حول منع فيلمي "جنغل" و"ذا بوست"

حول منع فيلمي "جنغل" و"ذا بوست"

مشاهدة

30/01/2018

أن يتطرّق السيد حسن نصر الله، في خطابه الأخير، لفيلم "ذا بوست"؛ متحدثاً عن سبب منع عرضه في لبنان، فإنّه حدث ليس بالسهل؛ فرغم المآخذ الكثيرة على دور الحزب في لبنان وخارجه، فإنه يُحسب له أنّه لم يحاول فرض وجهة نظره الدينية على المجتمع اللبناني، الذي يمتاز بانفتاح فكري وثقافي مشهودٍ له.

يشرح نصر الله، في خطابه، أنّ السبب هو مخرِج العمل اليهودي الأمريكي، ستيفن سبيلبرغ، الذي دعم جيش الاحتلال بمليون دولار إبّان حرب عام 2006، لينهي نصر الله بهذا التبرير أيّ انتقاد للمنع، أو جدليات حوله؛ إذ ليس الأمر متعلقاً بديانة المخرج؛ بل بموقفه السياسي.

فيلم آخر مُنِع في لبنان، التي هي للطرافة، المكان الذي يُسمح فيه عادةً بعرض ما يُمنع عرضه في الدول العربية الأخرى، وهو فيلم "جنغل"؛ ذلك أنّ بطل الحكاية، وهو يوسي غينسبيرغ، الضابط الذي خَدَمَ سابقاً في جيش الاحتلال، والذي أدّى دوره الممثل اليهودي دانيال رادكليف.

فيلم جنغل مُنِع في لبنان، البلد الذي يُسمح فيه عادةً بعرض ما يُمنع عرضه في الدول العربية الأخرى 

من يُتابع "جنغل"، المشغول بحرفية عالية سينمائياً، سيجد هذا التعريف الفجّ في مطلع الفيلم؛ إذ يقول البطل إنّه خدم في جيش الاحتلال ثلاثة أعوام، ومن ثم أراد تغيير المسار السيئ، كما أنّه يسمّي فلسطين المحتلة، خلال حديثه، بـ "الديار"، ويقول إنّه وعد والديه بالعودة إليها في غضون عام، كما أنّ عمّه أهداه كتاباً دينياً ليحميه في رحلته، مثلما حماه سابقاً في الحروب والمعسكرات. ويتحدّث الفيلم، في النهاية، عن عودة هذا المجنّد لكيان الاحتلال، ومن ثمّ رجوعه للنهر الذي كاد يودي بحياته في غابات الأمازون.

ليس في "جنغل" حكاية منقوصة تاريخياً وسياسياً فحسب؛ بل تكريس لصورة المجند الإسرائيلي الذي لا يُهزَم، والذي يواجه الموت ببسالة، وينتصر عليه، ما يجعل من الرسالة التي يقدمها، وإن اتّخذت طابع المغامرات والتشويق والأدغال، واضحة سياسياً، ومكشوفة الرمزية.

لكن، رغم السابق، هل يكمن الحلّ في مجافاة هذه الأفلام، وعدم اطّلاع الجمهور العربي عليها؟ لا يبدو هذا الخيار منطقياً ولا حكيماً؛ إذ ثمّة جهل مطبق حين يتعلق الأمر بمعرفة رواية العدو وجهوده السينمائية، لكن في الوقت ذاته، لا يقبل ضمير وطني، أو إنساني، صبّ المال في جيوب قتلة. لذا؛ تبقى صيغة المشاهدة وطريقتها مرهونة بـ "فهلوة" المتلقّي، وإن خالف قوانين الطبع والنشر والملكية الفكرية، كحالة استثنائية في هذا المقام فقط.

ليس في جنغل حكاية منقوصة تاريخياً وسياسياً فحسب بل تكريس لصورة المجند الإسرائيلي الذي لا يُهزَم

إلى جانب ما سبق، فإنّ حكاية مثل تلك الحقيقية التي يتحدث عنها فيلم "ذا بوست"، هي خير ما يمكن تقديمه للعالم العربي، رغم خطيئة مخرجه سبيلبرغ في دعم جيش الاحتلال؛ إذ يتحدّث عن بطولة قامت بها الصحافة الأمريكية، حين كشفت تعتيم الرئاسة على مسار الحرب في فيتنام، ما عزّز خسائر الأرواح والأموال.

ولعلّ حكاية كهذه على رأس ما يتحتم على العالم العربي سماعه، وتحديداً الوسط الصحافي الذي تغيب عنه الصحافة الاستقصائية في المقام الرئيس، إضافة إلى تواطؤ معظم هذه الوسائل الإعلامية العربية مع الأنظمة، وليس العكس، ما يجعل من حكاية "ذا بوست" ضرورة؛ لمعرفة كيف أسهمت الصحافة في خلق العالم الغربي الحرّ، الذي قطع أشواطاً طويلة في المدنية والديمقراطية.

كما أنّ الفيلمين، "ذا بوست" و"جنغل"، على درجة دقة عالية، من حيث السينوغرافيا، إضافة إلى استقطاب عدد من النجوم فيهما، مثل: ميريل ستريب، وتوم هانكس، ورادكليف، عدا عن الأداء التمثيلي الذي لا تفرّط فيه السينما الهوليودية البتة، الذي يُظهر، مع السابق كلّه، حجم الهوة التي تفصل بين السينما العربية والغربية، ما يفسّر، بالتالي، الفرق الذي تحدثه كلّ منهما لدى المتلقي.

ذا بوست وجنغل على درجة دقة عالية من حيث السينوغرافيا إضافة لاستقطابهما عدداً من النجوم

أتطرّق هنا لحكايتين، كمشاهدة شخصية، أثناء ارتياد دور العرض في دولة البحرين الشقيقة، إحداهما؛ حين عُرِض فيلم "ميونيخ" لسبيلبرغ، لم يتواجد جمهور عربي في الصالة، رغم أهمية الحكاية المطروقة، وهي اغتيال القيادات الفلسطينية في عواصم أوروبية، وحين بدأ الفيلم كان هناك بضعة شبّان غادروا قاعة العرض على الفور. الغياب العربي، آنذاك، وأخال أنّه كذلك في معظم دور السينما العربية التي عرضت الفيلم، سَمَحَ لكمية مغالطات ضخمة أن تمرّ في العمل، دون أن تجد من يدقّقها ويفنّدها، أو حتى يعرف عنها، لذلك مرّ الفيلم مرور الكرام.

فيما الحكاية الثانية؛ كانت عند عرض فيلم "كليك" للممثل اليهودي آدم ساندلر، الذي لم يدّخر جهداً في التهكّم على العرب، كما فعل في فيلم ثانٍ اسمه "لا تعبث مع زوهان"، ولعلّ العجيب في الأمر؛ أنّ الجمهور المتواجد في الصالة، الذي كان كبيراً، للجماهيرية التي يحظى بها ساندلر، كان يصفّق ويغرق في القهقهة، كلّما أتى مقطع يتهكّم فيه البطل على العرب!

الآنف، إضافة إلى أفلام أخرى كثيرة، مُرّرت فيها رسائل سياسية مسمومة، يبرهن على ضرورة مشاهدة الجماهير العربية لهذه الأفلام، وليس العكس، كما يشير إلى أهمية نشر ثقافة سينمائية وسياسية وتاريخية كافية؛ ليواجه بها الجمهور العربي السلاح السينمائي، الذي لم يتوقّف يوماً عن دعم المجهود، الحربي والسياسي، الذي يبذله كيان الاحتلال.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية