الإرهاب العالمي وصراع الضلالات.. كيف تساهم المؤسسية في تغذية التطرف والكراهية؟

الإرهاب العالمي وصراع الضلالات.. كيف تساهم المؤسسية في تغذية التطرف والكراهية؟

مشاهدة

04/11/2020

إذا سلّمنا كباحثين وخبراء ومثقفين بصوابيّة سرديات النقد الحضاري المعولم الذي شيطن مقولة صراع الحضارات لــ(صموئيل هنتنغتون)، وحكمنا بتهافتها وعنصريتها؛ فإنه لا يسعنا مهما أوتينا من فضيلة للتسامح من الإقرار بأنّ عالمنا اليوم يعيش حقبة مظلمة من صراع الضلالات، وأنّ عمق واتساع مساحة هذه الضلالات غطّى على كل أمل بتوحد هذا العالم تجاه خطر عالمي داهم وخطير مثل فيروس كورونا.

وأزعم؛ وأنا منزعج من ذلك على المستوى الشخصي، بأنّ معظم المؤشرات العالمية تصب في مصلحة فرضية صامويل هنتنغتون.

يتغذى التطرف العنيف والكراهية والإرهاب على تاريخ طويل من خطاب الضلالات المؤسسية

بذات السياق؛ أعتقد بأنه من المفيد إعادة التذكير باختصار شديد  بفرضية (هنتنغتون) اليوم بعد أكثر من ربع قرن من الزمن بعد أول ظهور لها في صيف 1993 في مجلة (فورين أفيريز)، التي شرح بها كيف أن الصدام بين الحضارات هو أكبر تهديد للسلام العالمي، ولكن أيضاً كيف أنّ النظام الدولي القائم على الحضارات هو أفضل ضمان ضد الحرب، وكيف أنّ الانفجار السكاني في البلدان الإسلامية والتطور الاقتصادي لشرق آسيا يغيران السياسة العالمية.

اقرأ أيضاً: لماذا تتعرض فرنسا للإرهاب؟

وتتحدى هذه التطورات الهيمنة الغربية، وتعزز المعارضة للمثل الغربية التي يفترض أنها "عالمية"، وتكثف الصراع بين الطوائف الحضارية حول قضايا مثل الانتشار النووي والهجرة وحقوق الإنسان والديمقراطية. وقد أدت الزيادة السكانية المسلمة إلى العديد من الحروب الصغيرة في جميع أنحاء أوراسيا، وقد يؤدي صعود الصين إلى حرب حضارات عالمية، ثم يقدم هنتنغتون استراتيجية للغرب للحفاظ على ثقافته الفريدة، ويؤكد على ضرورة أن يتعلم الناس في كل مكان التعايش في عالم معقد متعدد الأقطاب والحضارات.

اقرأ أيضاً: لغة الإرهاب: كيف يؤثر علم الأعصاب على الخطاب السياسي؟

لقد صاغ المستشرق الشهير (برنارد لويس) مفهوم الصدام بين الحضارات في عام 1957، بحجة أنّ الإسلام والغرب لديهما قيم لا يمكن التوفيق بينها، ولا يمكن حلها إلا من خلال الصراع. في ذلك الوقت، لم تحظ نظريته باهتمام كبير، حيث كان تركيز الأكاديميين الغربيين موجهاً نحو التعامل مع تهديد وجودي مختلف، وهو الاتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية.

  صاغ برنارد لويس مفهوم الصدام بين الحضارات بحجة أنّ الإسلام والغرب لديهما قيم لا يمكن التوفيق بينها

وهناك اليوم الكثير من الآراء والتنظيرات التي تدعي بأنّ الغرب صاغ نظرية للصراع مع الحضارة الإسلامية كبديل لملء الفراغ الذي تركه الاتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية بعد 1989.

بعد ربع قرن، نوقش الكثير حول فرضية هنتنغتون، وتم توجيه العديد من الانتقادات لها، ومنها نقد إدوارد سعيد في مقالته "صراع الجهالات" التي نشرت في 2001، وأكد فيها إن تسميات مثل "الإسلام" و"الغرب" لا تؤدي إلا إلى إرباكنا حول واقع غير منظم.

اقرأ أيضاً: كيف استغل الإرهاب وسائل الإعلام المعاصرة؟

بيد أن ّنقطة واحدة لا يمكن إنكارها؛ فنموذج هنتنغتون لا يزال مؤثراً إلى حد كبير في الكثير من السياسة العالمية حتى يومنا هذا، وفي مقدمته للطبعة الجديدة للكتاب عام 2011، قال مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق والمنظر السياسي الشهير(زبيغنيو بريجنسكي)، إنّ الكتاب "حصل على مكان على الرف من حوالي اثني عشر عملاً أو نحو ذلك من الأعمال الدائمة حقاً التي توفر الرؤى الجوهرية اللازمة لفهم واسع للشؤون العالمية في عصرنا".

خطاب الضلالات

يتغذى التطرف العنيف والكراهية والإرهاب على تاريخ طويل من خطاب الضلالات المؤسسية، ولعلي لا أغالي اذا قلت بأنّ هناك التباساً واسعاً وعميقاً لمفاهيم مثل؛ التطرف العنيف والإرهاب وخطاب الكراهية، وإنّ هذا الالتباس يُستغل بأبشع الطرق والوسائل للتراشق بين كافة الأطراف الفاعلة في الفعل التواصلي حتى الغائبين عنه بالمعنى الهبرماسي.

اقرأ أيضاً: هل ينجح الإرهاب في تحقيق أهدافه؟

ثم إنّ هذا التراشق يتوسع ويزداد حجماً ككرة الثلج من الأطر المحلية والفضاء المحلي داخل الحضارة الواحدة، مثال على ذلك الصراع بين السنة والشيعة، إسلام معتدل/ إسلام متطرف وهكذا. ثم يتوسع ليشمل الحضارات الراسخة وذات الوجاهة الحضارية.

 وهنا؛ من اللافت أنّ هذا التراشق العنيف هو بين "الحضارات" التي أشار إليها هنتنغتون ويمارسه بشكل دائم أشخاص يدّعون الثقافة والدفاع عن القيم الإنسانية واحترام الآخرين، تحت ذريعة الدفاع عن الحرية والمشترك الإنساني المتجاوز للأديان والأعراق والجنسيات.

 لكن بتحليل مضمون أولي لهذا الخطاب وجينولوجيا سردياته الطوباوية، نكتشف أنه خطاب عنصري شعبوي ومشبع بالكراهية يؤسس البنية التحتية للتطرف العنيف المفضي للإرهاب العالمي الذي يضرب العالم اليوم، سواءً بسواء الإرهاب اليمني القومي المتطرف، أو الإسلاموي، أو الزعفراني - الهندوسي.

اقرأ أيضاً: "مكافحة الإرهاب الجديد".. كيف تغيرت الأساليب والغايات؟

إنّ أكثر ما يتجلى خطاب الضلالة هذا في الصورة ثلاثية الأبعاد التالية: على سبيل المثال يعارض وينتقد الأفراد والمؤسسات والدول توحش وإرهاب داعش أو القاعدة، ويُتهم أتباعه بالقتل والإجرام، وأنهم لا يمثلون الإسلام الحق أو الحقيقي (طبعاً أصبح من المستحيل على المسلم العادي اليوم أن يعرف ما هو المقصود بالإسلام الحق) وأنهم خارجون على الإسلام.

ثم تبني، وتؤسس الأطراف الفاعلة من الدول في معظم الدول العربية والإسلامية خطابها الرسمي واستراتيجياتها في مكافحة التطرف العنيف والإرهاب بناء على هذه القاعدة التي لا أظن يختلف عليها أحد.

نموذج هنتنغتون مايزال مؤثراً إلى حد كبير في الكثير من السياسة العالمية حتى يومنا هذا

غير أنّ ما نشاهده ونلاحظه اليوم في حمى موجة الإرهاب الحالية في فرنسا والنمسا والهجوم على الرئيس الفرنسي ماكرون هو العكس تماماً؛ إذ بحجة الدفاع عن "الإسلام الحق" أو المسلمين في العالم والغرب، نخاطر بالانجراف وراء حملات سياسية شعبّوية واسعة لا تفرق بين هذا "الإسلام الحق" والإرهابيين. وبالتالي يظهر المدافعون أمام العالم منافقين ويكيلون بمكيالين؛ لأنهم يظهرون كمن يدافع عن هذا الإرهاب والتوحش. بنفس الوقت يظهر من يُحارب الجماعات الإسلاموية المتطرفة والإرهابية مهما كانت جنسيته أو دينه على أنه يهاجم الإسلام الحق.

اقرأ أيضاً: ما هي أبرز نتائج مؤشر السلام العالمي لعام 2020؟

إنّ هذه هي التربة الخصبة للإرهاب العالمي وانتشار خطاب الكراهية والصراع وانتشار الإسلاموفوبيا الذي يتزايد باستمرار وتسارع منذ 11 هجمات أيلول 2001 الإرهابية، ليتجذر بالفعل ليصبح ثقافياً حضارياً على مقاس مسطرة (هنتنغتون).

وهذه هي التربة والبيئة الحاضنة التي يرغب بها الإرهابيون والمتطرفون والساسة الشعبويون في الشرق والغرب  لتنفيذ أجنداتهم السياسية داخلياً وخارجياً، إلا إذا تنبّهنا لها قبل فوات الآوان؛ لأن الكل خاسر في هذه المواجهة وعلى رأسهم مدّعي التسامح والرحمة.

الصفحة الرئيسية