوامر الربانية والتوجيهات المحمدية، بعد الصدر الأول، كلاماً على ألسنة المسلمين، وخيالاً في نفوسهم، حتى جئتم معشر الإخوان المتعارفين، تحاولون تطبيقها في مجتمعكم (تنبّه لكلمة مجتمعكم تلك)، وتريدون تأليف الأمة المتآخية بروح الله وأخوة الإسلام من جديد، فهنيئاً لكم إن كنتم صادقين، وأرجو أن تكونوا كذلك، والله وليّ توفيقكم".

جعل البنا الصورة الوحيدة المقبولة لديه، وفي نفوس أتباعه، للمجتمع، أن يكون مجتمع التنظيم الذي ينتظم أفراده في تلك الصورة، أسر، ولكلّ أسرة نقيب، ولكلّ نقيب أسرة وهكذا، في تراتبية هرمية تحوّل المجتمع إلى تنظيم، وهو تصوّر يتجاهل تعقيدات العلاقات الاجتماعية والتباينات بين البشر، وكيف أنّهم، في النهاية، ليسوا أفراداً في جيش، يبقى الإنسان مدنياً بطبيعته، يجنح إلى الحرية والانطلاق والفكاك من القيود المنتظمة، التي تسم واقع الجيوش المفهوم في سياقه، كجهاز منضبط له وظيفة؛ هي الدفاع وتحقيق الأمن في مواجهة الأعداء.

اقرأ أيضاً: قواعد الفكر الإخواني (36): جذور الحاكمية عند حسن البنا

أسقط البنا رابطة الأخوة في المجتمع المسلم، التي تنهض على التعارف والتفاهم والتكافل على مجتمع الإخوان، الذي جعله الفئة الممتازة القادرة على إعادة تجسيد الإسلام في الواقع، وهو إذ يناقش مواصفات تلك الإخوة والرابطة، يتحدث عن حقّ النصيحة، في إطار ما أسماه الركن الثاني، وهو التفاهم، قائلاً: "وليحذر الناصح أن يتغير قلبه على أخيه المنصوح بمقدار شعرة، وليحذر أن يشعره بانتقاصه، أو بتفضيل نفسه عليه، لكنّه يتستر عليه شهراً كاملاً، ولا يخبر بما لاحظه أحداً إلا رئيس الأسرة وحده، إذا عجز عن الإصلاح، ثمّ ما يزال بعد ذلك على حبّه لأخيه وتقديره إياه ومودّته له، حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً، وليحذر المنصوح من العناد والتصلب، وتغيّر القلب على أخيه الناصح قيد شعرة، فإنّ مرتبة الحبّ في الله هي أعلى المراتب، والنصيحة ركن الدين".

جزاء النصيحة

طبعاً، إنّ إسقاط هذا الكلام على حسن البنا نفسه ليس في صالحه، فلم يقبل الرجل، كشأن جماعته من بعده، نصيحة من قريب أو غريب، وظلّ هو، أو قيادة الإخوان، المصدر الوحيد للتوجيه والنصيحة والأمر، كتب البنا في مذكراته كيف أنه لا يثق في فرع المحمودية؛ لأنّه لم يبنَ على طريقته، وأنّه لا يثق في شيء إلا إذا صنعه بيديه وعلى طريقته، كما حافظت قيادات الإخوان على هذا التقليد، الذي جعل الجماعة في منعة من نصائح القريب والغريب، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه.

لم يقبل البنا نصيحة من أحد وظلّ هو وقيادة الإخوان بعده المصدر الوحيد للتوجيه والنصيحة والأمر

وقد كان سبيل مواجهة النصيحة من قبل الجماعة ولجانها الإلكترونية؛ توزيع الشتائم والإساءات على كلّ من تجرأ وقدم لها نصيحة، وعكس هذا السلوك إخلاص الجماعة لما كتبه حسن البنا وخالفه هو نفسه! وهو أمر مفهوم؛ فكثير مما كتبه البنا كان لاستلاب العقول والقلوب، ولم يعكس قناعة أو سلوكاً صادقاً لديه، أو لدى أفراد جماعته؛ فقد تسبب هذا الإطار الذي وضعه البنا في كوارث اجتماعية، وقفز على قواعد النصيحة في الإسلام، التي علمنا إيّاها رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم.

