جو حطاب... رحّالة يبحث عن الحكاية التالية

جو حطاب... رحّالة يبحث عن الحكاية التالية

جو حطاب... رحّالة يبحث عن الحكاية التالية


23/09/2026

في عام 2016 كان جهاد حطاب، الشاب الأردني الذي لم يتجاوز السادسة والعشرين، يعود من عمله في المحاسبة إلى غرفته ليقضي ساعات طويلة في مشاهدة يوتيوب وتعلّم مهارات جديدة، وبينما كانت حياته تمضي في مسار مستقرّ ورتيب، أخذ سؤال واحد يتكرّر داخله: ماذا يحب أن يفعل في حياته؟.

لم تكن لديه خطّة مكتملة لما سيأتي بعد الاستقالة، لكنّه كان يعرف أنّ البقاء في مهنة لا يحبها ضمن وظيفة تمضي بإيقاع ثابت، لا يشبه الحياة التي يريدها، وبعد فترة من التفكير والعزلة اتّخذ قراره وترك العمل.

وفي مقطع نشره آنذاك بعنوان "استقلت من وظيفتي لأبدأ من الصفر"، أعلن قراره بكلمات مباشرة: "جاء وقت التغيير... إلى لقاء قريب، سأسافر من الآن وأقوم بشيء أحبه وأستمتع به لآخر يوم في حياتي"، داعياً الآخرين إلى النظر في المرآة وسؤال أنفسهم عمّا يحبون.

لم يكن يعرف، وهو يعلن تلك البداية، أنّ السفر الذي اختاره في البداية نوعاً من "الهروب" سيصبح بعد سنواتٍ مهنتَه، وأنّ الكاميرا التي بدأ يتعلم استخدامها ستتحول إلى أداته الأساسية، وأنّ الاسم الذي اختاره لهذه الرحلة، "جو"، سيصبح اللقب الذي يعرف به جمهورٌ واسعٌ صانعَ محتوى يجوب العالم بحثاً عن القصص.

 السفر الذي اختاره في البداية نوعاً من "الهروب" سيصبح بعد سنواتٍ مهنتَه

وُلد جهاد حطاب في مدينة الزرقاء الأردنية في 18 آذار (مارس) 1990، وقضى جانباً من نشأته في السعودية، ثم درس المحاسبة وعمل في هذا المجال، لكنّ الوظيفة المكتبية، بما تفرضه من روتين ثابت بين التاسعة صباحاً والخامسة مساء، لم تمنحه المساحة والحرية التي كان يبحث عنها.

قبل الاستقالة، دخل مرحلة انعزال استمرت نحو عام، كان يعود من العمل ليقضي ساعات في غرفته، يقرأ ويتعلم الإنجليزية، ويتابع مقاطع يوتيوب، ويتعرف إلى التصوير والمونتاج، ويبحث عن الطريق الذي يمكن أن يبدأ منه، ولم تكن تلك الفترة مرئية للجمهور الذي سيعرفه لاحقاً؛ وإنّما كانت مرحلة إعداد طويلة سبقت ظهور "جو حطاب" بالصورة التي استقرّت في أذهان المشاهدين.

اختياره لاسم "جو" لم يكن مجرد حلّ عملي من ناحية النطق والتداول فحسب، بل جاء أيضاً لتفادي التساؤلات الأمنية التي يثيرها اسم "جهاد" في بعض المطارات الغربية

الوقت أحد أكثر الأمور التي شغلته خلال تلك الفترة؛ فقد تحدّث، في أحد لقاءاته، عن شعوره بأنّه أضاع سنوات شبابه المبكرة ولم يستثمرها، وعن خوفه من أن تستمر السنوات التالية بالطريقة نفسها من دون أن يفعل شيئاً يشعر بأنّه يريده فعلاً.

وحين ترك عمله، لم يكن السفر مشروعاً مهنياً واضحاً؛ فقد كان في بدايته نوعاً من "الهروب" ومحاولة للابتعاد عن البيئة التي عاش فيها، قبل أن يتحول تدريجياً إلى وسيلة لاكتشاف العالم والناس، ومساحة لاكتشاف نفسه وتجاوز خجله وزيادة ثقته بنفسه، ثم إلى محتوى يقدمه للآخرين.

حتى الاسم أصبح جزءاً من هذه الرحلة؛ فاختيار "جو" لم يكن مجرد حلّ عملي من ناحية النطق والتداول فحسب، بل جاء أيضاً لتفادي التساؤلات الأمنية التي يثيرها اسم "جهاد" في بعض المطارات الغربية، وفق ما ذكر في أحد لقاءاته، ليغدو "جو" لاحقاً الاسم المرتبط بحضوره أمام الجمهور.

الكاميرا التي بدأ يتعلم استخدامها ستتحول إلى أداته الأساسية

وفي دول شرق آسيا؛ حيث لا يفهم المارّة لغته ولا يعرفونه، وجد مساحة أكبر للتجربة، وبدأ هناك يبني ثقته بنفسه أمام الكاميرا، فبينما ظلّ "جهاد" الإنسان الهادئ والمتأمل في الخلفية، صار "جو" الرحّالة الذي يجوب البلدان ويتحدث إلى ملايين المشاهدين.

لا يعني ذلك أنّنا أمام شخصيتين منفصلتين نشأتا خلف الاسم؛ فالتجربة نفسها هي التي نقلت "جهاد" من الخجل إلى الظهور، ومن التردُّد إلى احتراف مهنة لم يكن يعرف شكلها حين استقال، وهكذا أصبح "جو حطاب" الاسم الذي تُعرف به هذه الرحلة، في حين بقي جهاد الإنسان "المكافح الشغوف" الذي بدأها بسؤال شخصي عن الطريقة التي يريد أن يعيش بها.

كانت اليابان محطة أساسية في مسيرته؛ إذ أمضى فيها تسعة أشهر، وأنفق، بحسب ما رواه في أحد لقاءاته، نحو عشرة آلاف دولار، بعدما باع سيارته في وقت لم يكن يحقق فيه دخلاً من يوتيوب، فقد كانت القناة في بداياتها؛ واحتاجت قرابة عام للوصول إلى ألف مشترك، وكان الحصول على مئة إعجاب على مقطع فيديو إنجازاً لصانع محتوى لم يكن يعلم بعد إلى أين ستأخذه التجربة.

بدأ حطاب مشواره بمقاطع يومية وتجارب وتحديات، لكنّه لم يستقر طويلاً على هذا الشكل؛ فقد كان يتعلم من المشاهدة والممارسة، ويتابع نماذج مختلفة من المحتوى، من بينها قنوات وثائقية وإخبارية مثل Vox وVice، ويجرّب بنفسه التصوير والتلوين والصوت والمونتاج، ومع تراكم التجربة، بدأ المحتوى يتحول من مجرد توثيق للرحلة إلى بحث عن الحكاية داخل المكان.

كانت اليابان محطة أساسية في مسيرته

وهناك في اليابان حدثت إحدى أهم الانعطافات في مسيرته؛ فبينما كان يستعد لتصوير قرية جميلة، قرأ عن فوكوشيما، التي ضربها الزلزال والتسونامي وتأثرت بالكارثة النووية، فغيّر خطته فوراً واتّجه إليها، وهناك أدرك أنّ تصوير المكان وحده لا يكفي؛ فالأماكن تحمل تاريخاً وسكاناً وتجارب إنسانية تستحق أن تُروى داخل سياقها الصحيح.

عاد إلى الفندق وبدأ يسجل تعليقاً صوتياً للمادة، في واحدة من تجاربه الأولى مع هذا الأسلوب؛ ولأنّ الخجل لم يكن قد غادره تماماً آنذاك، اختبأ تحت الغطاء أثناء التسجيل؛ لتفتح تلك اللحظة أمامه أفقاً جديداً في صناعة الفيديو؛ وهي أن يكون المكان مدخلاً إلى قصة إنسانية، لا مجرد خلفيّة لالتقاط صورة جميلة.

ما يراه أمام الكاميرا يحتاج إلى بحث، وما يسمعه من الأشخاص يحتاج إلى ترتيب، وما يصوره في مكان بعيد يحتاج إلى أن يُنقل إلى مُشاهد قد لا يعرف شيئاً عن ذلك المكان

منذ ذلك الحين أخذ حضور المكان والشخص والحكاية يتقدم على حضوره أمام الكاميرا، ولم يعد السؤال فقط: إلى أين سأسافر؟ وإنّما: ماذا يوجد هنا ويستحق أن يُروى؟ ومن هم الأشخاص الذين يستطيعون تقديم المكان من الداخل؟ وهكذا تطور محتواه من مدوّنات السفر التقليدية إلى مواد ذات طابع وثائقي، قبل أن يستقر على صيغة هجينة يصفها هو بأنّها "مدونات فيديو ذات طابع وثائقي".

أصبح البحث جزءاً من الرحلة نفسها؛ إذ يقرأ عن البلد أو المدينة قبل التصوير، ويبحث في تاريخها وسياقها الثقافي، ثم يسعى للوصول إلى أشخاص من المجتمع المحلي ليكونوا أصواتاً تنقل الحكاية من الداخل، وفي أحيان أخرى تتولّد الفكرة من مصادفة أثناء السفر.

 اتسع فريق العمل حوله؛ فلم تعد القناة جهداً فردياً، بل تحولت إلى مشروع يضم أدواراً متعددة ومتكاملة

فقد ذهب، مثلاً، إلى موريتانيا لتصوير فيديو عن سوق للذهب، لكنّه اكتشف مصادفة "سوق المطلقات"، فتحوّلت الزيارة إلى قصة مجتمعية وإنسانية أوسع، وأضاف فيها إلى المشاهد معلومات عن المكان وحياة الناس، ثم حققت المادة انتشاراً وملايين المشاهدات متجاوزة توقّعاته.

هذه التجربة وغيرها دفعته إلى تجنّب محاولة التنبؤ بعدد المشاهدات؛ فبعض المواد التي تستنزف وقتاً ومالاً قد لا تحقق انتشاراً سريعاً، بينما تعود مواد أخرى إلى الواجهة وتحصد ملايين المشاهدات بعد أشهر أو سنوات، لا سيّما مع الدبلجة وإعادة توزيع المحتوى على أسواق ولغات مختلفة.

ومع تطور المحتوى، اتسع فريق العمل حوله؛ فلم تعد القناة جهداً فردياً، بل تحولت إلى مشروع يضم أدواراً متعددة ومتكاملة؛ إذ تولى شقيقه حمزة إدارة الملفات التجارية وصفحة فيسبوك والتفاعلات، وانضم أنور إلى العمل منذ عام 2021 ليتولى تصميم الرسوم والخرائط التوضيحية، إلى جانب الاستعانة بشبكة من المتعاونين المستقلين في مجالات الترجمة والدبلجة وغيرها.

ومع ذلك، يقول حطاب إنّه يحتفظ بجزء كبير من المونتاج بنفسه؛ لأنّ بناء القصة وترتيب بدايتها ونهايتها من أكثر المراحل التي يصعب عليه التخلّي عنها، ومع اتساع المشروع، بقيت الحكاية في مركز اهتمامه.

وكان تعدُّد اللغات إحدى الوسائل التي وسّعت دائرة الجمهور؛ ففي عام 2021 بدأ تجربة المحتوى باللغة الإسبانية عبر صفحة "Descubriendo con Joe Hattab"، قبل أن يتوسع لاحقاً إلى البرتغالية والإنجليزية والإندونيسية ولغات أخرى، وأصبح جزء من المحتوى يُدبلج إلى أكثر من عشر لغات، ممّا أتاح للقصص التي بدأت بالعربية أن تصل إلى مشاهدين في مناطق مختلفة من العالم.

خلف الرحّالة وصانع المحتوى، إنسان اتّخذ من سؤال شخصي بسيط محرّكاً لإعادة تشكيل حياته: ماذا أحب أن أفعل؟

لم يعد السفر، بهذه الصورة، مجرد انتقال بين البلدان، بل غدا عملية إنتاج منظمة تتطلب تخطيطاً وميزانيات ووقتاً وفريق عمل، بينما ظل جو نفسه في مركز هذه العملية، يمسك بزمام الاختيار والبحث والكتابة والمونتاج. ومع اتساع نطاق السفر، واجه عقبات لوجستية، في مقدمتها التأشيرات وقيود التنقُّل؛ وقد تحدّث، في أحد لقاءاته، عن الوقت والجهد اللذين كان يستنزفهما في السفارات ومعاملات التأشيرات المعقدة، قبل أن يحصل عام 2021 على جواز سفر "سانت كيتس ونيفيس"، ممّا سهّل عليه الوصول إلى عدد أكبر من الوجهات، ومنحه مرونة أكبر في الحركة، ولا سيّما إلى الأماكن البعيدة والمعزولة.

ومع تنامي اهتمامه بالمجتمعات التي يوثقها، تغيّرت علاقته بالتاريخ أيضاً؛ إذ يذكر أنّه لم يكن شديد الاهتمام بهذا المجال في بداياته، غير أنّه أدرك مع الوقت أنّ فهم الحاضر يحتاج إلى معرفة جذوره، ومن هنا أصبح البحث التاريخي جزءاً أساسياً من إعداد مواده، مشيراً إلى أنّه يستعين بوالده، أحياناً، في إعداد النصوص وصياغة المقاطع التي تتطلب معرفة تاريخية.

وهنا لم تعد القصة تنتهي عند التصوير؛ فما يراه أمام الكاميرا يحتاج إلى بحث، وما يسمعه من الأشخاص يحتاج إلى ترتيب، وما يصوره في مكان بعيد يحتاج إلى أن يُنقل إلى مُشاهد قد لا يعرف شيئاً عن ذلك المكان، ومع هذا التغيير تراجع حضور الرحالة أمام حضور الراوي؛ فالمكان لم يعد غاية الرحلة، وإنّما أصبح بداية الحكاية.

وبعد سنوات من الطواف حول العالم، والسفر بين القارات، من أبرد مدن سيبيريا إلى أعماق الأمازون، وجّه جو حطاب عدسته إلى بلده، في حملة مصوّرة شملت الأردن من شماله إلى جنوبه، باستضافة رسمية من هيئة تنشيط السياحة الأردنية، ضمن جهود الترويج للبلاد عبر المحتوى الرقمي.

المكان لم يعد غاية الرحلة، وإنّما أصبح بداية الحكاية

لم تكن الحملة مجرد انتقال لصانع محتوى إلى وجهة جديدة؛ فقد حمل حطاب إليها الأدوات التي راكمها خلال سنوات السفر: النظر إلى المكان من خلال قصته، والبحث عن تفاصيله، والاستماع إلى أهله، وكما فعل في البلدان التي زارها، حاول أن يرى الأردن بوصفه مادة لحكاية.

حظيت الحملة بتفاعل واسع في الأردن، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، وتُوّجت بلقاء الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، وليّ العهد الأردني، لجو حطاب، في لفتة رسمية عكست الاهتمام بالدور الذي يمكن أن تؤديه صناعة المحتوى الحديثة في الترويج للسياحة والتعريف بالتراث الأردني.

لكنّ العودة إلى الأردن لا تعني، بالنسبة إلى حطاب، أنّ الرحلة انتهت؛ فيقول، في بودكاست "بدون ورق": إنّ لديه نحو 150 فكرة لم يصورها بعد، وإنّها تكفيه لأكثر من عام إذا نشر فيديو واحداً كل أسبوع. وحتى بعد وصوله إلى القطب الجنوبي وقطع مسافات طويلة بين القارات، لا يرى أنّ العالم فرغ من القصص؛ فما تزال هناك أماكن وأشخاص وتجارب يكتشفها.

جانب من لقاء الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، وليّ العهد الأردني، لجو حطاب

خلف الرحّالة وصانع المحتوى، إنسان اتّخذ من سؤال شخصي بسيط محرّكاً لإعادة تشكيل حياته: ماذا أحب أن أفعل؟

من مكتب المحاسبة الذي غادره ليبدأ من الصفر، إلى العوالم التي امتدت إليها عدسته عبر فريق وشبكة لغات ومنصات عالمية، عاد "جو" إلى الأردن ليرى مسقط رأسه بعين المسافر الباحث عن المعنى، لا بعين ابن البلد الاعتيادية، ومع تغير حياته وثراء تجربته، لم  يختفِ السؤال الأول؛ بل تبدّل بمرور السنوات من "أين يجد جهاد طريقه؟" إلى "أين يجد جو حكايته التالية؟".



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية