رمضان في مصر: حضور صوفي يطفو فوق الذاكرة الإخوانية

رمضان في مصر: حضور صوفي يطفو فوق الذاكرة الإخوانية

مشاهدة

22/04/2021

تفردت الحركة الصوفية في مصر، بجمال وبساطة وقدرة على النفوذ إلى الناس جعلها أحد أبرز وأهم ملامح التدين الشعبي الذي يبدو كأحد أهم العلامات التاريخية الراسخة، وارتبط به المصريون ووجدوا فيه ملاذاً آمناً بعيداً عن تيارات الإسلام السياسي المتشددة.

ولا شك أنّ المصريين قد وجدوا في التصوف مساحة رحبة، للحب والتقرب إلى الله دون مبالغة أو تشدد، لذلك نجحت "الطرق الصوفية" على اختلاف مسمياتها وطقوسها في الحفاظ على مكانتها في قلوب الشعب المحب للدين والتسامح والعيش، كما نجحت في تأسيس نموذج ديني يعاكس تيار التطرف الذي شرعته جماعة الإخوان خلال السنوات الماضية.

ارتبط المصريون بالتصوف ووجدوا فيه ملاذاً آمناً بعيداً عن تيارات الإسلام السياسي المتشددة

ويكتسب شهر رمضان المبارك، طابعاً خاصاً في جميع الدول الإسلامية، على اختلاف عاداتها وتقاليدها في الاحتفال به وإحياء أيامه، وكذلك سعت الحركات الإسلامية دوماً، وفي مقدمتها جماعة الإخوان، لاستغلال تلك المناسبة الدينية المتفردة، في تنفيذ فاعليات خاصة، للمرور إلى أكبر عدد من الجمهور، ووفقاً لمقالات عدة منشورة على موقع جماعة الإخوان فإنّ الجماعة اعتمدت على الشهر الكريم باعتباره "فرصة ذهبية" لتجنيد الأعضاء الجدد.

تفردت الحركة الصوفية في مصر بجمال وبساطة وقدرة على النفوذ إلى الناس

وشهدت السنوات الماضية تضييقات غير مسبوقة على الجماعة بعد تصنيفها "إرهابية"، شمل أيضاً فرض سيطرة حكومية صارمة على المساجد، وقصر الخطابة على علماء الأزهر والأوقاف، وبالتالي فقدت الجماعة سيطرتها عليها بشكل شبه كامل، وفي المقابل تعاظمت الحركة الصوفية وبرزت من خلال الفاعليات الدينية بعيداً عن الأنماط السياسية.

لماذا وقفت الصوفية بوجه الإخوان في معترك السياسة؟

وفق الباحث المختص بالصوفية، عمرو رشدي، فإنّ للصوفية "دوراً كبيراً في الثورات المصرية المعاصرة وتحديداً ثورتي (يناير) و(يونيو) التي أسقطت نظام جماعة الإخوان؛ حيث رأت الصوفية أنّ عزل الرئيس الإخواني محمد مرسي واجب شرعي وجب على جميع المنتمين للبيت الصوفي الاشتراك فيه وخاصة أنّ منهج جماعة الإخوان يرفض المنهج الصوفي، ويصفه بالمنهج الكفري المليء بالبدع والخزعبلات، مما جعل المتصوفة يخرجون على بكرة أبيهم إلى ميدان التحرير لإسقاط نظام جماعة الإخوان".

رفعت سيد أحمد: الصوفية إذا ما فُهِمَت فهماً صحيحاً تستطيع أن تقدّم علاجاً لآفة التكفير والغلوّ

ويتابع رشدي في دراسة نشرها مركز الأهرام للدارسات السياسية والاستراتيجية تحت عنوان "الصوفية والسياسة في مصر": ذكر بعض مشايخ الصوفية الأهداف التي جعلتهم يدخلون إلى السياسة بعد ثورة يناير حيث يقول علاء أبو العزايم شيخ الطريقة العزمية الصوفية أنّ "الهدف الذي جعل الصوفيين يدخلون إلى الحياة السياسية المصرية بعد ثورة يناير هو مساعي جماعة الإخوان المسلمين والجماعات السلفية للانخراط في العمل السياسي الرسمي الذي يهدد التسامح الديني الأمر الذي يلزم الصوفيين بأن ينحوا المنحى نفسه، وخاصة مع التطرف والتشدد الذي يعتنقه السلفيون، كما أنّه كان هناك تخوف عند الصوفيين من إلغاء مشيخة الطرق الصوفية في حال تقلد السلفيون أو الإخوان زمام الحكم، ومن ثم فإنه ينبغي أن يكون هناك أحزاب سياسية للصوفيين تحسباً لخطوة كهذه؛ لذلك فقد جاء السلوك السياسي والانتخابي للحركة الصوفية حليفاً لكل من السلطات الانتقالية والليبراليين".