فالتنظيم يضع قواعده مدعياً أنّها قواعد الإسلام، ما جعل الإسلام كهنوتاً، من حقّه أن يجلس أعضاؤه خلف حائط الاعتراف، الذي تحتفظ فيه قيادات التنظيم بالعديد من الكراسي، في المسيحية؛ يعترف المسيحيّ المخطئ لكاهن واحد، بينما في الإخوان لن يعرف كم كاهناً حصل على اعترافه، دون أن يعطيه صكّ الغفران.

اقرأ أيضاً: قواعد الفكر الإخواني (35): كيف استغل حسن البنا الشباب؟

يجعل البنا قواعد هذا النظام؛ هي القواعد التي سينهض عليها بناء الإسلام، وليس بناء الإخوان، فيقول بعد أن يعدّد واجبات العضو: "فإذا أديتم هذه الواجبات؛ الفردية والاجتماعية والمالية، فإنّ أركان هذا النظام ستتحقق، ولا شكّ، وإذا قصّرتم فيها، فسيتضاءل حتى يموت، وفي موته أكبر خسارة لهذه الدعوة، وهي اليوم أمل الإسلام والمسلمين".

مناشط الأسرة

يمكن تخيل هذا النظام الذي دعا إليه البنا، الذي يخلق لهم مجتمعهم الموازي، هو أمل المسلمين، وقد كان هذا النظام فعالاً في بنيته في تعميق الفجوة بين الإخوان والمجتمع، ليس فقط لخطورة الفكرة التي تعيد صياغة العلائق البشرية، ليكون أساسها الجندية في التنظيم، وتنفيذ تعليمات القيادة؛ بل انخراط هؤلاء الأعضاء في أنشطة مشتركة، تحقق حالة من حالات الاندماج والتجانس، والمودّة الشديدة بين أعضائه، وهو ما تصنعه مناشط الأسرة في برنامج حدّد ملامحه فيما يأتي:

مجتمع الإخوان الموازي فشل في التطبيع مع المجتمعات رغم كلّ مساحيق التجميل التي لم تخفِ وجه الجماعة

1-    يعرض كلّ أخٍ مشكلاته، ويشاركه إخوانه في دراسة حلول لها، في جوّ من صدق الإخوة وإخلاص التوجه إلى الله، وفي ذلك توطيد الثقة وتوثيق للرابطة (الأهم طبعاً؛ أن يصبح الأخ عارياً تماماً أمام التنظيم، عيوبه ومشكلاته، بالتالي؛ يصبح أسيراً لهذا التنظيم، الذي حلّ مشكلاته، وأصبح مستودع أسراره، يستبدل الأخ الرابطة العائلية برابطة التنظيم، وشيئاً فشيئاً؛ يزيد اغترابه عن أسرته، بينما يزيد التصاقه بالتنظيم، الذي أصبح أسرته الأقرب).

2-   مذاكرة شؤون الإسلام وتلاوة الرسائل، والتوجيهات الواردة من القيادة العامة للأسر (تأمّل كلمة القيادة العامة للأسر)، ولا محلّ في الأسرة للجدل، أو الحدّة، أو رفع الصوت فذلك حرام في فقه الأسرة، لكنه بيان واستيضاح في حدود الأدب الكامل.

3-   يعدّد البنا وسائل تعزيز الرابطة بين الأعضاء، متحدثاً عن رحلات مشتركة، جبلية وصحراوية وخلافه، ومبيت الإخوان مع بعضهم، مرة كلّ أسبوع، أو أسبوعين، وهكذا.

بهذه الطريقة يبني الإخوان مجتمعهم الموازي، الذي لم ينجح أبداً في التطبيع مع المجتمعات، رغم كلّ مساحيق التجميل، التي لم تخفِ وجه الجماعة وأهدافها.

اقرأ أيضاً: كيف استغل حسن البنا الشباب؟

الصفحة الرئيسية