تنويعات التجربة الدينية: قراءة في مقاربة "وليام جيمس"

تنويعات التجربة الدينية: قراءة في مقاربة "وليام جيمس"

تنويعات التجربة الدينية: قراءة في مقاربة "وليام جيمس"


22/07/2026

يُمثل كتاب تنويعات التجربة الدينية مُحاولة لفهم الدين من زاوية جديدة تقع ضمن الإطار العام لفلسفة وليام جيمس، فيقدم في هذا الكتاب رؤية للتجربة الدينية من الزاوية البراغماتية ورؤيته للحقيقة، ومفهومه عنها، فهو يعترف بكل تجربة دينية يُصدقها صاحبها ويرى أنّها صادقة بالنسبة إلى صاحبها ولا يُمكن تكذيبها، لأنّها تمثل قناعة بالنسبة إليه، وتُسهم بصورة كبيرة في تكوينه وتوجهه. 

يتكون كتاب تنويعات التجربة الدينية من عشرين محاضرة قدّمها وليام جيمس، وهذا يُعطيه طابعًا سجاليًا يجعله سهلًا وبسيطًا وغير مخلٍ بالمعنى في الوقت عينه، ويبني جيمس محاضراته وفق المعهود منهجيًا، خاصة أنّه يتحدث عن التجربة وتنويعاتها، فيبدأ مجموعة محاضرات تحمل تعريفات تقديمية. ثم يتجه بعد ذلك إلى التجارب وبنائها، وإثبات اختلافها وتنوعها، وصدقها لمن مروا بها. وينتهي بالاستنتاجات الناتجة عن هذه التجارب. وهو بناء منطقي مفهوم ومعهود لطرح أيّ فكرة تجريبية خاصة. 

علم النفس كأداة للفهم

يُحدد جيمس منطلقه في بداية المحاضرة بوصفه عالِم نفس في المقام الأول، والميول والمشاعر الدينية للإنسان من ضمن اهتماماته الرئيسية، ويؤكد على أنّه ليس لاهوتيًا أو متمرسًا في تاريخ الأديان، أو أنثروبولوجيًا. وانطلاقًا من كونه عالم نفس فإنّ بحثه يجيء سيكولوجيًا. يقول: "إذا كان على هذا البحث أن يكون سيكولوجيًا بحق، فلا يجب عليه الانشغال بالمؤسسات الدينية، وإنّما يلزم أن تكون المشاعر والدوافع الدينية هي موضوع انشغاله"، وبموجب ذلك يُقيد نفسه بالظواهر والتجارب الذاتية التي دوّنها أصحابها في أعمال التقوى أو السير الذاتية. 

غلاف الكتاب

يبدأ جيمس محاضراته بتعريف الدين وطبّ الجهاز العصبي في محاضرته الأولى، ثم ينتقل بعد ذلك إلى تحديد موضوع الدراسة، وفي المحاضرة الثالثة يأتي بإسناده الرئيس لهذا الكتاب، وهو واقعية غير المرئي، ويطرح فيها رؤيته حول حضور التأثير الذي يُعدّ معيارًا للحقيقة؛ فثمة أمور كثيرة تعز على الإثبات المنطقي أو الوضعي/ العياني ولا يمكن أن ندركها بالحس، ولها تأثير كبير في حيواتنا وبناء ذواتنا وأفكارنا، وهذا يجعلها واقعية وفق جيمس. ويقول: "بما أنّ كلمات مثل (الروح)، (الله)، (الخلود)، لا تحتوي على أيّ مضمون - حسي مُحدد أيًّا كان، يترتب على ذلك - من الناحية النظرية (للعقل المحض)- أنّها كلمات خالية من أيّ دلالة. لكنّها، على نحو غريب بما فيه الكفاية، تظل ذات معنى محدد بالنسبة إلى ممارستنا (للعقل العملي)". وكان جيمس هنا يُجيب عن التساؤل عمّا هو حقيقي وما هو غير ذلك الذي أثارته مدرسة الوضعية المنطقية، التي حملت رؤية مفادها أنّ ما لا يُمكن إثباته عيانيًا من خلال التجربة أو رؤيته، أو إثباته منطقيًا، فهو غير حقيقي، فطرح جيمس الموضوع من زاوية مُختلفة، وهي زاوية التأثير المبني على الإيمان بهذه المقولات، بصورة تجعل لها حضورًا واقعيًا في حياة الفرد والجماعة، لذا كانت هذه المحاضرة تمثل حلقة الوصل بين الجزء التعريفي والتجارب. 

