
ترك التيار الديني الفاعل في المجتمع منذ عقود بصماته على الشخصية المصرية بصورة واضحة تبدو في العديد من المواقف والأحداث اليومية المختلفة، وأسهم في إبرازها الانتشار الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة التي تكشف عن طبيعة الشخصية التي صنعها هذا التيار عبر خطابه وأدواته المتنوعة.
من بين أهم البصمات التي تركها هذا التيار ترسيخه لمجموعة من المسلمات والحقائق المطلقة التي ترسخت في الأذهان لدى شريحة من الأفراد وصارت أمورًا لا تقبل الشك ولا تحتمل إعادة النظر والتفكير، هذه اليقينيات لا تمثل فقط مجموعة من الأفكار والقناعات، لكنّها تمثل نمطًا من التفكير تتميز به الشخصية التي صنعها التيار الديني، وهذا النمط ينتج الكثير من الممارسات ويصنع العديد من الأزمات في الواقع، فاليقين المطلق يخلق الغضب ويسمح للعاطفة بالسيطرة والتحكم، ويجنب العقل ويمنعه من التفكير ومن السؤال الذي يُسهم في صناعة الفرد المعتدل في تفكيره وسلوكه، ويصنع في المقابل فردًا متطرفًا لا يستطيع رؤية الأمور سوى من جانب واحد.
من اليقين إلى السؤال
ثمة علاقة عكسية بين درجة اليقين وحجم المعرفة، فعلى العكس ممّا قد يظن البعض فإنّ اليقين المطلق لا يعكس مقدار ما يحوزه الفرد من معرفة، لكنّه يعكس مقدار ما يجهل، وإذا دققنا النظر في الطريقة التي ينشأ بها هذا اليقين وتتشكل من خلالها المسلمات، فإننا سوف نجد أنّه ينشأ من خلال مجموعة من الأفكار المتوارثة التي يستدمجها الفرد بداخله من خلال وجوده في بيئة معينة لفترة من الزمن، وتتشكل المسلمات نتيجة سيطرة العاطفة على الإنسان وتحكمها في تفكيره ورؤيته للأمور وسلوكه، وهو ما يصنع حالة الغضب تجاه كل ما يعتقد الفرد بأنّه خطأ، ويُنتج هذا الغضب رفضًا لكل ما يراه الفرد مخالفًا لما هو راسخ داخل عقله من مسلمات، ويقوده إلى البحث عن إجابات سريعة ومريحة ومتوافقة مع قناعاته المسبقة، لذلك ينجذب بسهولة إلى الشعارات الحاسمة والتفسيرات المبسطة التي تقسم العالم إلى عدد من الثنائيات؛ خير/ شر، حق/ باطل، أصدقاء/ أعداء، حينئذٍ لا يصبح الهدف هو الفهم، بل الإدانة، ولا يصبح الاهتمام بالبحث عن الحقيقة، لكن بالبحث عمّا يؤكد ويعزز القناعات المسبقة.
بين التطرف والاعتدال
يعكس كلٌّ من التطرف والاعتدال ثقافتين متباينتين بشكل كبير، وهما نتاج لحالة اليقين التي تُنتج الغضب، وملكة التفكير التي تُنتج القدرة على السؤال، فالتطرف نمط من التفكير يتضمن عددًا من السمات، منها الاعتقاد بامتلاك الحقيقة المطلقة، ورفض واحتقار الآراء والأفكار المخالفة، والنظر إلى الأمور وفق ثنائيات حادة لا تقبل المناطق الوسطى، والتعميم وعدم القدرة على الفرز والتصنيف ورؤية الجزئيات، وضعف القدرة على التفكير النقدي والنقد الذاتي.
وفي المقابل تعكس ثقافة الاعتدال عددًا من السمات، منها الاعتقاد بنسبية الأفكار والمواقف ومنطقية الاختلاف وضرورته بين البشر، وتقبل الخلاف وعدم الرغبة في الإقصاء، وامتلاك القدرة على التفكير النقدي ومراجعة الذات، والقدرة على التمييز والفرز ورؤية الكثير من التفاصيل والأبعاد في المواقف والأحداث والشخصيات.
تظهر هنا طبيعة الأثر الذي تركه التيار الديني على شخصية شريحة من الأفراد في المجتمع، حيث أسهم بشكل كبير في تعزيز ثقافة التطرف وتقليص ثقافة الاعتدال؛ فمن جانب يطرح هذا التيار أفكاره وتفسيراته للنص الديني وقراءته للتاريخ والواقع على أنّها حقائق مطلقة لا تقبل الشك ولا الجدال ولا التفكير، ويُرسخ بداخل المتأثرين بخطابه بأنّ ثمة إسلامًا واحدًا لا يحتمل تعدد الأفهام ولا يقبل التطور عبر الزمن؛ من هنا ينشأ اليقين وتتشكل المسلمات والحقائق المطلقة، ويصبح الغضب حالة دائمة تجاه كل ما هو مخالف لما يعتقد الفرد بأنّه يمثل هذه المسلمات، ومن جانب آخر يركز هذا التيار في خطابه على العاطفة ويملك المهارة لتوظيفها بشكل جيد في جذب الأفراد إليه واقتناعهم بما يطرحه من أفكار وتصورات، ويعمل على تقديم الإجابات السريعة والتفسيرات البسيطة المباشرة لكل ما في الواقع من أزمات وظواهر ومشكلات؛ فيعزز من ثم من اليقين ويضعف من ملكة التفكير والسؤال، ويُسهم الخطاب الذي يطرحه التيار الديني في تعزيز الانقسام من خلال ترسيخه لمبدأ الثنائيات، فيتحول كل ما في الواقع إلى أمرين لا ثالث لهما؛ حق أو باطل، خير أو شر، صديق أو عدو... إلخ، فيزداد الغضب تجاه كل ما هو مخالف، ويغيب السؤال عن العقل حيث لا مجال له في ظل صراعات مستمرة وتهديدات وجودية للدين ولممثليه من هذا التيار. أيضًا يعمل هذا التيار على إضعاف ملكة التفكير النقدي من خلال إلهاء أفراده في دائرة مفرغة من الصراعات والمؤامرات ومواجهة الأعداء الحقيقيين والمتوهمين، فتنمو حالة الغضب أكثر ولا يعد للسؤال هنا محل ولا ضرورة.
إنّ المجتمع اليوم يواجه العديد من الأزمات والتحديات المختلفة، لكنّ أخطر ما يواجهه هو ذلك الأثر الذي تركه التيار الديني في شخصية أفراده، فالإنسان هو حجر الأساس ونقطة البداية في أيّ محاولة للإصلاح وأهمّ عنصر في معادلة التقدم، وسيادة ثقافة التطرف في مقابل ثقافة الاعتدال يفسد هذا العنصر ويحول دون القدرة على إنجاز أيّ خطوة تالية.


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_2_0_1_0_0.jpg.webp?itok=p75friqA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84_1_4.jpg.webp?itok=MzntINad)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_40_0_0.jpg.webp?itok=aNYPMIOR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D9%81%D9%88%D8%B1_1_0_2_0.jpg.webp?itok=MDx45CBJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A74_0_1_0.jpg.webp?itok=WYTaC8Sk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%86_0_0_1_0.jpeg.webp?itok=5qeLZFsM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_1.jpg.webp?itok=aTCaigQF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86_6_4_0_2.jpg.webp?itok=N6xMIywk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_1.jpeg.webp?itok=uAvCka4Y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_176.jpg.webp?itok=aL0i-O1b)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/011_4.jpg.webp?itok=0QR5maRr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_27.jpg.webp?itok=3Lue5fk6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_3_0.jpg.webp?itok=XgfaK1jy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_2.jpeg.webp?itok=R9lPs42T)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/GDwvCo_zMvwWviO1UBjZOIncr8lBppACdNT5J2TgfLKiQt_Gch5Mbarh28Jo_9qBwcr2yCAGeE6sde8thVaLC2axkS3EdFlt0lVf9sRMY3oGNK4DR-i8hDLKVbVwbGpBttMNqPlZ0db_UOo4RUv8BtbOP3ye6_zuKhmtGTMdUL1NuxY8S1_j8dcMOIUPl9Ht%20%281%29.jpg.webp?itok=nS9xUUct)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_1.jpg.webp?itok=PBow1BGf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D9%84%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=TYJr2e66)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/4e45cd14-609d-41dc-8337-47bdff5ee0cc_0.png.webp?itok=aZAFci1K)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HHRtQyysZbF0IsEiyGiEZKf1ErV2yrq1-DIV9JDL9Ea-U42ySG26AhLkGx4aRrvXrGW3a-dsfoYN135TImYBxnP0hT98P-6BkwWNswOStJnPRoU-VCiP1Bf1IEcOSKkhvJJHgKmaZ6DeJI58qCX6GOpjD1tmn7QClHujb4AwIBO4ScyqzMqfIetVxvwha7iT%20%281%29.jpg.webp?itok=WCx_0Fzx)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ViYLxN7VkltvpvRG-BjwxijOzunHI9I_yZcM-e_K1TvKFCw4ds6oGRnGjeoTuODbDJZmxErM8WUpMaoSmGVs1o2jjcTozGzw4UwThDP3UDzeljr5wkQNDW3VWrMykNYUsRHwLAOMXx7_q52ErSNBggk2RD-IprWZcNisyCgWBHQYHnnJWha4GC1CQRvIuX5h%20%281%29.jpg.webp?itok=iKGLY69d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7_82_1_2_0_0_0_0_1.jpg.webp?itok=--QJOt8O)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