رمضان مناسبة صوفية مبهجة

تشهد مصر خلال شهر رمضان نشاطاً متزايداً للحركات الصوفية، خاصة أنّهم في حالة عبادة دائمة تعززها أجواء الشهر الكريم، ولعل أبرزها إقامة حلقات الذكر والابتهالات والمديح، والموائد لإطعام الفقراء والمحتاجين، وكذلك أمسيات وليال قرآنية، وحلقات للإنشاد الديني، خاصة بالقرب من المساجد التاريخية في القاهرة مثل مسجدي الحسين والسيدة زينب.

اقرأ أيضاً: ماذا يبقى من الصوفية إذا تورطت في السياسة؟

يقول رئيس مركز يافا للدراسات والأبحاث بالقاهرة، الدكتور رفعت سيد أحمد، حول نموذج الجماعات التكفيرية "في شهر الصوم الكريم نحتاج إلى أن نقول للناس كافة، إنّ هذا ليس دين الإسلام، وإنّ ثمة أشكالاً أخرى أكثر جمالاً وعدلاً وروحانية يعرفها ويُقرّها الإسلام المُحمّدي الأصيل، ومنها على سبيل المثال التصوّف بكل علومه ومُفرداته ودعوته الوسطية الإسلامية المعتدلة التي تقاوم من حيث لم ترد؛ ذلك الفكر التكفيري الغريب المُسيء للإسلام"، مشيراً إلى أنّ مواجهة هذا الفكر التكفيري، يأتي بدور الدعوة الصوفية القائمة على التسامُح والتراحُم وحب الخير والبناء وعمران الأرض والناس، بل والجهاد في سبيل الله حق الجهاد.

اقرأ أيضاً: لماذا يكره داعش الصوفية ويفجر أضرحتهم؟

ويؤكد الكاتب في مقاله المنشور تحت عنوان "في أجواء رمضان: حين يقاوِم التصوّف شذوذ التكفيريين" أنّ "الصوفية إذا ما فُهِمَت فَهْماً صحيحاً تستطيع أن تقدّم علاجاً لآفة التكفير والغلوّ، وتستطيع إن أُحسِن التعاون معها بعد تنقيتها من شوائب السياسة والتخلّف المعرفي، أن تصير هي الأداة الأكثر نجاحاً في مواجهة التكفيريين.. الذين لا يحملون بين أضلعهم إلا كل خراب ودمار للمجتمع".

ويضيف: خلاصة ما استقرّت عليه الدراسات المتّصلة بالحركات الصوفية سواء في العالم الإسلامي أو في مصر (التي بها وحدها 65 طريقة صوفية وحوالي 15 مليون عضو أو مُريد وفقاً لأدبيات الصوفية) أنّ لها أدواراً مهمة كبرى إن تمّت الاستفادة منها تحقّق الانتصار الفعلي على دُعاة الغلوّ، وفقه الغَلَظة والتكفير.

اقرأ أيضاً: ماذا تعرف عن روحانية القلب عند الصوفيين؟

ويرى الدكتور أحمد أنّ: "المجتمع المسلم في أمسِّ الحاجة إلى ما يمكن تسميته بـ(النموذج الصوفي)؛ لأن كل شيء من حولنا يهتزّ ويخور، والقِيَم الأخلاقية آخذة فى الاضمحلال، والشباب حينما يفقد القدوة يندفع تحت تأثير الإحباط نحو التسيّب والجريمة أو التشدّد والتعصّب الديني، وهو عين ما جرى في سوريا والعراق ومصر وغيرها من البلاد التي ابتُلِيت بداعش والقاعدة والإخوان ومَن شابههم من جماعات الإرهاب".

اقرأ أيضاً: هل تنجح الصوفية في مواجهة الفكر الجهادي؟

ويختتم الباحث المصري حديث، الطريق إلى الله تعالى يسع المسلمين جميعاً، وليس قاصراً على أتباع التصوّف؛ لأن الإسلام رسالة تكليفية ابتداء من قول: لا إله إلا الله محمّد رسول الله، حثّ على إماطة الأذى عن الطريق، لذلك فلا يمكن أن يقوم الصوفية وحدهم بحل مشاكل الأمّة، وفي نفس الوقت لا يمكن الحل من دونهم.

الصفحة الرئيسية