بين حسم البقاء وغموض الدور: ما مستقبل الإخوان المسلمين في سوريا الجديدة؟

بين حسم البقاء وغموض الدور: ما مستقبل الإخوان المسلمين في سوريا الجديدة؟

بين حسم البقاء وغموض الدور: ما مستقبل الإخوان المسلمين في سوريا الجديدة؟


26/10/2026

يُشكّل البيان الصادر عن الدورة العادية الخامسة لمجلس شورى جماعة الإخوان المسلمين في سوريا المادة الأساسية لدراسة الباحثة مريم البطوش "إخوان سوريا: بين حسم البقاء ومعضلة الدور"، التي تتناول مستقبل الجماعة بعد التحرير في ضوء التحولات السياسية والتنظيمية والدينية التي تشهدها البلاد.

وتتمحور الدراسة، المنشورة في معهد "السياسة والمجتمع"، حول التمييز بين حسم قرار الاستمرار وقدرة الجماعة على تحديد موقعها ووظيفتها في سوريا الجديدة، في ظل تغيُّر السلطة والفضاء الديني والسياسي وتعدُّد الفواعل الإسلامية.

البيان الأخير: تأكيد البقاء دون تحديد الدور

جاء بيان الجماعة في ست عشرة نقطة؛ خُصصت عشرٌ منها للخارج وستٌّ للداخل، مع تداخل بعض الرسائل، وفق الباحثة.

ففي الداخل، جدّدت الجماعة دعم وحدة سوريا أرضاً وشعباً، ورحّبت بمجلس الشعب ودوره في إرساء التعدُّدية السياسية، وشددت على إطلاق مسار جاد للعدالة الانتقالية، وأكدت استمراريتها ووطنيتها واستقلال قرارها وتمسّكها بالنهج الإسلامي الوسطي. 

وتقرأ البطوش هذه المواقف في إطار سعي الجماعة إلى تثبيت موقعها في الحياة السياسية والمدنية، خصوصاً في مرحلة ما بعد المرحلة الانتقالية، والتكيُّف مع الصعود السريع للتيار السلفي في البلاد.

أمّا خارجياً، فقد أشاد البيان بالتحركات الدبلوماسية للحكومة السورية وما نتج عنها من رفع سوريا من قائمة الدول الداعمة للإرهاب، وأدان التوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري، وأكد حقوق الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير المصير، وحذّر من محاولات إيران إعادة بناء نفوذها عبر قوى مسلحة خارج مؤسسات الدولة، وأدان اعتداءاتها على دول الخليج والأردن، ودعا إلى احترام سيادة لبنان. 

ورحّب البيان أيضاً باتفاق مكة للدفاع المشترك، ووجّه الشكر إلى قطر وتركيا والسعودية والأردن على دعم سوريا، داعياً المجتمعين العربي والدولي إلى تقديم الدعم الاقتصادي والإنساني والإسهام في إعادة الإعمار.

وترى البطوش أنّ مضمون البيان لا يختلف عن بيانات الجماعة السابقة، ومنها بيان مجلس الشورى في دورته الرابعة ووثيقة العيش المشترك لعام 2025، وتكمن أهميته، بحسب الباحثة، في تأكيد استمرار الجماعة، في أعقاب الجدل الذي أثارته دعوات حلّها، وفي مقدمتها دعوة مستشار الرئيس السوري أحمد موفق زيدان في آب (أغسطس) 2025.

وقد واجهت الجماعة الدعوات إلى حلها، آنذاك، بالرفض على لسان مراقبها العام، مع إبداء المرونة إزاء مراجعة هياكلها أو حل نفسها مستقبلاً إذا اقتضت مصلحة سوريا ذلك.

ووفق الباحثة، يحسم البيان خيار البقاء، من دون أن يوضح صيغته العملية: هل ستعمل الجماعة بوصفها تنظيماً سياسياً ضمن إطار حزبي، أم ستحتفظ بدور "الداعم الناصح الأمين" للدولة، وهو الوصف الذي أطلقته على دورها سابقاً، أم ستتبنّى صيغة أخرى للاستمرار، على غرار تنظيمات عربية وإسلامية تخلّت عن اسمها، سواء بفعل التكيف الاضطراري أم نتيجة مراجعات استراتيجية؟

وترى الباحثة أنّ تكرار بعض البنود، وخاصة المطالبة بإطلاق مسار جاد للعدالة الانتقالية، يشير إلى ما كان ينبغي للإدارة الجديدة إنجازه ولم تنجزه حتى الآن، أو ما تتباطأ في إنجازه، مع تغليب الاهتمام بالخارج على الداخل؛ حيث تخلُص إلى أنّ قرار البقاء لا يحسم سؤال الوظيفة التي ستؤديها الجماعة في سوريا المتغيرة.

عوامل الاستمرار: التنظيم والسياق الإقليمي

وترهن البطوش مستقبل جماعة الإخوان السورية وشكل استمرارها بتوازنات داخلية وخارجية وتفاعل عدد من العوامل، في مقدمتها تنظيم الحياة السياسية والمدنية خلال المرحلة الانتقالية، والديناميكيات داخل الجماعة نفسها، والتحولات في الفضاء الإسلامي والديني في سوريا والعالمين العربي والإسلامي، فضلاً عن الضغوط الإقليمية والدولية وما قد تفضي إليه من قرارات.

وتستحضر الباحثة في هذا السياق أوضاع الجماعة في دول الجوار، وخصوصاً الأردن ولبنان؛ حيث تواجه تصنيفات وقيوداً تختلف في طبيعتها القانونية، إلى جانب حظرها في الأردن ومصر، وتشير إلى وضع فرع الجماعة في العراق، الذي لا يبدو أفضل حالاً من بقية الفروع، على الرغم من اختلاف المواقف والاصطفافات والسياقات الداخلية، وما يترتب عليها من تباين في صلات هذه الفروع.

لكنّ هذه المعطيات الإقليمية، على أهميتها في فهم الكلفة السياسية المرتبطة باسم الجماعة، لا تكفي لتفسير موقعها داخل سوريا؛ إذ تبرُز ضرورةُ النظر في قدرتها التنظيمية وحجم حضورها الفعلي بعد التحرير، وفق البطوش، انطلاقاً من أنّ الحركات الإسلامية حركات اجتماعية سياقية تتشكل وفق بيئاتها الوطنية وشروطها التاريخية.

وتلفت الباحثة أيضاً إلى أثر "البروباغندا الإعلامية والسياسية" التي أعقبت "الربيع العربي"، خصوصاً بعد الانقلاب على التجربة المصرية، وما رافقها من اتهامات بـ"الخراب والإرهاب" ارتبطت بالصورة النمطية للإخوان، وأثقلت اسم الجماعة بكلفة سياسية وإعلامية امتد أثرها إلى المستوى الدولي.

الحضور داخل سوريا وتعدد الفواعل الدينية

أثار وجود جماعة الإخوان المسلمين في مؤسسات الدولة السورية جدلاً بعد التحرير، خصوصاً بشأن المواقع الإدارية في الصفين الثاني والثالث ومجلس الشعب، غير أنّ الباحثة ترى أنّ جانباً ممّا يُثار يحتاج إلى إعادة نظر، في ضوء طبيعة البيئات المحافظة والمتديّنة في سوريا، وخاصة في حماة وحلب ودمشق، التي شكّلت تاريخياً معاقل للجماعة؛ فالقرب الفكري والاجتماعي من الإخوان لا يعني بالضرورة الانتساب التنظيمي إليهم، كما أنّ وجود أفراد قريبين من الجماعة لا يثبت أنّ حضورها المؤسسي والتنظيمي يطابق الصورة المتداولة عنه.

وفي هذا السياق، تفرّق البطوش بين مفهومَي "إخوان الإخوان"، ويُقصد بهم المتعاطفون مع الجماعة وداعموها، ممّن يحملون خطابها ويتفقون مع مشروعها السياسي والفكري والديني من دون الانتساب التنظيمي إليها، و"الفضاء العام الملتزم"، وهو مفهوم أوسع يضم أطيافاً تتباين مواقفها من الجماعة، بين الاختلاف معها والقطيعة أو تجنّب التعامل معها ومع مشروعها؛ لأسباب قد يكون منها اعتزال السياسة.

أمّا وزن الجماعة من داخلها، فيرتبط بمسارها التنظيمي خلال العقود الماضية؛ إذ عاشت في المنافي قرابة أربعة عقود عقب مجزرة حماة، وتوزعت قياداتها وأعضاؤها على مناطق جغرافية مختلفة، وتعرضت بنيتها التنظيمية للتشظي خلال سنوات الثورة وما سبقها.

وتعزو البطوش جانباً من تمسك الجماعة بالبقاء إلى تقدم أعضائها في العمر وهيمنة خطاب "المحنة" على خطابها الحركي والتنظيمي، إلى جانب صعوبة استقطاب أجيال جديدة، اتّجه كثير منها إلى أشكال أخرى من العمل الإسلامي بمفهومه الواسع وفي مجالات مختلفة.

وترى الباحثة أنّ ثبات خطاب الجماعة على الرغم من تغير شروط العمل يجعل تأكيد البقاء غير كافٍ لتحديد موقعها أو ضمان قدرتها على التأثير والفعل؛ فوزنها السياسي والتنظيمي الفعلي، بحسب تحليلها، أقلّ بكثير ممّا يوحي به اسمها وما يحمله من رصيد تاريخي.

وتشير الدراسة إلى أنّ الجماعة بدأت تفقد بريقها قبل "الربيع العربي"، على الرغم من أنّها كانت في طليعة القوى التي رفعت خطاب "المظلومية السنّية"، الذي يتصدر المشهد السوري اليوم؛ حيث تبين الباحثة أنّ الجماعة واصلت التراجع لأسباب تتصل بوضعها التنظيمي والسياسي، إلى جانب التغيرات التي يشهدها المجال الديني في سوريا.

وفي تناولها للمشهد الديني السوري، ترصد البطوش نشاطاً متنوعاً، رسمياً وشبه رسمي ومستقلاً، يمتد من المدارس السلفية المختلفة إلى التصوف وطرقه، والأشعرية وغيرها من المذاهب الكلامية، بالإضافة إلى تيارات تجمع بين اتجاهات متعددة.

وتسلط الباحثة الضوء على تيارات "ما بعد إخوانية" وجدت في سوريا الجديدة مجالاً للنشاط واختبار الأفكار؛ إذ نشأ بعضها خارج البلاد في ظل انغلاق المجال العام في دول أخرى، ثم وجد في سوريا مساحة لنشاطه وتطبيق أفكاره.

ولا يقتصر تأثير هذه الحركات على الداخل السوري؛ فالباحثة تشير إلى أنّ تمازج تجارب متعددة قد يفضي إلى نشوء كيانات مستقلة أو امتدادات لا تربطها صلات تنظيمية مباشرة، مع احتفاظها بالمرجعية الإسلامية وتقاطعها في الخطاب والمناهج وأدوات العمل.

وفي سياق التحولات التي تشهدها الأوساط الملتزمة، تشير البطوش إلى صعود الداعية الفرد و"المؤثر الداعية"، وبروز الشبكية الإسلامية والسلفية الرمزية أو المزاجية، وتصاعد خطاب المقاومة والمزاج الثوري العام، خصوصاً بعد السابع من أكتوبر والتغيرات الدراماتيكية في سوريا.

وتدعو الباحثة، في ضوء سنوات الثورة وما سبقها وما شهدته من أحداث، إلى إعادة النظر في مفهوم "التديُّن الشامي"، وعلاقة السوريين بالدين، وأنماط تديّنهم وتموضعه في المجال العام، بالنظر إلى تجارب الحركات المختلفة التي اتخذت من سوريا "مختبراً لها".

غياب الموقع وحدود العلاقة مع الدولة

وتلاحظ البطوش أنّ الجماعة لم تحدد في بياناتها مكان انعقاد اجتماعات مجلس شوراها، ولم تشر في ذيلها إلى دمشق، وهو تفصيل يُبقي طبيعة حضورها العلني في سوريا موضع تساؤل، ويطرح احتمال استمرار عملها السري أو انعقاد الاجتماع خارج البلاد. 

وتضع الباحثة هذا الغموض في سياق حسابات الجماعة في علاقتها بالدولة، في ظل ما تنقله مصادر عن اتباع الإدارة الجديدة سياسة "الجفاء والتهميش" تجاهها، استجابة لاشتراطات إقليمية تشبه "الفيتو" على عودتها إلى النشاط والفاعلية في سوريا، مقابل الحصول على الدعم السياسي والمالي والانفتاح على سوريا الجديدة.

وترى البطوش أنّ الموقف من الجماعة تحكمه كذلك عوامل تاريخية وإيديولوجية وتنافسية، ترتبط بخلفية الحكومة الحالية وخطابها بشأن "المظلومية والأكثرية السنية"، في ظل التنافس بين الطرفين على الحاضنة الاجتماعية والثقافية والفكرية واحتكار تمثيلها.

ويزيد البُعد القانوني المسألة تعقيداً؛ إذ حُظرت الجماعة في سوريا منذ عهد البعث بموجب القانون رقم 49 لعام 1980، الذي تقضي مادته الأولى بإعدام كل منتسب إلى جماعة الإخوان المسلمين أو منتمٍ إليها فكرياً، أو مناصر لها أو متعاطف معها، مع تطبيقه بأثر رجعي. 

وقد يتيح استمرار القانون للدولة هامشاً للمناورة، عبر حصر نشاط الجماعة أو تعطيله مرحلياً، إلى حين تعديله أو إلغائه من مجلس الشعب السوري، أمّا سياسة الدولة تجاه الجماعة حتى الآن، فتصفها البطوش بأنّها تجمع بين قدر من العقلانية والتهميش.

من الإخوان إلى "ما بعد الإخوان": عبء التجديد

وتواجه الجماعة، بحسب الدراسة، مهمة تجديد جذري لا تبدو قادرة على إنجازها بسهولة، في ظل بيروقراطية مفاصلها التنظيمية والعوامل الداخلية والخارجية التي تقيد حركتها، فضلاً عن أنّ تمسكها بالبقاء يحول دون حل نفسها، مع أنّ استمرار أيّ كيان سياسي حق مشروع ما دام ملتزماً بقوانين الدولة.

وفي المقابل، يشكل استمرار الجماعة بصيغتها الحالية إحدى العقبات أمام نشوء تيار إسلامي سوري "ما بعد إخواني"، أكثر مرونة وحيوية ومعاصرة وقرباً من الشباب، وقد يؤدي المنشقون عن الجماعة والمقربون منها والساعون إلى تجديدها دوراً في تأسيس هذا التيار، الذي قد يشغل مساحة الوسطية الإسلامية ويستقطب جمهورها الواسع، مستفيداً من رصيد اجتماعي وفكري ارتبط تاريخياً بالإخوان، حتى لو اعتقدت الجماعة أنّها ستفقد هذا الرصيد بتراجع حضورها أو انكفائها.

ويظل السؤال المطروح، في ختام الدراسة، متعلقاً بمدى قدرة القوى السياسية الإخوانية على العودة إلى الساحة السورية، ومدى قبولها محلياً، قبل النظر في موقف الدولة، وقدرتها على تحديد موقعها ووظيفتها وتقديم إضافة نوعية في ضوء تجاربها التاريخية وتعدد الفواعل الدينية المتنافسة. ويأتي ذلك في ظل حسم القيادة الجديدة، مرحلياً على الأقلّ، موقعها السياسي، وإمساك شبكاتها القيادية بمفاصل الدولة السورية.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية