انتخابات عراقية جديدة بمخرجات قديمة

انتخابات عراقية جديدة بمخرجات قديمة

مشاهدة

11/10/2021

لعل الحقيقة المؤكدة هي أنّ الانتخابات العراقية الحالية لن تفضي إلى"عراق جديد" كما يردد الكثير من النخب والأحزاب السياسية التي يجري تدويرها منذ عام 2003، بل إنّ هذه الانتخابات هي أول انتخابات تشهد مقاطعة من مكونات عراقية تمثل مجاميع غاضبة ويائسة من إمكانية تحقيق التغيير المنشود، ولو بحدوده الدنيا، ليس في حقل الحقوق والحريات فقط، بل أيضاً في حقل الخدمات العامة، من توفير مياه الشرب والكهرباء والغذاء والدواء والوظائف... إلخ، وهي مطالب يبدو أنّ أغلبية الرأي العام لا تعول على إمكانية تحقق تقدم في أيّ منها، في ظل استمرار النخبة السياسية والدينية المسؤولة عنها.

رغم صورة الانقسام الذي يشهده الصف الشيعي في هذه الانتخابات وتبدل التحالفات بين الرموز السياسية للأحزاب الشيعية وغيرهم، إلا أنّ تلك التبدلات ستبقى محكومة بالولاء لإيران وسيطرتها على العراق

 

ظاهر الانتخابات أنها تنافس بين أحزاب، وصناديق ومراكز اقتراع وحملات انتخابية وبرامج ووعود، ومظاهر شكلية معززة بالصورة والحركة، تبدو معها الانتخابات لا تختلف عن أيّ انتخابات في دول أوروبا، لكن بالمضمون هناك قناعات بأنّ هذه الانتخابات لن تؤسس لتغيير حقيقي في العراق يستجيب لمطالب غالبية العراقيين، وأنّ أقصى ما ستنتجه سيكون تدويراً مكرراً للنخبة السياسية المسيطرة في العراق، تلك النخبة التي تم تجريبها المرّة تلو الأخرى، والتي أبقت العراق كله رهيناً بيد القيادة الإيرانية التي لم تعد الغائب الحاضر، بعد أن تحولت إلى الحاضر الحاضر الذي لا يغيب، وهو ما يفسّر النسبة غير القليلة للمقاطعة، وخاصة بين الشباب الذين ثاروا ضد إيران وميليشياتها والنخب السياسية الموالية لها في بغداد ومناطق الجنوب، حيث معاقل القواعد المفترضة لإيران وفقاً للتقسيمات المذهبية.

اقرأ أيضاً: الكشف عن نسبة المشاركة المتدنية في الانتخابات العراقية.. هل حسم الصدريون النتيجة؟

رغم صورة الانقسام الذي يشهده الصف الشيعي في هذه الانتخابات وتبدل التحالفات بين الرموز السياسية للأحزاب الشيعية "الصدر وعمار الحكيم وحيدر العبادي ونوري المالكي" وغيرهم، إلا أنّ تلك التبدلات لن تكون ذات معنى في النتائج النهائية، وستبقى محكومة بالولاء لإيران وسيطرتها على العراق، رغم ما يبدو من تأثيرات لغياب الجنرال "قاسم سليماني" الذي كان يرسم خريطة المشهد السياسي في العراق في اللحظات الأخيرة للانتخابات، ويقرر شخصية رئيس وزراء العراق القادم.

اقرأ أيضاً: الانتخابات العراقية: مقتل جندي عراقي وإصابة آخر بالخطأ.. ما القصة؟

وإذا كانت الانتخابات السابقة والانتفاضات التي شهدها العراق ضد الحكومات العراقية السابقة قد أجبرت طهران على القبول برؤساء حكومات عراقية معتدلين، لديهم مواقف من السيطرة الإيرانية المطلقة على العراق، ويطرحون مقاربات تدعو إلى التوازن بين علاقات العراق عربياً ومع أمريكا بالمقارنة مع طهران، ومن بينهم رئيس الوزراء الحالي "مصطفى الكاظمي"، الذي أنجز اتفاقات مع الأردن ومصر في إطار مشروع "الشام الجديدة"، فإنّ هناك شكوكاً عميقة باستمرار هذه النماذج من رؤساء الحكومات العراقية، لا سيّما في ظل متغيرات في إيران أبرزها: إحكام التيار المتشدد في إيران سيطرته على الدولة الإيرانية "المرشد، ورئاسة الجمهورية، والبرلمان، والحرس الثوري"، ونظرة هذا التيار للعراق بوصفه ورقة تفاوض أخيرة مع كافة خصوم إيران وعلى رأسهم الولايات المتحدة، فيما لا زالت الرهانات الأمريكية تراوح مقارباتها بدعم تيارات سياسية شيعية، يمكن أن تتفاعل مع طروحاتها ضد إيران، وهو ما يجري اليوم وفقاً لتسريبات بأنّ الإدارة الأمريكية تفضل فوز التيار الصدري، وهو ما يطرح تساؤلات حول مصير انفتاح العراق على محيطه العربي، الذي تنظر إليه طهران بعيون الشك وتعمل على عرقلته.

أحد السيناريوهات الغائبة الحاضرة هو الاحتمالات القوية بأن تنطلق  في العراق انتفاضة جديدة بمرجعيات قضايا مطلبية ربما تكون أوسع في شموليتها من الانتفاضات السابقة

 

لكن، وبمعزل عن الحزب الذي سيحقق الفوز في الانتخابات، والتوافقات والمساومات التي ستجري في الكواليس بين طهران وواشنطن لتشكيل الحكومة الجديدة، التي ربما تأخذ وقتاً لإعلانها، فإنّ معايير نجاحها أو فشلها في النهاية سيكون مرهوناً بمدى استجابتها وتلبيتها للقضايا المطلبية للعراقيين، وهو أمر ليس بمقدور أيّ حكومة عراقية تحقيقه بدون ضوء إيراني أخضر، وهو ما يتعارض مع مصالح القيادة الإيرانية، التي تتجاوز سيطرتها على العراق الجانب السياسي، وتتجلى في عناوين اقتصادية واجتماعية وثقافية، تؤكد أنّ إيران التهمت العراق.

اقرأ أيضاً: مع قرب انطلاق الانتخابات.. تعرف إلى الدوائر الانتخابية في العراق وعدد مرشحيها

إنّ أكثر السيناريوهات تفاؤلاً لما بعد الانتخابات العراقية لا يرجح إمكانية إحداث هذه الانتخابات تغييراً حقيقياً في العراق، لكنّ أحد السيناريوهات الغائبة الحاضرة هو الاحتمالات القوية بأن تنطلق  في العراق انتفاضة جديدة بمرجعيات قضايا مطلبية، ربما تكون أوسع في شموليتها من الانتفاضات السابقة، وفي مناطق محسوبة مذهبياً على ولاية الفقيه الإيرانية، خاصة إذا تزامنت مع توسع انتفاضات الشعوب الإيرانية الحالية التي تواصلت، بصور اثنية وقطاعية، بعد انتخاب الرئيس الإيراني الجديد "إبراهيم رئيسي" المحسوب على التيار المتشدد والحرس الثوري الإيراني، والتي تؤكد أنّ إيران ليست نموذجاً يُحتذى بالنسبة إلى شعوب المنطقة.



الصفحة الرئيسية