
بينما كنت جالساً مساء ليل الأربعاء أكتب دراسة جادة حول الإخوان المسلمين، إذ سمعت ابنتي الكبرى رؤى، وهي فتاة رزينة ذات 24 ربيعاً، تنادي على أخيها الأصغر أحمد ضاحكة، قائلةً: "لقد وجدت صفحة باسم قاع الهامور كلها ضحك ونكت مسخرة"، انتفض أحمد فرحاً، فأعطته هاتفها ليشاهد الصفحة، وبدأ يدخل ليعلق عليها، واتصلا بأخيهما الأوسط محمد الذي يعمل مترجماً صينياً بالقاهرة، ثم نظرتُ إليهما، ولم أفهم سر السعادة والضحكات، فسألتهما: "ما تضحكوني معاكم"؟ فقالت وهي مبتهجة: قاع الهامور ده مسلسل كرتون معروف ومشهور، عارف سبونج بوب، أغنية حمادة هلال بتاعة الأطفال، أهي الأغنية دي على أهم شخصية في قاع الهامور، وهناك شخصيات أخرى في المسلسل محببة لنا كنا بنتفرج عليها وإحنا أطفال" ثم تابعت: في مجموعة من الشباب عملوا صفحة لتعيد ذكرياتنا الجميلة.
جلست مع أخيها الأصغر ومعهم محمد الأوسط عبر الهاتف يتناوشون ويستعيدون الذكريات، مع سبونج بوب وسلطع وسلطعون وشفيق وبسيط والست نوفيخة وغيرهم من شخصيات المسلسل، استعادوا جُملاً مشهورة كانت تقال وقتها وتنشر البهجة، شاهدت كل ذلك ولم أعر الأمر اهتماماً، فأنا كأيّ أب يفرحه أنّ أبناءه سعداء ويضحكون، حتى لو "مش فاهم هم بيضحكوا على إيه".
يوم الجمعة الماضي سألتهم: ما أخبار صفحتكم الجميلة؟ كنت أقصد بسؤالي البحث عن مشترك بيني وبينهم لا أكثر ولا أقلّ، فاجأتني رؤى بقولها إنّها لم تعد تتابع الصفحة، فتعجبت وسألت لماذا ؟ قالت: إنّ محمد أخاها الأوسط، أبدى مخاوفه من أن تتحول تلك الصفحة من نكتة إلى مشكلة، متذكراً ما حدث قبل سنوات مع صفحة شبيهة اسمها "باتمان في حلوان"، بدأت بدعابة وبنكتة وضحك، ولكنّها انتهت بجد ونكد واستغلال سياسي، ودخول آخرين على الخط، لذلك توقف عن المشاركة بدعاباته على هذه الصفحة.
أثارت مخاوف محمد مخاوفي أنا أيضاً، وسألت رؤى: هل يمكن أن يكون وراء هذه الصفحة أغراض أخرى؟ تبدأ بنكتة ودعابة ثم تنتهي بتراكم الغضب، رفضت رؤى فكرة اتهام الصفحة، ولكنّها أبدت امتعاضها من تحول الصفحة من استعادة ذكريات إلى خلق روح ليست نكتة ولا دعابة، وبنصّ كلامها: "إنّ دخول الفنانين وAI غيّر طبيعة الصفحة من شباب يبحثون عن الدعابة إلى مسار آخر، فلمّا سألتها: "إيه رأيك أكتب في هذا الموضوع"؟ أبدت تحفظها، وقالت ما تكبّرش الموضوع، لكنّ ملاحظة محمد حول باتمان في حلوان دفعتني للبحث وتقصّي الحقيقة.
"باتمان في حلوان" دعوة للحشد
بداية "باتمان في حلوان" كانت منشوراً ساخراً بين مجموعة من الأصدقاء على "فيسبوك"، ادّعى أحدهم أنّه "باتمان الحقيقي"، فردّ آخر إنّه هو باتمان الحقيقي، ثم دخل آخرون على الخط، فتحولت المشادة الهزلية إلى فكرة: لماذا لا يلتقي كل من يدّعي أنّه باتمان في حلوان لمعرفة من منهم "باتمان الحقيقي"؟ بعدها جرى إنشاء مجموعة باسم "معركة حلوان باتمان الحقيقي"، وإنشاء فعالية تحدد موعداً للتجمع في 13 آب/أغسطس 2022 أمام محطة مترو حلوان، مع دعوة المشاركين إلى ارتداء زي باتمان والتنافس فيما بينهم، 44 ألف شخص وصلتهم الدعوة، والأرقام كانت تتغير بسرعة مع انتشار الترند.
الانتشار لم يأتِ من دعوة للتظاهر أو التجمع بلافتة سياسية واضحة، وإنّما من فكرة ساخرة أو ما يُعرف بالميمز، وسرعان ما دخل فنانون ومشاهير على الخط، ومنهم محمد هنيدي وسيد رجب، ممّا ساعد على نقل الموضوع من دائرة الأصدقاء ورواد "الفيسبوك" العاديين إلى المجال العام، ثم تصدر هاشتاج باتمان حلوان مواقع التواصل، وارتفعت عمليات البحث عنه.
هنا بدأت وزارة الداخلية في فحص الصفحات والهاشتاجات، وقام قطاع تكنولوجيا المعلومات بمتابعة تطورات الصفحة لعدة أيام بسبب حجم التفاعل والدعوة إلى التجمع، وفي 6 تموز/يوليو أعلنت وزارة الداخلية ضبط أربعة أشخاص قالت إنّهم القائمون على الدعوة وإنشاء الصفحات التي روجت للفعالية، ووفق الرواية الرسمية، كان الهدف من استثمار التفاعل هو تحقيق مكاسب مادية من الإعلانات والمواد التجارية الدعائية، وبالتالي لم تصل حكاية باتمان في حلوان إلى 13 أغسطس، ولم نعرف ما إذا كان آلاف المشاركين سيذهبون بالفعل إلى حلوان أم لا، ولم نعرف هل كان سيتم استثمار هذا التجمع وتحويله إلى بداية حراك وهتافات معادية وأعمال عنف أم لا.
"قاع الهامور" من النكتة إلى صناعة الغضب الرقمي
لم ينتبه أحد منذ باتمان في حلوان، أي قبل أربعة أعوام، إلى استراتيجية استدراج الشباب عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أو كيف يمكن تحويل أيّ فكرة إلى بالون اختبار لقياس القدرة على الحشد، أو ماذا سيحدث بعد الحشد، كما لم نفهم كيف يدخلون على صفحة ساخرة ويحولونها إلى صفحة غاضبة، وظلت قيادات المجتمع المصري الفكرية والإعلامية أسرى ردّ الفعل، وظل القابعون وراء الكيب ورد وشاشات الحواسيب يخترعون أفكاراً ومسارات لتأجيج الغضب وصناعته. حتى وجدوا ضالتهم في مسلسل كارتوني اسمه "قاع الهامور"، وهو الاسم العربي لمدينة "Bottom Bikini"، وشخصيات هذا العالم معروفة لجيل Z" وألفا"، استغلوا ارتباط الأطفال، الذين أصبحوا الآن في منتصف العقد الثالث على الأقلّ، بهذه الشخصيات، وكلّ الذي فعلوه أن أعادوا ترميزها اجتماعياً، فسبونج بوب أصبح يمثل الشخصية الطيبة والبسيطة والمواطن العادي، أمّا بسيط أو باتريك فهو يمثل الشخصية السذاجة الذي لديه لامبالاة، وشفيق هو الشخصية المتذمرة أو المنعزلة أو الساخطة، ومستر سلطع هو صاحب السلطة والمصلحة ورجل الأعمال والمالك، أمّا المطعم، فهو المؤسسة أو المكان الذي تسقط عليه مشاكل الحياة اليومية.
الخطورة من شكاوى قاع الهامور
تكمن خطورة الصفحة من توظيف النكتة لصالح الغضب، فمن المعروف أنّ المصريين يتغلبون على صعوبة الحياة بالنكتة لتخفف عنهم واقعهم المؤلم، أمّا الصفحة، فقد وظفت النكتة لتوليد الغضب، فعندما يقوم كل شاب وفتاة بإضافة شكوى، وكل شكوى تضيف طبقة أو فئة مجتمعية جديدة إلى قاع الهامور، ويندس من يضع شكاوى جديدة يتلقاها مئات الآلاف من الشباب، ومع الوقت لا يعود قاع الهامور مكاناً يعيش فيه سبونج بوب، بل يصبح بديلاً كارتونياً للواقع المصري، وهنا تصبح العبارة "إحنا في قاع الهامور"، المقابل الموضوعي لإحنا في قاع المجتمع، وهذه هي "التعبئة غير المركزية للغضب".
هذه التعبئة تأتي عبر مراكمة الشكوى والغضب، فمثلاً مشكلة فردية مثل أحدهم يطالب أن يكون البرجر معه مشروب غازي، وآخر يقول إنّ المشروب حق لكل مواطن، فيرفع أحدهم لافتة كيف آكل والمرتب مش كافي؟ وهكذا يتم تحويل النكتة إلى شعور بالغضب، ثم شخص آخر يقول هذه مشكلتي أنا أيضاً، ثم عشرات الأمثلة، لنصل في النهاية إلى إحساس مشترك بأنّ المشكلة عامة، ثم ظهور لغة مشتركة لوصف الأزمة، ثم التماهي مع الشخصيات، ثم تحول السخرية إلى تذمر، والوصول إلى المحطة الأخيرة الغضب.
أدرك جيداً أنّ صفحة "قاع الهامور" ليست حركة غضب، لكنّها صفحة توفر بنية عاطفية تسير نحو الغضب، والتحول من شعور فردي إلى شعور جمعي، ولذلك فإنّ الخطورة ليست في النكتة، وإنّما في اللحظة التي يتوقف فيها أعضاء الصفحة عن الضحك، ويبدؤون في ترديد شكاوى أهالي قاع الهامور (المجتمع)، والبحث عن وسيلة لتفريغ الغضب الرقمي في الواقع المعاش.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D9%8A%D8%B1%20%D8%AA%D8%AF%D8%B1%D9%8A%D8%AC%D9%8A_0.jpg.webp?itok=vxmSwnWT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_1.jpg.webp?itok=xPM6Zm6W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_0.jpg.webp?itok=o9GuuOK0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/bS9h1QQC8Ibxq-Zun7e7I3XZ9pTAR6Hooc8tBKmPdGarEceWYq-LXVMJpnmDToBW2tBynDQtONt9BYdEcNWmtnKCvf1-y8XVc2k7VapC-xhjRdvmUd6AChwb3SggR2pYGpa2blLFZ6lja7ERor2BfD54xHBRWdDoA-f_PXiCBiw75fjOudZLWKl84JjBmDnD.jpg.webp?itok=caFu8voa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_13.jpg.webp?itok=spQUDIJB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84_6_2_0_0.jpg.webp?itok=bXmPMgmE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86_0_0_0.jpg.webp?itok=E2PAAHDO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=oReg_6OS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_2_0.jpg.webp?itok=JhFfhYPA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_3_0.jpg.webp?itok=9i6zbI2S)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_3.jpg.webp?itok=pHqrfLPb)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HZqzmEM3wHkpGDbaSRAGBBQMhEa0hdlTTItgQp3YQ8vkDfD4RYKg23G5l2fLOzSA03MFwoRi3ZXf323e4nL3cGcgCtJZ1paZeCO0deQan3C9vbLdqv33J12rlbMXyvhrmx35wvn3PVmnqlgOasmOg-uxIOD0Ui5L3ldmqsEmQOVOc-DELTto2MSMQ5fvj8mD%20%281%29.jpg.webp?itok=wQ_c7z8P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_0.jpg.webp?itok=woqFOs9E)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/se2eSzBtgtZRvochpXWXHRd8zJBTdSWUjbrvDt0HXmgf6oUX8IJbzzaVjDswDs5fNPFP8F2YCXmj1QoaVi7cvkkCLIDn4lgzNlP5Fb1m1yxn_6_MonFxDiYg9RD7QPKpOqQ76LD1Y5aT7WMJxmzBKZdrEuyHdbh_kree1NSzAlBQqGvzJiK_H5thQehOLXXq%20%281%29.jpg.webp?itok=ybPL0QY1)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/CoGHKdHI0A1hPADsf1xvDHVYJqUe203-L3Pi6M4DItYuTY-LBYbdxBlWhxyVw5eFpyA77EhAFTia-ZJfwN_pPc-dT2jAvVSmof1AU4jW-RzbK6tUu3zl53R8QNE4uB11Ku6-xRExeteqGE4nrU0FKMjgD-qSsmdO2ta_bQ1psS94XeIDmHXni2TQvZ9guYV4.jpg.webp?itok=d3qSl9vR)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

