"عقدة السيطرة ووهم الطموح": كيف قرأ بودكاست "في الميزان" المشروع الإيراني؟

"عقدة السيطرة ووهم الطموح": كيف قرأ بودكاست "في الميزان" المشروع الإيراني؟

"عقدة السيطرة ووهم الطموح": كيف قرأ بودكاست "في الميزان" المشروع الإيراني؟


07/06/2026

قدّمت حلقة "إيران... عقدة السيطرة ووهم الطموح" من بودكاست "في الميزان"، الذي تبثه منصة "أربعون"، قراءة استراتيجية مُعمّقة للمشروع الإيراني، متجاوزةً السجال السياسي المباشر إلى تفكيك الأسس، الفكرية والإيديولوجية، التي تحكم سلوك طهران الإقليمي. 

الحوار الذي أداره الإعلامي الدكتور موسى الزبيدي بمشاركة مدير وحدة الدراسات الإيرانية في مركز الإمارات للسياسات، الدكتور محمد الزغول، والخبير في الشؤون السياسية والعسكرية، الدكتور مهند العزاوي، سعى إلى تقديم قراءة شاملة للمشروع الإيراني لأبعاده؛ العسكرية والجيوسياسية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية، وبحث المتحاورون أيضًا حدود التمدد الإيراني والتوتر القائم بين طموحات النفوذ الخارجي والتحديات البنيوية التي تعصف بالداخل الإيراني.

كيف توظف إيران أهدافها العسكرية؟

استهلّت الحلقة نقاشها بالتوقف عند التطورات العسكرية الأخيرة المرتبطة بالقدرات الصاروخية الإيرانية وسلاح الطائرات المسيّرة، من خلال تساؤل طرحه الإعلامي موسى الزبيدي حول ما إذا كانت هذه التطورات تمثل مفاجأة استراتيجية للمنطقة والعالم، ومدى قدرتها على فرض معادلات أمنيّة جديدة في الشرق الأوسط. وفي معرض الإجابة، أوضح الخبير العسكري مهند العزاوي أنّ ما بدا "صادمًا" للرأي العام "لم يكن مفاجئًا" للمؤسسات العسكرية والأمنيّة المتخصصة؛ إذ إنّ دول الخليج ومراكز الدراسات الاستراتيجية ظلت على مدى سنوات تتابع تطور القدرات العسكرية الإيرانية، وتبني تقديراتها الدفاعية وسيناريوهاتها الأمنيّة على أساس احتمالات مشابهة، الأمر الذي يجعل ما جرى امتدادًا لمسار متوقع أكثر منه تحوّلًا مفاجئًا في البيئة الاستراتيجية. 

وفي سياق تفكيك بنية الترسانة الإيرانية، قدّم العزاوي معطىً رقميًّا واستراتيجيًّا عدّه "مؤشرًا مهمًّا" لفهم أولويات طهران العسكرية؛ إذ أشار إلى أنّ قراءة توزيع الصواريخ، الباليستية والمجنحة، والطائرات المسيّرة الإيرانية، تكشف أنّ حجم القدرات الموجهة نحو البيئة الخليجية والعربية "يفوق بنحو أربعة إلى خمسة أضعاف تلك المخصصة لمواجهة إسرائيل". 

ويرى العزاوي أنّ هذا التوزيع "لا يقتصر على كونه معطىً عسكريًّا؛ بل ينطوي على دلالة سياسية واستراتيجية أوسع، تتمثل في وجود فجوة بين الخطاب الإيديولوجي الإيراني الذي يرفع شعارات دعم القضية الفلسطينية ونصرة القدس ومواجهة إسرائيل، وبين الأولويات الأمنية والعسكرية الفعلية التي تركز بدرجة أكبر على المجال العربي والخليجي". 

ومن هذا المنظور، اعتبر العزاوي أنّ بنية الانتشار العسكري الإيراني "تعكس توجهًا يهدف إلى تعزيز النفوذ الإقليمي وترسيخ أدوات التأثير في محيطه العربي، أكثر ممّا تعكسه الشعارات المعلنة في الخطاب السياسي الرسمي".

وتوقف العزاوي عند الأبعاد، النفسية والمجتمعية، المصاحبة للهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية، مؤكّدًا أنّ أهدافها "لم تكن عسكرية بحتة، وإنّما انطوت أيضاً على محاولة إحداث حالة من الهلع والارتباك داخل المجتمعات المستهدفة، بما يفضي إلى إضعاف الثقة بالمؤسسات الوطنية وإرباك البيئة الداخلية". ورأى أنّ الرهان الإيراني كان يقوم على توظيف الكثافة النارية لتحقيق تأثيرات، نفسية ومعنوية، تتجاوز الخسائر المادية المباشرة. غير أنّ هذا الرهان، بحسب العزاوي، واجه عقبة رئيسة تمثلت في كفاءة أنظمة الدفاع الجوي ومنظومات الاعتراض التي نجحت في التصدي للنسبة الكبرى من الهجمات، وهو ما حال دون تحوّلها إلى أزمة أمنيّة أو مجتمعية واسعة النطاق. 

ولم يقتصر أثر هذا النجاح، وفق العزاوي، على الحد من الأضرار المادية، إنّما أسهم في تعزيز الشعور بالثقة والطمأنينة داخل المجتمعات المستهدفة، وأظهر حدود قدرة القوة العسكرية وحدها على فرض معادلات ردع أو تأثير نفسي مستدام.  

حروب "المكانة" و"عقدة السيطرة"   

في واحدة من أبرز المقاربات الفكرية التي طرحتها الحلقة، قدّم المحلل السياسي محمد الزغول إطارًا مفاهيميًّا متكاملاً لفهم طبيعة الصراعات التي تحكم حركة الدول وسعيها نحو النفوذ، مميزًا بين نمطين بنيوييّْن من الحروب: أوّلهما "حروب المكان"، وهي النزاعات التقليدية التي ترتبط بالجغرافيا والحدود والثروات والسيطرة المادية المباشرة على الأرض. أمّا النمط الثاني، فهو "حروب المكانة"، وهي صراعات لا تستهدف التوسع الجغرافي بقدر ما تسعى إلى انتزاع النفوذ، والاعتراف السياسي، وفرض موقع متقدم ومسيطر في موازين القوى؛ الإقليمية والدولية.  

وانطلاقًا من هذا التمايز المفاهيمي، رأى الزغول أنّ فهم المشروع الإيراني يصبح أكثر وضوحًا عند النظر إليه بوصفه نموذجًا لـ "حروب المكانة" أكثر منه مشروعًا تقليديًّا للتوسع الجغرافي. فإيران، بحسب قراءته، لا تسعى بالضرورة إلى ضم أراضٍ جديدة أو إعادة رسم الحدود الجغرافية في المنطقة، وإنّما تتحرك بدافع "عقدة السيطرة"، للبحث عن دور مهيمن ومكانة مركزية تمنحها القدرة على التأثير في القرارات الإقليمية وصياغة الترتيبات الأمنية والسياسية في الشرق الأوسط. 

وفي سبيل تحقيق هذا الهدف، اعتمدت طهران، وفقًا للزغول، على مجموعة من الأدوات غير التقليدية التي تتجاوز مفهوم القوة العسكرية المباشرة، من بينها "توظيف الروابط الإيديولوجية والمذهبية العابرة للحدود، وبناء شبكات من الحلفاء والقوى المحلية المتحالفة معها"، إضافة إلى "الاستثمار في الجماعات الوكيلة التي أصبحت تمثل أحد أبرز أذرع النفوذ الإيراني في عدد من الساحات العربية". 

ومن خلال هذه الأدوات سعت إيران إلى ترسيخ حضورها بوصفها طرفًا لا يمكن تجاوز مصالحه عند بحث أيّ ترتيبات، أمنية أو سياسية، تخص المنطقة.  

من "تصدير الثورة" إلى بناء شبكات النفوذ 

وفي سياق تفسير آليات هذا النفوذ، خصصت الحلقة مساحة لتتبع تطور المشروع الإيراني خلال العقدين الأخيرين، ولا سيّما بعد التحولات التي شهدتها المنطقة منذ عام 2011. ورأى الزغول أنّ طهران استفادت من حالة الاضطراب التي رافقت تلك المرحلة لتوسيع حضورها في عدد من الساحات العربية، خصوصًا في العراق وسوريا ولبنان، مستفيدة من تراجع مؤسسات الدولة الوطنية وتنامي الفراغات السياسية والأمنية.  

غير أنّ هذا التوسع لم يقتصر على الأدوات العسكرية والأمنية، إنّما ترافق مع جهود منظمة لبناء نفوذ ثقافي وفكري طويل الأمد. وفي هذا الإطار، توقف الزغول عند تجربة "جامعة المصطفى العالمية"، محذراً من كونها تُمثّل "أخطر ما أنتجته الماكينة الإيرانية لإعادة التوجيه الفكري "غسيل الأدمغة"، إلى الحد الذي "مكّنها من خلق بيئات وتجمعات شيعية مستحدثة في دول ومجتمعات لم تكن تعرف التشيع تاريخيًّا".

وتعمل هذه الجامعة، بحسب الزغول، كإحدى أبرز أدوات التأثير الإيرانية العابرة للحدود من خلال استقطاب آلاف الطلاب من مختلف قارات العالم، وتكوين شبكات علاقات وارتباطات فكرية وثقافية ممتدة خارج إيران تُوظّف لاحقًا كخلايا نائمة أو أذرع نفوذ مجتمعية.  

وفي هذا السياق، حذّر الزغول والعزاوي من تداعيات توظيف الانتماء المذهبي كأداة جيوسياسية، معتبرين أنّ هذا المسار يسهم في تشكيل دوائر نفوذ وتأثير عابرة للحدود الوطنية، بما يمنح المشروع الإيراني امتدادات اجتماعية وثقافية متغلغلة في النسيج المجتمعي. 

ويرى الباحثان أنّ هذه الامتدادات تعمل، بصورة غير مباشرة، كطبقة دعم موازية للأدوات السياسية والأمنيّة التقليدية، بما يعزز حضورها واستمراريتها في الإقليم.  

من "الهلال الشيعي" إلى "محور المقاومة"  

وتوقف الزغول عند التحولات التي طرأت على الخطاب السياسي الإيراني خلال السنوات الأخيرة. فبعد أن ارتبط النفوذ الإيراني لفترة طويلة بمفهوم "الهلال الشيعي"، بدأت طهران، وفق قراءة الزغول والعزاوي، في إعادة صياغة خطابها السياسي ضمن إطار أوسع هو "محور المقاومة" ليضمّ أطرافًا وفصائل ذات خلفيات مذهبية وسياسية متعددة، من بينها قوى سُنيّة، بما يسمح لها بتجاوز حدود المجال المذهبي التقليدي وبناء تحالفات أكثر اتساعًا. 

ويرى الباحثان أنّ هذا التحول في الخطاب، عبر تبنّي شعارات من قبيل "مواجهة إسرائيل" و"نصرة القضية الفلسطينية"، لم يكن مجرد تغيير في اللغة السياسية؛ بل يعكس محاولة لإعادة صياغة أدوات النفوذ الإيراني بعد وصول التمدد داخل المجال الشيعي التقليدي إلى حدوده القصوى. 

ومن خلال هذا التوظيف، سعت طهران إلى توسيع قاعدة تحالفاتها والانفتاح على مكونات وبيئات سياسية واجتماعية أكثر تنوعًا، بما يتيح لمشروعها هامشًا أوسع للحركة والانتشار، ويعزز قدرته على النفاذ إلى ساحات إقليمية جديدة وتوسيع حضوره خارج دوائر النفوذ التقليدية. 

إيران وأمريكا: أزمة بنيوية أم خلاف عابر؟  

وتطرق البرنامج الحواري إلى تحليل طبيعة العلاقة بين إيران والولايات المتحدة؛ حيث طرح الإعلامي موسى الزبيدي تساؤلًا حول أسباب التردُّد الأمريكي، واستمرار التوتر رغم تعدد جولات التفاوض وتبدُّل الإدارات في البيت الأبيض. وفي هذا السياق، أكد الباحثان أنّ السلوك الأمريكي تجاه طهران لا يمكن اختزاله في الحسابات الانتخابية العابرة أو تقلبات الأسواق، وإنّما يرجع إلى أزمة هيكلية بنيوية ترتبط بطبيعة النظام الإيراني نفسه؛ فالولايات المتحدة تنظر إلى إيران بوصفها لا تتصرف وفق المفهوم التقليدي للدولة الوطنية الحديثة، نظرًا لربط شرعيتها بامتدادات إيديولوجية عابرة للحدود. ولذلك، فإنّ التفاهمات المرحلية، بما فيها الملف النووي، لا تعدو كونها تأجيلًا للأزمة لا علاجًا لجذورها. 

وفكّك الزغول والعزاوي ما وصفاه بـ "إخفاقات" متكررة في المقاربات الغربية لفهم إيران. فبرغم التقدم الكبير الذي حققته المؤسسات الغربية في مجالات التخطيط الاستراتيجي وإدارة السيناريوهات، فإنّها، بحسب الطرح المقدم، لم تنجح دائمًا في فهم الخصائص الثقافية والاجتماعية والإيديولوجية للمجتمع الإيراني وبنية السلطة داخله.  

وأشارا إلى أنّ التركيز الغربي على تصفية القيادات التاريخية "الصف الأول" لم يُفضِ إلى تقويض النظام الذي يستند إلى مؤسسات عقائدية مترابطة؛ بل على العكس من ذلك، أسهمت تلك الاغتيالات في إحداث إزاحة داخل هرم السلطة، تمثلت في صعود قيادات الصف الثاني من العسكريين والميدانيين في الحرس الثوري، ممّا أدى إلى عسكرة عملية صنع القرار وتراجع النخب السياسية التقليدية، وهو ما قد يعقد فرص الدبلوماسية مستقبلاً.   

وفي إطار ما يسميه "معركة الوعي"، التي "خسرها النظام الإيراني"، قدّم الزغول قراءة لمفهوم الوعي من منظور علم السياسة، مغايرة للفهم الثقافي والاجتماعي الشائع. فوفق هذا التصور، لا يُقاس الوعي بمجرد الإدراك أو المعرفة؛ بل بمدى تحقق حالة من التماهي بين مصلحة الشعب ومصلحة النظام السياسي، بحيث ينظر المواطن إلى أنّ بقاء النظام واستمراره هو جزء من مصلحته الخاصة. وعندما يتآكل هذا التماهي، يدخل النظام في أزمة شرعية تدريجية تتصل بضعف الرابط بين الدولة والمجتمع. 

ويذهب الزغول إلى أنّ الحالة الإيرانية تعكس، بحسب القراءة المقدمة، مؤشرات على تراجع هذا التوافق بين المجتمع والنظام، بما يفتح المجال أمام مقاربات تقوم على استنزاف الدولة من الداخل بدلًا من مواجهتها بصورة مباشرة، عبر إنهاكها؛ اقتصاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا، وصولًا إلى إضعاف قدرتها على الاستمرار أو المبادرة. 

ويستند هذا التصور، وفق العزاوي، إلى ما يُوصف بـ "النظرية الكلاسيكية" في إدارة الصراع، ولا سيّما في المقاربة الأمريكية، التي تقوم على فكرة إطالة أمد الضغط على الخصم حتى بلوغه مرحلة الإنهاك، بما يجعل أيّ تغيير لاحق أقلّ كلفة وأكثر قابلية للتحقق. ويُستشهد في هذا السياق بتجربة العراق قبل حرب عام 2003 بوصفها مثالًا على تراكم الضغوط الطويلة الأمد، إلى جانب الإشارة إلى لحظات تاريخية أخرى أعقبت الحروب الكبرى حيث جرى إعادة تشكيل موازين القوى بعد إنهاك الأطراف الفاعلة. 

وفي السياق الراهن، يربط الطرح بين هذا المنطق وبين حالة التباين داخل دوائر القرار الأمريكية؛ حيث يُشار إلى وجود تردد وانقسام في مقاربة الملف الإيراني، بين اتجاه يميل إلى الاستنزاف التدريجي طويل المدى، واتجاه آخر يفضل خيارات أكثر مباشرة وحسمًا، وهو ما يعكس، وفق هذه القراءة، عدم استقرار في صياغة استراتيجية موحدة للتعامل مع هذا الملف.    

أزمة الداخل الإيراني وتحديات المستقبل  

تناول الباحثان الداخلَ الإيراني بوصفه الساحة الأكثر تأثيرًا في تحديد مستقبل النظام خلال السنوات المقبلة، مشيرين إلى جملة من التحديات المتراكمة التي تواجه البلاد، في مقدمتها الأزمات الاقتصادية المتمثلة في؛ التضخم وتراجع قيمة العملة وارتفاع تكاليف المعيشة، إلى جانب تداعيات العقوبات الاقتصادية والعزلة الدولية.  

ولفتا إلى التحديات، القومية والإثنية، في بعض المناطق؛ الكردية والبلوشية والعربية، باعتبارها ملفات قابلة للتحول إلى مصادر ضغط إضافية إذا ما تفاقمت الأزمات الداخلية. ورغم ما رصده الباحثان من مؤشرات على تراجع النفوذ الإيراني مقارنة بمرحلة الصعود التي شهدتها طهران خلال العقد الماضي، فإنّ الزغول ساق تحذيرًا استراتيجيًّا بالغ الخطورة؛ مؤكدًا أنّ تحوّل إيران إلى دولة "هشة" أو "بؤرة أزمات مفتوحة" ربما لن يكون بلا ثمن، بل سيشكل تهديدًا لأمن واستقرار المنطقة بأكملها. ونبّه الزغول، في هذا الصدد، إلى ظاهرة أمنيّة حرجة تُعرف بـ "الميليشيات الجوّالة"، وهي المجموعات المسلحة المدرَّبة التي تمتلك خبرات قتالية وتنظيمية متقدمة يمكن إعادة توظيفها في ساحات مختلفة، عبر تشغيلها أو تأجيرها لجهات أخرى في حال ضعف السيطرة المركزية في طهران. وطرح الزغول تساؤلًا استشرافيًّا ومقلقًا يُجسّد واقعية هذا التهديد: "كانت هناك ميليشيات جوّالة في الساحة السورية تُقدّر بنحو 30 ألف مقاتل، فأين ذهبوا؟ وكيف سيتم توظيفهم مستقبلًا؟"؛ محذرًا من أنّ هذه الكتلة البشرية والعسكرية المدججة بالسلاح، ذات الانحيازات الإيديولوجية العابرة للحدود الوطنية، قد تمثل قنابل موقوتة مرشحة للانفجار في وجه المنظومة الأمنية العربية والإقليمية، معتبرًا أنّ مصير هذه التشكيلات اللامتناظرة يمثل أحد التحديات الأمنية الكبرى التي تستحق الرصد والمتابعة الحثيثة في المرحلة المقبلة. 

أمّا بخصوص المقاربات الاستشرافية والمسارات المتوقعة، فقد خلُص الباحثان إلى أنّ الشرق الأوسط يقف اليوم أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية تحكم مستقبله: السلام  أو الحرب أو استمرار الحالة الرمادية المتمثلة في معادلة "لا حرب ولا سلام". ويذهب الزغول إلى أنّ السيناريو الأخير هو "الأكثر ترجيحًا، في المدى المنظور، والأشد خطورة"، نظرًا لما يحمله من إطالة لأمد الأزمات واستنزاف مستمر لقدرات الدول والمجتمعات.  

الدولة الوطنية في مواجهة مشاريع الهيمنة  

في مقابل مشروعات النفوذ العابرة للحدود، طرحت الحلقة النقاشية مفهوم الدولة الوطنية باعتباره الإطار الأكثر قدرة على تحقيق الاستقرار وبناء المجتمعات القادرة على مواجهة الأزمات. 

واستعرض العزاوي التجربة الإماراتية بوصفها نموذجًا يعكس أهمية التماسك المؤسسي والثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع، مشيرًا إلى أنّ قدرة الدول على الصمود لم تعد ترتبط فقط بامتلاك القوة العسكرية، وإنّما بكفاءة إدارة الأزمات، وفعالية المؤسسات المدنية، وسرعة التواصل الرسمي، وشفافية الخطاب العام، وتوفير بيئة قانونية وتنموية تعزز الشعور بالأمن والاستقرار. 

وفي ختام الحلقة، شدد الباحثان على أنّ الصراعات الراهنة لا تُحسم في الميدان العسكري وحده؛ بل ترتبط بقدرة المجتمعات على بناء وعي نقدي يحصّنها من الانقسامات والاستقطابات. وفي هذا السياق، شدد الزغول على ضرورة تخلص العقل العربي من قوى "الشد العكسي" المتمثلة في التوظيفات الطائفية والمذهبية، والمشاريع الإيديولوجية الكبرى، سواء أكانت شعاراتية قوموية أم يسارية مرتهنة أم إسلاموية متطرفة، واصفًا هذه الطروحات الثورية العابرة للحدود الوطنية بأنّها "أساطير فكرية" أثبتت التجارب، التاريخية والواقعية، عجزها المطلق عن تقديم نموذج حكم مستدام أو إنتاج تنمية حقيقية؛ بل كانت دائمًا جسرًا لتقويض السيادات وتدمير النسيج الاجتماعي للدول الوطنية. 

وتأسيسًا على ذلك، جدّد الباحثان دعوتهما إلى إعادة الاعتبار للدولة الوطنية بوصفها المظلة الشرعية والتنظيمية الوحيدة القادرة على صون الاستقرار وتحقيق النهضة الحضارية؛ فالمجال العربي، وفق رؤيتهما، لا تنقصه الموارد المالية، ولا الكفاءات البشرية، ولا القيادات الرشيدة ذات الرؤى الاستشرافية الثاقبة؛ وإنّما يتطلب المستقبل تلاحمًا واعيًا يرتكز على معادلة ثلاثية صلبة ومستدامة: دولة وطنية راسخة المؤسسات، وشعب واعٍ ومستوعب لمنظومة الانتماء، وقيادة عاقلة تدير مقدرات الدولة ببراغماتية وحكمة.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية