عبود الزمر والوقوف بالمنطقة الضبابية

عبود الزمر والوقوف بالمنطقة الضبابية

مشاهدة

09/07/2019

أطلق عبود الزمر، منذ أيام، مبادرة جديدة للوساطة بين الدولة المصرية وجماعة الإخوان، داعياً للإفراج عن قيادات الأخيرة وصغار السن من أعضائها، كـ "عربون حسن نية" من الحكومة، وبدء صفحة جديدة، وقد تكون هذه هي المبادرة الحادية عشرة التي يطلقها قيادي الجماعة الإسلامية المصرية، منذ استمرار تحالفها مع الإخوان، وهو ما يطرح أسئلة حول الجدوى منها والتوقيت والدلالات.

اقرأ أيضاً: علاء النادي: أثبتت التجارب أن الإخوان يسيرون عكس التطور التاريخي

عقب سقوط الإخوان، خرج الزمر بلون جديد من الطروحات؛ إذ حرص بشدة على التزام نهج المناورة والغموض وصولاً لتحقيق عدة أهداف، أولها: الإبقاء على وجوده كرمز دون تغيير، وثانيها: عدم فقدانه مكانته التاريخية التي اكتسبها على خلفية كونه ذا كاريزما للإسلاميين كضابط سابق، وثالثها: إحداث توازن داخل الجماعة لإثبات أنّها تدار بالديمقراطية وبرأي الأغلبية.

من هو عبود الزمر؟

هو عبود عبداللطيف حسن الزمر، مواليد العام 1947 بقرية ناهيا بمحافظة الجيزة، حصل على الشهادة الابتدائية من مدرسة الجيزة المستقلة، والإعدادية من مدرسة أبو الهول، والثانوية من مدرسة السعيدية، ثم التحق بالكلية الحربية العام 1965، وتخرج منها العام 1967 في أعقاب النكسة مباشرة ضمن الدفعة رقم 51، ثم شارك في حرب أكتوبر 1973، وتمت ترقيته وهو بميدان المعركة الى رتبة نقيب تقديراً له ولدوره المشرف وبسالته في الحرب، وبعدها عمل في الاستخبارات العسكرية.

عقب سقوط الإخوان اعتاد الزمر كل فترة على الخروج بطروحات ومبادرات يجمعها نهج المناورة والغموض

يقول الزمر عن نفسه لصحيفة "إيلاف" السعودية عقب الإفراج عنه بأيام عقب ثورة 25 يناير 2011: "إنّه نادم على التدخين، وتشجيع النادي الأهلي، ولعب الشطرنج، وارتياد دور السينما، والتصويب على القطط ببندقيته، وترويع زملائه في الجيش حين كان ضابطاً بالقوات المسلحة بثعبان احتفظ به في جيبه لفترة من الزمن، موضحاً أنّها سلوكيات "غير نافعة، وتلهي عن عبادة الله".

تأثر الزمر بتسجيلات خطب الشيخ عبدالحميد كشك، فترك التدخين، وبدأ يقرأ لابن تيمية، وكان يعيش في صراع هو: كيف يخدم في الجيش ووجوده به يمكن أن يجعله يشارك في حرب عسكرية مع حكومة لا تطبق الشريعة، وستصطدم في يوم ما مع التنظيم، فماذا لو أمروه بقتال أمير تنظيم الجهاد محمد عبدالسلام فرج مثلاً؟

اقرأ أيضاً: الفريضة الغائبة.. الكتاب الذي حرّض على اغتيال السادات

قرر الزمر الاستقالة من الجيش، لكن ابن عمه طارق الزمر أقنعه بالعدول عن ذلك، واستغلال وجوده في التخطيط لعمل انقلاب عسكري، وفي هذه الأثناء التقى بكرم زهدي أمير الجماعة الإسلامية، واتفقوا جميعاً على توحيد التنظيمين، واختيار عمر عبدالرحمن مفتياً له، ومحمد عبدالسلام زعيماً.

المنشق الجهادي السابق، محمد كروم، الذي سُنحت له فرصة الالتقاء بالزمر في سجن ليمان طرة، قال إنّ الزمر سأل عمر عبدالرحمن "هل يحل دم حاكم لا يحكم طبقاً لما أنزل الله؟" وكانت إجابة الشيخ "نعم يحل دم مثل هذا الحاكم لأنه يكون قد خرج إلى دائرة الكفر".

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون: التمكين بين النظرية والتطبيق

كانت خطة الزمر من ثلاثة مستويات؛ تشمل التدريب النظري العسكري، ثم التدريب على السلاح والمتفجرات والتدريب التكتيكي على العمليات الخاصة، ثم تدريب كل شخص على المهمة المنوط به تنفيذها، وأعدّ عدداً من عناصر التنظيم لتدريب باقي الأفراد تحت إشرافه، وكان حريصاً على ألا يعرف أي عضو في التنظيم أكثر مما ينبغي، ووضع قيوداً على تداول المعلومات لضمان عدم تسربها إلى الجهات الأمنية، وبعد أن اشتد عود التنظيم وزاد عدد عناصره داخل الجيش، قرّر الزمر التخلص من السادات.

عبود الزمر مسكون بفكرة إنقاذ جماعة الإخوان والبقاء في الصورة الإعلامية طوال الوقت

 

حاول الزمر أن يغتال الرئيس المصري الأسبق في استراحة القناطر، وفي خطابه الذي ألقاه يوم الجمعة 25 أيلول (سبتمبر) من العام 1981 قال السادات "إنني أعرف أنّ هناك ضابطاً منهم هارباً، وربما يكون يسمعني الآن.. لقد اعتقلنا كل الآخرين في 5 دقائق، وإذا كان هو قد تمكن من الفرار فإنني أقول له إننا وراءه هو الآخر".

في اليوم التالي لخطاب السادات استقبل الزمر القيادي صالح جاهين، الذي حُكم عليه فيما بعد بالسجن 15 عاماً في قضية اغتيال السادات، وكانت معه خطة محمد عبدالسلام لاغتيال الرئيس في المنصة.. رفض الزمر، وقال قولته الشهيرة: "الفيل لا يستطيع الدخول من خرم إبرة".

في التحقيقات التي جرت فيما بعد مع عبدالسلام فرج قال إنّ رفض الزمر لم يعنِ له شيئاً فهو -أي فرج- فقيه الجماعة وأمره نافذ وإنّ الزمر يعرف ذلك.

كان الزمر يرى أنّ الخطة كي تنجح فلا بد أن يتم تنفيذها في العام 1984 وليس قبل ذلك بثلاث سنوات، حتى تتهيأ الظروف لعَمَل انقلاب عسكري، مدعوماً بثورة شعبية لتغيير نظام الحكم.. فشلت خطة عبدالسلام والزمر، وسلّم عبود وابن عمه نفسيهما لقوات الجيش، وظهر بعدها في المحكمة بلباسة العسكري.

لماذا المبادرة الآن؟

من الواضح أنّ عبود الزمر مسكون بفكرة إنقاذ جماعة الإخوان، والبقاء في الصورة الإعلامية طوال الوقت، ومن هذا المنطلق أطلقت الجماعة أكثر من 20 مبادرة.

يتصور عبود، وفق مقربين منه، أنّه رمز من رموز مصر، وصانعي تاريخها العسكري، وكل من يجلسون معه يخرجون بهذا الانطباع؛ فالرجل يتكلم باسم الجميع، ففي مقاله على موقع "المصريون"، كتب ذات مرة: ماذا لو كنت مكان مرسي وعدلي منصور والسيسي؟!!.. ووضع ساعتها وصفة لعلاج كل مشاكل مصر، وهو يحتسي فنجاناً من القهوة، في منزله بمنطقة ناهيا.

تدخل هذه المبادرة وأطروحات الزمر التنظيرية ضمن أساليب امتصاص الضربات والتقاط الأنفاس

حينما يخفت الضوء يطلق الزمر مبادرة، وتتبعه جماعته، ويوافق الإخوان كالعادة عليها بهدف إحراج النظام، رغم أنّه وضع شروطاً على الدولة ولم يضعها على مكتب الإرشاد، ومنها: إطلاق المبادرة دون قيد أو شرط.. تبدو مبادرة الزمر الأخيرة، كغيرها من المبادرات التي سبقتها؛ خطة ممنهجة مرسومة بدقة، رغم أنّ جماعته ماتزال تقف في المنطقة الضبابية، دون اتخاذ قرارات حاسمة وواضحة تجاه العنف الذي انتهجته، فمن الواضح أنّها مناورة أخرى للإبقاء على أكبر عدد من قياداتها خارج السجون، بل وحرية حركتهم في مساجد وزارة الأوقاف.

يحرص الزمر على إظهار أنّ الموقف العام للجماعة الإسلامية التي هو أحد رموزها التاريخيين التزام السلمية، والسير على نهج مبادرة وقف العنف، وأنّها تسعى لحل الأزمة سياسياً مع الدولة، وذلك في أكثر من مقال؛ على سبيل المثال مقاله: "أليس هذا بالتحاور والتفاوض؟"!، أو مقاله الآخر "حرصاً على من ليس بحريص".

اقرأ أيضاً: لماذا لن ينجح الإخوان بممارسة السياسة؟

وتدخل هذه المبادرة وأطروحات الزمر التنظيرية ضمن أساليب امتصاص الضربات والتقاط الأنفاس، وتحويل الأنظار عن الجماعة الإسلامية وقياداتها في الداخل، وإظهارها كأنّها ليست على وفاق وانسجام مع الإخوان على غير الحقيقة، لاحتواء حركات الانشقاق داخل الجماعة، وتشتيت جهود المنشقين الساعية لحظر هذه الجماعة، أو تصنيفها "إرهابية"، ولتفادي تحمل مسؤولية العنف والتفجيرات في الشارع، فيما تباشر قيادات الخارج الشحن والتحريض والتصعيد.

الصفحة الرئيسية