تنويعات التجربة الدينية

ينتقل بعد ذلك إلى سرد التجارب الدينية من المحاضرة الرابعة حتى المحاضرة السابعة عشرة، وهو القسم الأكبر من الكتاب، وهذا مفهوم من عنوان الكتاب، حيث إنّ الكتاب بالأساس هو سرد لهذه التجارب وإثبات تنويعاتها واختلافها. والمحاضرتان الرابعة والخامسة تأتيان تحت عنوان: دين العقلية الصحيحة، والسادسة والسابعة تحت عنوان: الروح السقيمة. والثامنة تحت عنوان: النفس المتشظية. والتاسعة والعاشرة تحت عنوان: التحول الديني. والحادية عشرة والثانية عشرة تحت عنوان: القداسة. والرابعة عشرة والخامسة عشرة عن قيمة القداسة. والسادسة عشرة والسابعة عشرة عن التصوف. وحملت هذه المحاضرات سردًا لتجارب دينية كثيرة من مرجعيات دينية وفلسفية مختلفة مثل (اسبينوزا، أوغسطينوس، أبو حامد الغزالي، تولستوي، وغيرهم من الفلاسفة والأدباء واللاهوتيين). 

وفي قسم الاستنتاجات يبدأ جيمس بالفلسفة في محاضرته الثامنة عشرة، ويسرد فيها محاولات الفلسفة لتأطير التجارب الدينية الخاصة في الإطار العقلي العام، ويرى أنّ الدين في جوهره شعور خاص وفردي، ورغم المحاولات الدائمة لصياغته داخل مضامين وقوالب فلسفية، إلا أنّ هذه المحاولات تظل ثانوية غير قادرة على احتواء هذه العواطف الدينية، ولا تُقدّم شيئًا عن حجيتها؛ فالشعور نتائجه تشبه الطلاسم والألغاز، وترجمتها المنطقية لا تكون دقيقة. ويقول: "أعتقد أنّ الشعور هو المصدر الأعمق للدين، وأنّ الصياغات الفلسفية واللاهوتية ليست إلا منتجات ثانوية، مثل ترجمة نص من لغةٍ إلى لغةٍ أخرى"()، وينتهي إلى أنّ "محاولة البرهنة على حقيقة مُعطيات التجربة الدينية المباشرة باستخدام عمليات عقلية وفكرية بحتة هي -بلا شك- أمر ميئوس منه تمامًا". بيد أنّ الفلسفة والعقل الإنساني بإمكانهما دراسة التجربة الدينية إذا تخلت عن الميتافيزيقا والاستنباط، وتركت مسألة البرهنة على صحة المعتقدات، وانتقلت إلى دراسة الأديان بصورة وصفية من خلال فرضيات ومعطيات، وبوساطة الاستقراء والنقد، وبين أثر الإيمان في النفس الإنسانية والجماعة، ودراسته من حيث الأثر، والانتقال من اللاهوت إلى علم الأديان. 

ويُعنون جيمس محاضرته التاسعة عشرة بـ: "سمات أخرى"، ويسرد فيها سمات التجربة الدينية وجوانب اللّاوعي فيها. وفي المُحاضرة الأخيرة يُقدّم كافة الاستنتاجات، ويشرح فيها طبيعة التجربة الدينية، ومنهجه الجديد الذي يدرسها من حيث الأثر الناتج عنها، الذي يجعلها واقعية وحاضرة بصورة عملية من خلال تأثيرها في الأفراد والجماعة، ويُلح على احترام تفردها واختلافها، ولا يُنكر الميل الإنساني العام نحو عقلنتها وفهمها. 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية