من التعبئة إلى السياسة... هل تتغير الأحزاب الدينية فعلاً؟

من التعبئة إلى السياسة... هل تتغير الأحزاب الدينية فعلاً؟

من التعبئة إلى السياسة... هل تتغير الأحزاب الدينية فعلاً؟


25/10/2026

تُثير سلسلة المقالات التي نشرها الباحث في الفكر الإسلامي محمد صبحي العايدي في جريدة "الغد" الأردنية أسئلةً حول طبيعة الأحزاب الدينية وعلاقتها بالمرجعيات الفقهية، ومدى توافق تصوُّراتها الفكرية والتنظيمية مع متطلبات العمل السياسي في الدولة الحديثة.

وينطلق العايدي من أنّ الإشكالية لا تكمن في حضور الدين في المجال العام، بل في توظيفه سياسياً، وفي طريقة تعامل هذه الأحزاب مع التراث الفقهي، وفي قدرتها على الانتقال من التعبئة الإيديولوجية إلى بناء برامج وسياسات تستجيب لتعقيدات الواقع.

وتتوزع مقالات الباحث على ثلاثة محاور متصلة: الانتقائية في التعامل مع المذاهب الفقهية، وحدود التحوُّل الذي يمكن أن يحققه تغيير أسماء الأحزاب الدينية من دون مراجعة مضامينها، ثم حصيلة قرن من التعبئة وسؤال الجدوى السياسية.

المذاهب الفقهية بين المنهج والتوظيف السياسي

يُفرّق العايدي بين المذاهب الفقهية بوصفها منظومات معرفية تشكّلت عبر قرون من الاجتهاد، وبين التعامل معها باعتبارها مخزوناً من الآراء يمكن الاختيار منه وفقاً للحاجات السياسية والتنظيمية؛ فالمذاهب، بحسب رأيه، ليست مجموعة أحكام متفرقة، وإنّما مناهج تضبط الاستدلال والترجيح، وتحدّ من التوسُّع غير المنضبط في التأويل، ومن إخضاع تفسير الدين للنزعات الفردية أو الحزبية.

ويعزو الباحث التوتر بين الأحزاب الدينية والمذاهب إلى اختلاف طبيعة كل منهما؛ فالعمل الحزبي يتطلب المرونة والقدرة على التكيُّف مع البيئات السياسية المتغيرة، بينما يقوم الفقه المذهبي على تراكم معرفي وشروط منهجية ينبغي مراعاتها قبل الوصول إلى الأحكام، ومن هذا الاختلاف تنشأ، وفق قوله، ظاهرة "الانتقائية الفقهية"، حين تستدعي الأحزاب أقوالاً فقهية تخدم احتياجاتها، من دون الالتزام بالمنهج الأصولي الذي أنتجها.

غير أنّ العايدي يميز بين الاختيار الفقهي المنضبط والانتقاء السياسي؛ فالاختيار بين الأقوال الفقهية ممكن في إطار التعدُّد الذي يتيحه الاجتهاد، شريطة الالتزام بالمنهج العلمي ومراعاة حاجات الناس عموماً، وفق القواعد الكلية والمقاصد الشرعية، أمّا الانتقاء الحزبي، فينطلق، في رأي الباحث، من موقف سياسي قائم، ثم يبحث عن سند شرعي يبرره ويخدم مصالح جماعة بعينها.

ويستشهد الباحث بتجربة الشيخ يوسف القرضاوي وكتاب "فقه السنة" لسيد سابق؛ إذ يرى أنّ ربط القرضاوي الفقه بالواقع في بعض التطبيقات فتح المجال لقراءات غير منضبطة في نظر المتخصصين، وأنّ الترجيح الفقهي اقترب أحياناً من التقدير السياسي، أمّا تقديم سيد سابق الأحكام بطريقة عابرة للمذاهب، فقد يسّر المعرفة الفقهية، لكنّه أسهم، وفق العايدي، في إضعاف حضور البنية الأصولية في الوعي العام، وعزّز الطابع الانتقائي الذي يتناسب مع توجهات الأحزاب الدينية.

وعلى هذا الأساس، يخلص العايدي إلى أنّ علاقة الأحزاب الدينية بالمذاهب لا تقوم دائماً على الالتزام العلمي؛ إذ تستدعي هذه الأحزاب الفقه عندما تحتاج إلى إضفاء المشروعية على مواقفها، وقد تتجاوزه عندما يُقيّد خياراتها السياسية والتنظيمية.

ويربط العايدي إشكالية العلاقة بين الأحزاب الدينية والمرجعيات المذهبية باستقلال الفقه عن التنظيم الحزبي، وما يفرضه الالتزام بمنهج هذه المرجعية من قيود على المناورة السياسية، إضافة إلى إقرار المذاهب بتعدُّد وجوه الفهم والاختلاف، وهو ما قد يتعارض مع حاجة الحزب إلى خطاب موحد يسهّل التعبئة.

تغيير الاسم أم المضمون؟

ينتقل العايدي إلى مسألة تغيير الأحزاب الدينية أسماءها استجابة لمتطلبات القانون، مشدداً على أنّ حذف الوصف الديني من اسم الحزب لا يدل، في حد ذاته، على تحوّل في طبيعته أو ممارسته السياسية؛ فالمعيار، بحسب رأيه، هو مراجعة البنية الفكرية والتنظيمية ومضمون الخطاب.

ويناقش العايدي نصوصاً من الأنظمة الداخلية لبعض الأحزاب الدينية، مشيراً إلى أنّها تعكس تصوراً لدور الحزب بوصفه حاملاً لوظيفة دعوية لا فاعلاً سياسياً؛ فحين يعرّف الحزب نفسه من خلال "الواجب الشرعي في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، فإنّه ينتقل، بحسب الباحث، من تمثيل فئة من المجتمع إلى السعي لتوجيه المجتمع بأكمله، بما يتعارض مع مبدأ التعدُّد الذي يقوم عليه العمل الحزبي، ويضع الحزب في موقع الوصاية على المجتمع.

ويظهر الإشكال، بحسب العايدي، أيضاً في النص على هدف "تطبيق الشريعة الإسلامية في مختلف ميادين الحياة"؛ إذ يرى أنّ هذه الصياغة لا تقدم برنامجاً سياسياً قابلاً للنقاش والتعديل، بقدر ما تُعبّر عن تصور شامل ومكتمل للحياة والمجتمع.

ويورد العايدي كذلك عبارات مثل "إعداد الأمة لجهاد أعدائها" و"التربية الجهادية للأمة"، ويعدّها لغة "إيديولوجية تعبويّة" تنقل العمل الحزبي من مجال البرامج وإدارة المصالح والتوازنات إلى الحشد والتعبئة الإيديولوجية، وتُخضع السياسة لمنطق الصراع، مؤكداً أنّ الإعداد وتعزيز المفاهيم الدينية والتربوية من مهام الدولة التي تحدد الأطر والجهات القانونية المخولة بالاضطلاع بهذه الأدوار.

ويتوقف العايدي عند نصوص تجمع بين "تحقيق الولاء لله" و"أصالة الانتماء إلى الأمّة"، معتبراً أنّ الإشكال يظهر حين يتقدم الانتماء إلى الأمّة على مفهوم الدولة الوطنية، بما يقوم عليه من مواطنة وسيادة للقانون، عندها يجد الحزب نفسه بين مرجعية وطنية يعمل في إطارها وأخرى أوسع تتجاوز حدود الدولة.

ويناقش الباحث النص المتعلق بـ "دعم المؤسسات الدينية ونشر رسالة المسجد"، لافتاً إلى أنّه يفتح الباب أمام توظيف المنابر الدينية في التنافس السياسي، بما ينقلها من فضاء جامع إلى ساحة للاستقطاب، وفي هذه الحالة، لا تقتصر المسألة على إضفاء الشرعية الدينية على السياسة، وإنّما تمتد إلى تسييس الدين نفسه، بما يمسّ رسالته الجامعة.

وبناءً على هذه الأمثلة، يصف العايدي بنية بعض الأحزاب الدينية بالشمولية، لخلطها بين الدعوة والعمل السياسي، وانطلاقها من تصور يرى أنّها صاحبة الحقيقة، وتسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع وفق رؤيتها، بدلاً من التركيز على البرامج الوطنية العملية في مجالات الاقتصاد والتعليم والخدمات.

ويرتبط التحوّل الحقيقي، وفق الباحث، بتغيير تصوُّر الحزب لدوره، من كيان يسعى إلى توجيه المجتمع وفق مرجعيته الخاصة إلى فاعل سياسي وطني يعمل ضمن إطار الدولة، ويقدم برامج قابلة للمراجعة، ويتعامل مع السياسة بوصفها مجالاً للتنافس والتوافق، لا امتداداً لرسالة دعوية أو مرجعية تتقدم على القانون والمؤسسات الرسمية.

قرن من التعبئة وسؤال الجدوى

وفي مقاله الثالث والأخير من السلسلة، يقيّم العايدي حصيلة التجربة التاريخية للأحزاب الدينية، متسائلاً عن نتائج عقود من التعبئة والوعود بالإصلاح واستعادة نموذج مثالي للعدالة.

وينطلق في نقده من أنّ هذه المشاريع قامت، في جانب أساسي منها، على افتراض أنّ أزمات المجتمع ناجمة عن الابتعاد عن "النموذج الصحيح"، وأنّ العودة إليه كفيلة بإصلاح الأوضاع.

ويعترض العايدي على هذا التصور لاختزاله تعقيدات الواقع في تفسير واحد، يقوم على اعتبار التاريخ ابتعاداً عن نموذج مكتمل ينبغي استعادته؛ فالدولة الحديثة، كما يوضح، منظومة من المؤسسات والقوانين والتوازنات والعلاقات الدولية، لا مجرد مجال لتطبيق تصور أخلاقي مجرد. ومن ثم، فإنّ إدارة شؤونها تتطلب حلولاً عملية للتحديات الاقتصادية والاجتماعية، لا الاكتفاء بالشعارات القيمية أو استدعاء الماضي.

ويظهر أثر الخلط بين المثال الدعوي ومتطلبات العمل السياسي، بحسب العايدي، في ارتباك المواقف وصعوبة صياغة سياسات واقعية، وتتعمق الإشكالية حين تتحول الإيديولوجيا إلى منظومة مغلقة، تعامل فيها مراجعة الاجتهاد أو المواقف بوصفهما مساساً بالدين نفسه، بدلاً من التعامل معهما باعتبارهما مراجعة لفهم بشري قابل للنقاش والتغيير.

ويترتب على ذلك، بحسب الباحث، ارتفاع الكلفة الفكرية والتنظيمية والشعبية للمراجعة؛ إذ تخشى الحركات أن تُفسر مراجعاتها تراجعاً، أو أن تفقد جزءاً من رصيدها الشعبي الذي تأسس على تقديم مواقفها بصيغة قطعية.

ويرصد العايدي اختزال الصراعات السياسية في تفسيرات مباشرة تغفل تعقيداتها البنيوية وأبعادها الاقتصادية والاجتماعية، مشيراً إلى أنّ هذا الاختزال يحجب مقاصد الشريعة الكلّية وقدرتها على استيعاب التحوّلات، وبدلاً من الإفادة من توسيع إمكانات الفهم والتطبيق، تأتي قراءات جزئية تقيّد مجال الاجتهاد ومرونته.

وحين تعجز هذه الأحزاب عن تجاوز هذا التوتر، تلجأ، بحسب العايدي، إلى تكثيف التعبئة بدلاً من مراجعة أفكارها، وتعزو تعثّر مشروعها إلى عدم منحه الفرصة الكافية أو إلى قوى تعرقله، وهكذا تصبح التعبئة غاية، فيما تظل النتائج العملية والوعود مؤجّلة، من دون مساءلة عمّا تحقق فعلياً.

في المحصلة، يرى العايدي التحوّل الحقيقي للأحزاب الدينية بقدرتها على إعادة تعريف دورها كفاعل وطني، والفصل بين المرجعية الفقهية والمصالح الحزبية؛ بما يُمَهّد للانتقال من التعبئة الإيديولوجية إلى طرح برامج واقعية قابلة للنقاش والتطبيق؛ فالتغيير، في رأيه، يُقاس بممارسة سياسية تُقِرّ بالتعددية، وتتخلى عن احتكار الحقيقة، وتلتزم بعقد سياسي مشترك في إطار دولة القانون والمؤسسات.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية