دول الخليج وأفغانستان.. هل الفرص أكبر من التحديات؟

دول الخليج وأفغانستان.. هل الفرص أكبر من التحديات؟

مشاهدة

22/09/2021

في آب (أغسطس) 2021، تمت تسوية الصراع في أفغانستان بشكل مفاجئ لصالح طالبان، حيث سيطرت الجماعة المتمردة في هجوم عسكري خاطف على جميع أنحاء البلاد تقريباً.

اقرأ أيضاً: هل ستنضم حكومة طالبان إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب؟

هذه التغييرات داخل أفغانستان تم استقبالها بحذر في الشرق الأوسط الكبير. لكن ردود أفعال الأطراف الفاعلة سياسياً تجاه ظهور طالبان من جديد تتأثر أيضاً بخطوط التقسيمات السياسية التي تهيمن على سياسات الشرق الأوسط.

 

يمكن لقادة الخليج استخدام قوتهم المالية الكبيرة لدعم مشاريع التنمية في أفغانستان، بالإضافة إلى المساعدة في تحسين البنية التحتية الصحية. وهذا سيؤدي إلى زيادة رصيدهم السياسي في أفغانستان

 

وحسب تحليل كتبه عمر كريم، الباحث لدى معهد الخدمات المتحدة للدفاع والدراسات الأمنية في بريطانيا فإنه في تسعينيات القرن الماضي، كانت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة الدولتين الوحيدتين في الشرق الأوسط اللتين اعترفتا بنظام طالبان، بينما ظلت إيران، الجارة المباشرة لأفغانستان، من أشد المعارضين لنظام طالبان الأول. اقتصرت المشاركة التركية مع أفغانستان بشكل أساسي على الجاليتين الأوزبكية والتركمانية في البلاد، ولم تدخل قطر إلى المعترك الأفغاني إلا بعدما استضافت الدوحة المكتب السياسي لطالبان في عام 2013.

لم تدخل قطر إلى المعترك الأفغاني إلا بعدما استضافت الدوحة المكتب السياسي لطالبان في عام 2013

ويقول كريم في تحليله الذي نشره "معهد دول الخليج العربية في واشنطن" إنه يبدو أنّ شركاء طالبان التقليديين في الخليج مترددون هذه المرة – أو على الأقل ليسوا في موقف مثالي– في الانخراط بسهولة مع الجماعة. فقد أغلقت السعودية والإمارات بعثتيهما الدبلوماسيتين في كابول في منتصف آب (أغسطس) الماضي، ما يشير إلى أنّ الدول الخليجية ذات الأهمية الأكبر لا تريد الاحتفاظ بأي روابط كقنوات خلفية مع الجماعة، وقررت التراجع إلى أن تتضح الصورة السياسية أكثر في كابول.

 

الباحث عمر كريم: توفر الأزمة الأفغانية لدول الخليج فرصة فريدة لإثبات مدى منفعتها لحلفائها الغربيين، ولا سيما الولايات المتحدة

 

ويضيف: من المحتمل أن تجد القيادة السعودية الحالية، التي نفذت درجة من التحرر الاجتماعي في المملكة، نفسها على خلاف مع حكومة طالبان الجديدة. ومع ذلك، فإنّ المكانة الدينية التي تتمتع بها السعودية كمركز للعالم الإسلامي والتقدير أو النفوذ الذي تتمتع به من خلال جميع الفصائل الأفغانية يمكن أن يدفع المملكة في نهاية المطاف إلى لعب دور أكبر في دولة مسلمة شقيقة. ويتابع: إن سياسة عدم المشاركة المستمرة من جانب السعودية قد تفسح المجال لخصوم السعودية، ولا سيما إيران، للاصطياد في المياه الأفغانية العكرة. كان من الممكن أن يكون استيلاء طالبان على غرب أفغانستان أكثر دموية لو أنّ إيران سلكت نهجاً فعالاً مناهضًا لطالبان داخل أفغانستان بدلاً من التزامها موقف المتفرج والصامت.

اقرأ أيضاً: ما موقف السفارات الأفغانية من طالبان؟

ويشير الباحث في تحليله إلى أنه على مدى السنوات العشر الماضية، وعلى ما يبدو منذ أن أنهى السعوديون علاقاتهم مع طالبان في عام 2009، أقامت إيران علاقات ضمنية مع الجماعة، حيث زودت القادة المحليين بالسلاح واستضافت قيادتها. حتى عندما ثارت بعض فصائل طالبان ضد قيادة الجماعة في غرب وجنوب أفغانستان في عام 2015، استمرت إيران بدعم الموالين للقيادة المركزية. علاوة على ذلك، فإنّ قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، اللواء إسماعيل قاآني، هو خبير في الشأن الأفغاني، وكان مهندس هذه الشراكة مع طالبان. وهذا يضع ملف أفغانستان تحت إشراف الحرس الثوري.

