
لم يعد حضور جماعة الإخوان المسلمين في أوروبا يُنظر إليه اليوم بوصفه امتدادًا طبيعيًا لحرية التنظيم الديني أو العمل المدني داخل المجتمعات التعددية، بل أصبح جزءًا من نقاش أوسع يتعلق بالأمن، والاندماج، ومستقبل العلاقة بين الدين والسياسة داخل الفضاء الأوروبي. فقد انتقل الملف تدريجيًا من هامش النقاش الأكاديمي إلى قلب النقاش السياسي والأمني في عدد متزايد من الدول الأوروبية.
هذا التحول لم يأتِ نتيجة حادث منفرد، بل جاء ثمرة تراكم طويل من القلق الرسمي المتعلق بصعود الإسلام السياسي، وتزايد العمليات الإرهابية، وتنامي خطاب الانغلاق والهويات المغلقة داخل بعض الجاليات، إضافة إلى شعور متزايد لدى الحكومات بأن بعض الفاعلين الدينيين لم يعودوا يكتفون بدور اجتماعي أو روحي، بل يسعون إلى لعب أدوار سياسية وأيديولوجية غير معلنة.
كما أن هذا الجدل يتقاطع اليوم مع تحولات أوسع تشهدها أوروبا، من صعود اليمين الشعبوي، إلى تراجع الثقة في نموذج التعددية الثقافية، إلى إعادة تعريف مفهوم العلمانية ودور الدولة في تنظيم المجال الديني.
ضمن هذا السياق المتحوّل، لم تعد جماعة الإخوان تُناقش بوصفها حالة معزولة، بل باعتبارها أحد تجليات الصراع الأوسع بين منطق الدولة الوطنية ومنطق الهويات العابرة للحدود.
في هذا السياق، نشر المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات دراسة بعنوان: «الإخوان المسلمون في أوروبا: تحوّلات في السياسات الأمنية»، تناولت فيها تطور حضور الجماعة داخل القارة، وتحول نظرة الدول الأوروبية إليها من فاعل اجتماعي قابل للاحتواء إلى فاعل أيديولوجي عابر للحدود يستدعي المراقبة والمواجهة القانونية الوقائية. وركّزت الدراسة على بنية التنظيم، وطبيعة التهديد، ثم الاستجابات الحكومية المتصاعدة.
من التوسع الهادئ إلى الشبكات العابرة للحدود
بحسب الدراسة، يعود الوجود المنظم لجماعة الإخوان المسلمين في أوروبا إلى خمسينيات القرن الماضي، عندما استقر عدد من كوادر الجماعة في دول أوروبية مستفيدين من مناخ الحريات السياسية والدينية لبناء قواعد تنظيمية واجتماعية مستقرة.
وقد تطور هذا الوجود تدريجيًا من تجمعات صغيرة إلى شبكة واسعة من الجمعيات والمساجد والمراكز التعليمية والخيرية.
وتشير الدراسة إلى أن هذا التوسع لم يكن عفويًا، بل اتسم بمنهجية تنظيمية واضحة، تقوم على العمل داخل الإطار القانوني للدولة، وتقديم الذات كفاعل مدني معتدل، في حين يجري الحفاظ على الروابط الأيديولوجية والتنظيمية داخليًا. هذا النموذج أتاح للجماعة ترسيخ وجودها دون إثارة صدام مباشر مع السلطات.
وترى الدراسة أن هذا النمط من التوسع أنتج بنية تنظيمية مرنة وعابرة للحدود، يصعب تفكيكها قانونيًا لأنها لا تعمل كوحدة واحدة، بل كشبكة من الكيانات المستقلة ظاهريًا، وهو ما منح الجماعة قدرة عالية على التكيّف مع السياقات السياسية المختلفة داخل أوروبا.
وتلفت الدراسة إلى أن أحد أسباب نجاح هذا التوسع يتمثل في قدرة الجماعة على مخاطبة المؤسسات الأوروبية بلغة الحقوق والحريات، في حين تخاطب قواعدها الداخلية بلغة الهوية والانتماء والخصوصية الثقافية.
هذا الازدواج الخطابي منح التنظيم قدرة على المناورة بين الفضاءين السياسي والمجتمعي، وسمح له بتفادي كثير من أشكال الصدام المباشر، مع الحفاظ في الوقت نفسه على بنيته الفكرية المغلقة نسبيًا.
وتوضح الدراسة أن هذا النموذج التنظيمي استلهم بدرجة كبيرة خبرة الجماعة في العالم العربي، حيث طوّرت عبر عقود قدرة عالية على العمل تحت الضغط، والتكيّف مع البيئات السياسية المختلفة، والعمل عبر واجهات متعددة.
و هذا الإرث التنظيمي، بحسب الدراسة، انتقل إلى السياق الأوروبي بصيغة أكثر نعومة، لكنه احتفظ بنفس المنطق القائم على بناء النفوذ التراكمي البطيء.
طبيعة التهديد: أيديولوجي أكثر منه أمني
هذا ولا يتمثل الخطر الرئيسي لجماعة الإخوان في أوروبا في التورط المباشر في العنف، بل في ما تسميه “التأثير الأيديولوجي طويل المدى”، أي إعادة تشكيل علاقة الفرد بالدولة والمجتمع على أساس هوياتي ديني مغلق، بما يقوّض تدريجيًا نموذج الاندماج والمواطنة.
وتشير الدراسة إلى أن الجماعة تعتمد استراتيجية “التمكين الناعم”، التي تقوم على التأثير من داخل المؤسسات، عبر التعليم، والخطاب الديني، والعمل الجمعياتي، بدل المواجهة المباشرة، وهو ما يجعل نشاطها أقل وضوحًا للأجهزة الأمنية، لكنه أكثر عمقًا وتأثيرًا على المدى الطويل.
وترى الدراسة أن هذا النوع من النشاط يضع الدول الأوروبية أمام معضلة قانونية وأخلاقية: كيف يمكن مواجهة مشروع أيديولوجي دون المساس بالحريات الأساسية؟ وكيف يمكن التفريق بين التدين المشروع والعمل الأيديولوجي المنظم الهادف إلى تغيير قواعد اللعبة الديمقراطية من الداخل؟
وتضيف الدراسة أن هذا التأثير الأيديولوجي لا يظهر فورًا في شكل مواقف سياسية راديكالية، بل يتجسد تدريجيًا في أنماط اجتماعية وثقافية تعيد تعريف مفهوم الانتماء، وتُضعف فكرة المواطنة الجامعة لصالح هويات فرعية دينية أو ثقافية.
وهو ما تعتبره الدراسة خطرًا بنيويًا بعيد المدى، لأنه يُنتج مجتمعات موازية داخل المجتمع الواحد دون أن يعلن عن نفسه كخطر أمني مباشر.
كما تكمن خطورة هذا النمط في كونه لا ينتج صدامًا مباشرًا يمكن للدولة التعامل معه أمنيًا، بل ينتج تحولات ثقافية صامتة داخل بعض البيئات الاجتماعية، خاصة في صفوف الشباب، حيث يُعاد تعريف مفاهيم مثل الولاء والانتماء والمواطنة على أسس دينية أو هوياتية، ما يخلق فجوة نفسية وثقافية مع المجتمع الأوسع.
من الاحتواء إلى المواجهة الوقائية
بحسب الدراسة، بدأت الدول الأوروبية منذ منتصف العقد الماضي في مراجعة سياساتها تجاه الإخوان، والانتقال من منطق التسامح والاحتواء إلى منطق الرقابة والتحصين الوقائي، خاصة بعد تصاعد العمليات الإرهابية، وتنامي القلق من التطرف غير العنيف.
وتشير الدراسة إلى أن فرنسا وألمانيا كانتا في طليعة هذا التحول، من خلال تقارير حكومية ربطت بين الإسلام السياسي وتهديد التماسك الاجتماعي، ودعت إلى مراقبة الجمعيات، وتشديد الرقابة على التمويل الخارجي، وتقييد أنشطة بعض المنظمات المرتبطة بالإخوان.
وترى الدراسة أن هذه السياسات لا تعكس فقط هواجس أمنية، بل تعكس أيضًا تحولات أعمق في الوعي الأوروبي بطبيعة التحدي، حيث لم يعد يُنظر إلى الجماعة كحالة خاصة، بل كنموذج لمشروع أيديولوجي عابر للحدود يتحدى الدولة الوطنية من داخلها.
وتشير الدراسة إلى أن هذا التحول في السياسات لا يخلو من مخاطر عكسية، إذ يمكن أن يؤدي الإفراط في المقاربة الأمنية إلى تغذية خطاب المظلومية الذي تتقنه الجماعة، واستثماره في تعبئة قواعدها وتقديم نفسها كضحية للإقصاء. لذلك تشدد الدراسة على ضرورة أن تكون المواجهة قانونية ومؤسساتية دقيقة، تستهدف السلوك والتنظيم لا الهوية ولا الدين.
وتضيف الدراسة أن اختلاف الاستجابات بين الدول الأوروبية — بين تشدد فرنسي، وحذر ألماني، وبراغماتية بريطانية — يعكس غياب رؤية أوروبية موحدة، وهو ما تستفيد منه الجماعة عبر نقل أنشطتها من بيئة أكثر تشددًا إلى أخرى أكثر تساهلًا، ما يعزز من طابعها العابر للحدود ويُضعف فعالية السياسات الوطنية المنفردة.
خاتمة
ويبدو أن هذا الصراع ليس قانونيًا أو أمنيًا فقط، بل هو في جوهره صراع على تعريف القيم المشتركة داخل المجتمع الأوروبي، وعلى قدرة الدولة على الحفاظ على نموذج المواطنة الجامعة في مواجهة مشاريع تعيد إنتاج الانتماءات الأولية والفرعية.
وتؤكد الدراسة في هذا السياق أن نجاح المقاربة الأوروبية لا يقاس فقط بقدرتها على الحد من نفوذ الجماعة، بل بقدرتها على تعزيز نموذج اندماج بديل قائم على المواطنة، والتعليم، والمشاركة المدنية المفتوحة، بما يقلل من جاذبية المشاريع الأيديولوجية المغلقة لدى الأجيال الجديدة داخل الجاليات المسلمة.
وتخلص الدراسة إلى أن الإخوان المسلمين في أوروبا باتوا يشكلون اختبارًا حقيقيًا لقدرة الديمقراطيات الأوروبية على حماية نفسها دون التخلي عن مبادئها، وأن هذا التوتر مرشح للتصاعد في السنوات القادمة، ما يجعل الملف ليس قضية أمنية فقط، بل قضية تتعلق بمستقبل النموذج الأوروبي نفسه في مواجهة التحديات الأيديولوجية العابرة للحدود.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_137.jpg.webp?itok=HnhMzQlS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_41.jpg.webp?itok=On1h3rLn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%AF%D9%89_3.jpg.webp?itok=GzVSVcLb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B4%D8%A7%D9%84_5.jpg.webp?itok=T4nm0oxH)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_76_1_6.jpg.webp?itok=21uKhHnT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%86_79.jpg.webp?itok=7rXr9kK6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_29.jpg.webp?itok=jjxltkfu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_9.jpg.webp?itok=cJkeDBI8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%860_5.png.webp?itok=uy9-QkPN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B4%D8%B9%D8%A8%D9%88%D9%8A_1.jpg.webp?itok=PG4F23Pr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_2.png.webp?itok=KvwDNfyu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A72_1.png.webp?itok=YYGzHrYP)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%8A%D9%86_13.jpg.webp?itok=yRHQ2GxB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_102.jpg.webp?itok=8kyi51xo)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%B1%D9%831.png.webp?itok=pqRItlwk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D9%8A%D8%B30_2.jpg.webp?itok=3AR9ZyXH)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B3%D8%AC%D8%AF.png.webp?itok=UXF0wEpY)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%B1%D9%832.jpg.webp?itok=AQjEmokX)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_21.jpg.webp?itok=7QoqemGI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_7.jpg.webp?itok=wRDX_4Wm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%860_3.jpg.webp?itok=nAqwYt3Q)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_11.jpg.webp?itok=XKFZ_04A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D8%A7%D9%8A_0.jpg.webp?itok=SXMpXSdR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_9.jpg.webp?itok=iP0-4sjy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)
