
عندما اعتزل ابن خلدون الناس أربعة أعوام في البادية بقلعة أولاد سلامة بالجزائر بعد حياة سياسية حافلة، شرع في تدوين موسوعته التاريخية "العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر"، طالت مقدمته للكتاب حتى استغرقت ثُلثَه، وأدرك وهو يسعى لاكتشاف الفلسفة التي تحكم نموّ الأمم وحركة المجتمعات، ويضع قواعده الخاصة في قراءة الأحداث التاريخية، أَنّه بصدد ولوج بوابة جديدة في المعرفة الإنسانية عرفها المفكرون الغربيون بعد مئات السنين باسم علم الاجتماع "اعلم أنّ الكلام في هذا الغرض مستحدَث الصنعة، غريب النزعة، غزير الفائدة، أَعثَر عليه البحث، وأدى إليه الغوص".
لقد أجمع الباحثون أنّ صاحب "المقدمة"، التي اشتهرت أكثر من الكتاب الأصلي ذي السبعة أجزاء، هو مؤسس علم الاجتماع، الذي سمّاه "علم العمران"، حتى إنّهم اعتبروا أنّ أكثر المصطلحات التي نعرفها اليوم في كثير من العلوم الإنسانية؛ كعلم الحضارات وعلم فلسفة التاريخ والاجتماع، ما هي إلا ترجمة وتفريغ واستنباط لما ورد في مقدمته. ويكفي أن نقرأ في هذا الصدد ما كتبه بحقه المؤرخ الإنجليزي المعروف أرنولد توينبي: "استوحى وصاغ فلسفة للتاريخ هي دون ريب أعظم عمل استوحاه وأبدعه عقل من العقول".
النشأة وبدايات التكوين العلمي
وُلد ولي الدين عبد الرحمن بن محمد الشهير بابن خلدون عام 732هـ/ 1332م في تونس، ويعود نسبه إلى أسرة حضرمية عريقة أقامت في إشبيلية قبل سقوطها، نشأ في بيت محب للعلم؛ حيث تلقى علوم القرآن والفقه والحديث والشعر والعلوم الفلسفية على أيدي أشهر العلماء في زمانه. فُجع بوالديه ومعظم العلماء الذين درّسوه بجامع الزيتونة إثر الطاعون الذي اجتاح أوروبا وشمال أفريقيا، عندما كان في السابعة عشرة من عمره.
عاش ابن خلدون فترة مضطربة بالصراعات السياسية، وقادت طموحات هذا الشاب إلى تقلد بعض المناصب المهمة؛ إذ كان محط أنظار القادة والطامحين إلى السلطة، مرة يستعينون به، ومرة يهابونه ويسجنونه، فغدا وهو لم يتجاوز الثلاثين عامًا كاتب أبي إسحق سلطان تونس عام 752هـ/ 1351م، وبعد أربعة أعوام عيّنه في المنصب ذاته أبو عنان سلطان فاس الذي ما لبث أن سجنه عامين (758-759هـ) بعد أن اكتشف تعاونه مع أمير بجاية أبو عبد الله الحفصي، ولم يطلق سراحه إلا بعد وفاة السلطان أبي عنان واستبداد الوزير الحسن بن عمر بأمور الدولة.
وبعد سلسلة معقدة من الأحداث السياسية، التي لعب فيها ابن خلدون دورًا محوريًّا، آثر في عام 764هـ/ 1362م قطع البحر إلى غرناطة؛ حيث تولى منصب كاتب السلاطين بعد أن وثق صلاته بالوزير الأندلسي ابن الخطيب، وتعرّف آنذاك على العالم المسيحي، عندما عينه بنو الأحمر في سفارتهم بإشبيلية، عاصمة مملكة قشتالة النصرانية، ورغم النجاح الكبير في مهمته إلا أنّ مقامه في الأندلس لم يطل بعد ما وقع من جفاء بينه وبين صديقه ابن الخطيب؛ بسبب "الأعداء وأهل السعايات" كما يقول.
ثمّ انتقل إلى بجاية عام 766هـ/ 1364م، بدعوة من صديقه الأمير أبي عبد الله الحفصي الذي كان قد وعده بمنصب الحجابة عندما يسترجع إمارته، ولما وصل خصص له استقبالاً يليق بالمنصب الذي أسنده إليه، فبلغ بذلك ابن خلدون قمة مطامحه السياسية.
وما لبث صاحب المقدمة أن عاد إلى غرناطة عام 776هـ/ 1374م، بعد تعثر مسيرته السياسية مرة أخرى، ثم إلى المغرب؛ ليتفرغ لمقدمته (776-780هـ)، ثم رحل بعد ذلك إلى تونس موطن أجداده؛ حيث أقام أربعة أعوام أخرى (780-784هـ)، وفي جامع الزيتونة أثارت دروسُه وتقديرُ طلبته، الذين انهالوا عليه، غيرةَ أستاذه السابق ابن عرفة الذي ألّب الناس عليه، فلم يجد بدّاً من مغادرة مسقط رأسه إلى غير رجعة، ليستقر في مصر حتى وفاته عام 808هـ/ 1406م بعد أن فُجع مرة أخرى بجميع أفراد عائلته في غرق المركب الذي كان يقلهم إلى الإسكندرية، وفي القاهرة تولى منصب قضاء المالكية بالإضافة إلى التدريس في الأزهر، وفي هذه الأثناء زار الحجاز حاجًا، وارتحل إلى الشام، وهو في السبعين وكان لقاؤه الشهير بزعيم التتار تيمورلنك الذي فشل في إقناعه بالعدول عن اقتحام دمشق التي كان يحاصرها.
"المقدمة": ميلاد رؤية جديدة للتاريخ
كانت حياة ابن خلدون حافلة بكل معنى الكلمة، وقد وثّقها بقلمه في كتابه المعروف بـ "التعريف بابن خلدون ورحلته غربًا وشرقًا"، مستعرضًا تنقلاته والحوادث التي مرّت به منذ نشأته حتى قبيل وفاته بأشهر. وقد مكّنته معارفه الموسوعية، وتجربته السياسية الطويلة، واحتكاكه العميق بالناس والحكام، من تكوين ذخيرة فكرية واسعة انعسكت في مؤلفه الأشهر "المقدمة"، التي طغت على سائر ما كتب.
قسَّم ابن خلدون مقدمته التي أودعها نظريته الفريدة إلى ستة فصول رئيسة: العمران البشري على الجملة، العمران البدوي والأمم الوحشية، العمران الحضري في الدول والملك والخلافة والمراتب السلطانية، البلدان والأمصار وسائر العمران من مدن وهياكل وبناء المساجد والبيوت وخلافه، وجوه المعاش من الكسب والصنائع وغيرها، العلوم وأصنافها والتعليم وطرائقه.
تقوم نظرية ابن خلدون على أنّ الإنسان "اجتماعي بطبعه"، وإذا حصل هذا الاجتماع القائم على المنفعة المتبادلة، يصبح لزامًا قيام الدولة بالعصبية والشوكة، لكي تمنع العدوان من بعض الناس على البعض الآخر؛ لأنّ الناس ينزعون إلى الظلم والعدوان، وهذا هو منشأ العمران، كما يقول.
مال ابن خلدون، بحكم خبرته، إلى تقديم أفكاره "الواقعية" الجريئة بقالب دبلوماسي حتى لا يثير عليه من لا تروقهم تلك الآراء، ممّا يجعل مُطالعها يجد صعوبة في الربط بينها، ومع ذلك لم يسلم، بفعل القراءات المتعجلة، من رميه بالشعوبية وغيرها من التهم، حتى الباحثون اختلفوا في تحديد محور نظريته التي تعالج مواضيع شتى من صراع البداوة والحضارة إلى الاقتصاد السياسي، ومبعث الدهشة في هذه النظرية أنّ ابن خلدون أقامها على مبدأ ديالكتيكي يؤمن باجتماع الصفات المتناقضة في البشر، فالبدو عنده صالحون وطالحون في الوقت نفسه كالحضر، وكان يؤمن أنّ الإنسان يستمد أخلاقه من المجتمع الذي يعيش فيه، والمجتمع بدوره خاضع في أخلاقه للأحوال الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تحيط به؛ فالأخلاق برأي ابن خلدون "مألوفات وعادات اجتماعية لا تخضع للإرادة الفردية. أمّا الفرد الذي يحاول مخالفة المجتمع في عاداته، فإنّ مصيره إلى الفشل والهوان".
العصبية والمنهج الفكري لابن خلدون
توسّع ابن خلدون في الحديث عن دور ما سمّاه "العصبية" في قيام الدول واضمحلالها؛ أي الرابطة الاجتماعية التي تربط أيّ جماعة، وعدّها العامل الحاسم في تأسيس الدولة. وعندما تضعف هذه العصبية بفعل الترف الحضري، تصبح الدولة عاجزة عن الصمود أمام جماعة جديدة أشد تماسكًا واندفاعًا، وهكذا دواليك؛ لأنّ ذلك في نظره قانون ثابت يحكم الدول.
ملامح العبقرية عند ابن خلدون تتناثر في ثنايا مقدمته؛ ففي مخالفته للمنطق الصوري الذي صبغ التفكير الإسلامي والإنساني حتى عهد قريب نجده يميل إلى المنهج التجريبي الذي احتاج العالم إلى ثلاثمئة سنة بعده حتى يرسيه على يد الإنجليزي فرانسيس بيكون "إنّ المطابقة بين تلك النتائج الذهنية التي تستخرج بالحدود والأقيسة كما في زعمهم وبين ما يحدث في الخارج غير يقينية، لأنّ تلك أحكام ذهنية كليّة عامة والموجودات الخارجية متشخصة بموادها... إنّ صناعة المنطق غير مأمونة الغلط لكثرة ما فيها من الانتزاع وبعدها عن المحسوس".
نجح ابن خلدون في ترك بصمة لا تنسى في المعرفة الإنسانية وتحريك مياه الفكر الراكدة مستفيداً من الإرث الإسلامي العظيم الذي بنى عليه قمّته، فلا عجب أن تتنافس الإنسانية في الاحتفاء به كما فعلت إسبانيا في احتفالها المهيب عام 2006 بمناسبة مرور 600 عام على رحيل رائد علم الاجتماع.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_0.jpg.webp?itok=ZtSgI9Dk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9_1_3.jpg.webp?itok=6SxxGstd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_1.jpg.webp?itok=g6wDAP5i)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/nhj_4_1_0.jpg.webp?itok=kmavJWBY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%8A_%D8%B3%D9%86%D8%A7%D8%B1-%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF_%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%B3.jpg.webp?itok=8CTlRjMJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A7_0_0_0_0.jpg.webp?itok=xcb0CJSf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_1_1_3_1_1_1_0_2_0_0_2_0_0_3_3.jpg.webp?itok=ljJYbzw3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_0.jpg.webp?itok=v2TFnTqk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/untitled-design-%288%29-xvB2M1.png.webp?itok=NCHUSu9t)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82_102_0_1.jpg.webp?itok=0khZilrZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_10_1.jpeg.webp?itok=NWckZXvy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/00_70_0_0.jpg.webp?itok=l2E0VzN5)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%86_22_12_0.jpg.webp?itok=1Hy2d7Fm)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/f5293688-9864-4ce0-b5fd-1b2017e77ac2_0.png.webp?itok=DHNzQ9OE)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_21_0_1_0_1.jpg.webp?itok=q7N1wZUW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/329b82cb8109e77c619ec868801bf4ea.jpg.webp?itok=AJgYhHv4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=8SLd47GI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_1.jpg.webp?itok=lILRfShi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)