العمق الإستراتيجي

ويرى باحثون أنه بعد الاستيلاء على كابول، لجأت طالبان إلى إيران لاستئناف إمدادات النفط المهمة، وليس إلى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. وينقل هؤلاء الباحثون عن جون راين، دبلوماسي بريطاني سابق، قوله: "تحتاج إيران وطالبان إلى عمق إستراتيجي. تحتاج إيران إلى حليف في هرات وغرب أفغانستان، بينما تحتاج طالبان إلى عمق استراتيجي من جميع الأطراف للتعويض عما سيكون دعماً محدوداً في أحسن الأحوال في المجتمع الدولي. لديها بالفعل باكستان. إيران توازنها بشكل جيد وتصل إلى بلاد الشام العربي"، على حدّ تعبيره.

الورقة الأقوى

من جانبه، يرى كريم أنه إذا وضعنا جانباً هذه المسرحية الإيرانية للحصول على النفوذ، تبقى الرياض صاحبة الورقة الأقوى في مواجهة طالبان. تستمد طالبان قسطاً كبيراً من شرعيتها من خلفيتها الدينية، ولا سيما في المناطق الريفية في أفغانستان. ومن دون أي مشاركة دبلوماسية مباشرة أو غير مباشرة مع المملكة، قد يكون من الصعب على الأفغان السفر إلى السعودية للحج أو العمرة. ما قد يؤدي إلى إلحاق الضرر برأس المال الديني لطالبان الذي اكتسبوه بشق الأنفس، في ظل وجود تابعيها السنة الملتزمون بصورة كبيرة ، الأمر الذي يظهر الميزة الكبيرة للقوة الناعمة، والتي سيتردد السعوديون كثيراً في إبقائها على طاولة التفاوض.

ويتابع الباحث في تحليله: من المرجح أن تعمل قطر كمركز دبلوماسي في القضية الأفغانية. وتحاول تركيا، الحليف المقرب من قطر، إيجاد موطئ قدم لها واكتساب أهمية في أفغانستان بعد الانسحاب الأمريكي. ومع ذلك، فقد تعثرت الصفقة التي كانت ستمنح تركيا مسؤولية تأمين وتشغيل مطار كابول عندما رفضت طالبان قبول أي وجود عسكري تركي مستمر في أفغانستان. لقد كان لتركيا ردة فعلٍ إيجابيةٍ تجاه الرسائل القادمة من طالبان من خلال التعبير عن عزمها على الإبقاء على علاقاتها مع أفغانستان والحفاظ على بعثتها الدبلوماسية مفتوحة. لا شك أنّ تركيا لا تزال تسعى للقيام بدور أكبر في أفغانستان من خلال المشاركة المستقبلية، مثل المشاركة في إعادة بناء البنية التحتية لأفغانستان ومبادرات التصنيع المحتملة. كما تلعب شركات البناء التركية كذلك دوراً مهماً في بناء مشاريع الطاقة الكهرومائية، والمشاركة الطويلة الأجل في الاقتصاد الأفغاني والتي سوف تتردد طالبان في قطعها. إن بقاء أفغانستان مستقرة، حتى في ظل حكم طالبان، يعتبر مفيدًا لأنقرة بشكل خاص، لأن ذلك من المحتمل أن يقلل من تدفق اللاجئين إلى تركيا، وهي القضية التي ألحقت ضررًا سياسياً بالحكومة التركية.

المساعدات الإماراتية

إنّ كثرة اللاعبين الدوليين والإقليميين في أفغانستان وازدحام أجنداتهم تضع دول الخليج، وهي ليست في موقف سياسي موحد من أفغانستان، أمام تحديات واقعية، لكن ربما عليها البحث عن الفرص النسبية المتاحة.

 أرسلت الإمارات بالفعل مساعدات طبية وغذائية كجزء من التزامها بتقديم المساعدة الإنسانية

وبرأي كريم، توفر الأزمة الأفغانية لدول الخليج فرصة فريدة لإثبات مدى منفعتها لحلفائها الغربيين، ولا سيما الولايات المتحدة. تستضيف قطر والإمارات والكويت والبحرين بالفعل آلاف الأشخاص الذين تم إجلاؤهم من أفغانستان. ومع ذلك، فإنّ المجال السياسي لدول الخليج يتسع لما هو أكثر من كونها مجرد مراكز عبور للاجئين الأفغان. لقد أرسلت الإمارات بالفعل مساعدات طبية وغذائية كجزء من التزامها بتقديم المساعدة الإنسانية. ونظراً لأنّ المساعدات الخارجية تشكل عنصراً رئيسياً في ميزانية التنمية في البلاد، يمكن لقادة الخليج استخدام قوتهم المالية الكبيرة لدعم مشاريع التنمية في أفغانستان، بالإضافة إلى المساعدة في تحسين البنية التحتية الصحية. وهذا سيؤدي حتماً إلى زيادة رصيدهم السياسي في أفغانستان، بالإضافة إلى زيادة الرصيد السياسي لشركائهم الغربيين، الذين من غير المرجح أن يعترفوا علانية بحكومة طالبان في كابول أو أن يكونوا في وضع يسمح لهم بمساعدة الشعب الأفغاني بشكل مباشر. وتبقى دول الخليج كذلك موطناً لعدد كبير من المغتربين الأفغان الذين تلعب تحويلاتهم المالية الخارجية دوراً مهماً في الحفاظ على الاقتصاد الأفغاني قائماً على قدميه.

الصفحة الرئيسية