في رحاب كربلاء: قراءة في مسرحية "الحسين ثائرًا" لعبد الرحمن الشرقاوي

في رحاب كربلاء: قراءة في مسرحية "الحسين ثائرًا" لعبد الرحمن الشرقاوي

في رحاب كربلاء: قراءة في مسرحية "الحسين ثائرًا" لعبد الرحمن الشرقاوي


02/06/2026

التاريخ هو أحد موارد الأدب العظيمة، فمنه يستقي الكثير من موضوعاته، ويُسقط من أحداثه على حاضر قد لا تتيح طبيعة العصر للأديب القدرة على نقده مباشرة، فيلجأ إلى حادثة تاريخية فارقة يُبسط من خلالها رؤيته وينقد واقعه بصورة غير مباشرة. ويتجلّى ذلك كثيرًا في الأدب العربي؛ فنجد نجيب محفوظ يوظف التاريخ الفرعوني في بعض أعماله ليطرح قضايا السلطة والصراع الإنساني، كما فعل علي أحمد باكثير في مسرحية "وا إسلاماه" حين استعاد فترة الغزو التتاري للمشرق العربي ليوقظ روح المقاومة في الواقع العربي الحديث. كذلك استلهم عبد الرحمن الشرقاوي شخصية الحسين في مسرحيتيه بجزئيهما "الحسين ثائرًا، الحسين شهيدًا" بوصفها رمزًا للثورة في مواجهة الظلم، فتحوّل الحدث التاريخي في الأدب إلى وسيلة لقراءة الحاضر والتأثير في وعي المجتمع.

وتُعدّ حادثة مقتل الإمام الحسين واحدة من أكبر أحداث التاريخ الإسلامي، فلم تكن مجرد واقعة عابرة، بل شكّلت نقطة تحول تاريخية وفكرية كبرى، تبلورت عندها المذاهب الإسلامية واتخذت أبعادًا سياسية وعقدية ممتدة. وقد تحولت مأساة الحسين إلى رمز إنساني خالد، يُجسد الصراع الأبدي بين الحق والباطل، والعدل والطغيان، فأصبحت كربلاء في الوجدان العربي والإسلامي أكثر من معركة تاريخية؛ إنّها صورة متجددة لمقاومة الظلم والدفاع عن الكرامة الإنسانية.

الحسين بين الإنسان والرمز

يصوّر عبد الرحمن الشرقاوي في مسرحيته "الحسين ثائرًا" الأبعاد النفسية والأخلاقية والروحية للإمام الحسين، فنجد على امتداد العمل حوارات تكشف عمق شخصيته وصلابته الإنسانية. وكانت أبرز سماته الشجاعة والإقدام والاستماتة في الدفاع عن الحق، إلى جانب رفعة أخلاقية تقترب من أخلاق الأنبياء. ولم تكن هذه الصفات قاصرة على الحسين وحده، بل ارتبطت بآل البيت عمومًا، في مقابل ما عُرف عن بني أمية من نزعة سياسية ودنيوية مختلفة. وقد أشار العقاد إلى هذا التباين بقوله: إنّ بني هاشم "مثاليون أريحيون"، بينما يغلب على بني أمية الطابع "العملي النفعي"، ووصف شجاعة الحسين بأنّها "شيء لا يُستغرب من معدنها".

غلاف الكتاب

وقد صوّر الكاتب أنصار الحسين كجماعة ذات رؤية وصفاء أخلاقي عالٍ، مناصرين للحق، مؤمنين بمظلومية علي وأبنائه، وهو تصوير ينسجم مع رؤية الشرقاوي للمسرحية بوصفها صراعًا أخلاقيًا بين نموذجين للحكم والحياة أكثر من كونها مجرد إعادة سرد لواقعة تاريخية. ومن هؤلاء: بشر، وهو أحد فتيان بني هاشم، وسعيد بن سعيد الذي كان من أصحاب الحسين، وابن جعفر ابن عم الحسين وزوج شقيقته، ومسلم بن عقيل، وهو الساعد الأيمن للحسين، ومن سبقه إلى الكوفة ليستطلع له أخبارها وراسله وهيّأ له القدوم قبل أن ينقلب عليه أهلها ويقتلوه. كذلك هانئ بن عروة الذي آوى مسلم بن عقيل في داره ولم يأبه لتهديدات ابن زياد، وشريك الشيخ العراقي المحب للبيت النبوي، والمختار الثقفي الذي كان من أشد المطالبين بثأر الإمام الحسين.

غير أنّ صورة الحسين في المسرحية تثير سؤالًا نقديًا مهمًا حول طبيعة البطولة التي يقدمها الشرقاوي: هل يصور الحسين بوصفه بطلًا إنسانيًا يوازن بين المبدأ والواقع، أم بوصفه شخصية تتجاوز الحدود البشرية العادية؟ من يقرأ عن الحسين من خلال هذا العمل أو غيره سيتساءل: هل كان الحسين شخصية استشهادية؟ فالمرويات سجلت كل التحذيرات التي تلقاها الإمام قبل وبعد خروجه بأهله من مكة، مصطحبًا عترة البيت النبوي من شباب وأطفال ونساء ورضّع.

وقد ذكر رفعت سلام في دراسته "المسرح الشعري العربي" عن الإمام أنّ شخصيته مندفعة إلى الانتحارية، وأنّه شخصية تجريدية لا إنسانية تتخطى حدود الأنبياء، حتى وإن كانت تدافع عن الحق الإنساني، إلا أنّها منفصلة عن أيّ قانون إنساني، وذلك هو سر مصرعه. ويقول العقاد في الشأن نفسه عن قرار خروج الحسين من مكة إلى العراق: "إنّها حركة لا يسهل الحكم عليها بمقياس الحوادث اليومية؛ لأنّها حركة من أندر حركات التاريخ في باب الدعوة الدينية أو السياسية... فهي ليست ضربة مغامر من مغامري السياسة، ولا صفقة مساومة من مساومي التجار، ولا وسيلة متوسل ينزل على حكم الدنيا أو تنزل الدنيا على حكمه، ولكنّها وسيلة من يدين نفسه ويدين الدنيا برأي من الآراء، وهو مؤمن بوجوب إيمان الناس به دون غيره... فإن قبلته الدنيا قبلها، وإن لم تقبله، فسيّان عنده فواته بالموت أو فواته بالحياة، بل لعل فواته بالموت أشهى إليه...".

سنجد من هذه الموازنة النقدية أنّ رأي رفعت سلام يبدو متأثرًا بقراءة سياسية عقلانية للحدث، بينما ينظر الشرقاوي والعقاد إلى الحسين من منظور أخلاقي ورمزي يجعل التضحية جزءًا من جوهر البطولة، لا دليلًا على نزعة انتحارية.

يقول الشرقاوي على لسان الحسين في آخر مسرحية "الحسين شهيدًا":

"فلتذكروني لا بسفككم دماء الآخرين

بل فاذكروني بانتشال الحق من ظفر الضلال

فلتذكروني عندما تغدو الحقيقة وحدها

حيرى حزينة.

فلتذكروا ثأري العظيم لتأخذوه من الطغاة

وبذاك تنتصر الحقيقة.

فإذا سكتم بعد ذاك على الخديعة وارتضى الإنسان ذله

فأنا سأذبح من جديد

وأظل أقتل كل يوم ألف قتلة

سأظل أقتل كلما سكت الغيور وكلما أغفى الصبور

سأظل أقتل كلما رغمت أنوف في المذلة 

ويظل يحكمكم يزيد ما... ويفعل ما يريد 

ويظل يلعنكم، وإن طال المدى، جرح الشهيد 

فأدركوا ثأر الشهيد".

وهناك تساؤل آخر: هل قدّم الشرقاوي الحسين الإنسان أم الحسين الرمز؟ وهل غلبت إحدى الصورتين على الأخرى؟ إنّ المدقق في نص الشرقاوي سيجد أنّ الحسين الرمز والقيمة والأثر إنّما استمدّ هذه المعاني من إنسانيته، بل من أعمق جزء من هذه الإنسانية ذات التكوين الذي جعله نموذجًا إنسانيًا تتجاوز دلالته حدود زمانه ومكانه.

صورة السلطة ولغة الثورة

رسم الشرقاوي ملامح شخصية يزيد، ذلك الذي تولى الحكم وهو بين الرابعة والثلاثين والخامسة والثلاثين، ولم يكن له من حكمة أبيه أو دهائه، ولم يستخلص حوله من الشرفاء والخلفاء كما فعل والده، فصوّره الشرقاوي كرجل ميال إلى اللهو والنساء، محب للترف، معاقر للخمر، يغريه النفاق والتصنع.

رسم الشرقاوي شخصية العصر بمشاحناته وأفكاره ومعاركه السياسية الدائرة عن طريق عدة شخصيات ثانوية؛ بعضهم أحاط بالحسين وبعضهم أحاط بيزيد. وقد اختلفت أسباب كراهية كل منها للحسين ومحاربته، لكنّها اتفقت في دوافعها المستمدة من النقص والطمع في المال والسلطة. فابن زياد كانت له عقدة من أهل البيت، وقد كان متهمًا في النسب في قريش، وشمر بن ذي الجوشن الذي ذكرت عنه المصادر التاريخية أنّه أبرص كريه المنظر، شديد الضعف أمام المال. كذلك مسلم بن عتبة الذي أغرته أموال يزيد ومناصبه فعاث فسادًا حتى جوار قبر النبي، وعمر بن سعد بن أبي وقاص الذي طمع في إمارة الري بعد أن وعده بها ابن زياد إذا جاءه برأس الحسين. وقد وصفهم العقاد بقوله: "وكان أعوان يزيد جلادين وكلاب طراد في صيد كبير...".

على أنّ ابن زياد، والي الكوفة، كان أكثر شخصيات الجبهة المناهضة للحسين حضورًا، إذ إنّ وجود يزيد بن معاوية في المسرحية كان هامشيًا إلى جواره. فقد تولى هو عملية الاضطهاد كاملة، من إغراء بالمال السياسي وشراء الذمم وتوجيه الجماهير بالترهيب والترغيب وتتبع مسلم بن عقيل. وهذه لافتة ذكية من الكاتب الذي لم يركز مقصده على يزيد بشخصه أو حضوره التاريخي، وإنّما استحضر حالة الاستبداد كمنظومة كاملة بكافة أذرعها، جاعلًا من يزيد رأس السلطة الغاشمة البعيد، بينما تتولى جماعته الأحداث في الكوفة.

ومن حقنا هنا أن نتساءل: هل الصدام بين معسكر بني أمية والهاشميين بهذه البساطة؛ فئة حق وفئة ضلال؟ أم أنّ هذا تبسيط مخلّ وعاطفي للتعقيد التاريخي المحيط بأزمة الفتنة الكبرى؟ لكن ربما كان الشرقاوي على وعي بهذا التعقيد، لكنّه آثر منه جزأه العاطفي والأخلاقي ليسقطه على واقعه الراهن، فالواضح أنّ الشرقاوي لم يرد إعادة كتابة التاريخ، وإنّما استخراج قضاياه الأخلاقية والإنسانية.

تمتاز لغة الشرقاوي في مسرحياته عمومًا، وفي هذه خصوصًا، بالنفس الأخلاقي العالي، والجدال الفلسفي والفكري الذي تقف عليه كل شخصية بعد أن يكون قد صاغ أبعادها كاملة. كذلك فإنّ الحضور الخطابي والثوري حاضر في كل فصول المسرحية، فجمله رنانة وعميقة، حتى إنّ كثيرًا من حوارات هذه المسرحية تُقتبس في سياقات سياسية وأخلاقية واجتماعية مختلفة، فتعطي للحدث من نورها وصدقها. مثل ذلك المقطع الذي يتحدث فيه الشرقاوي على لسان الحسين عن قوة الكلمة:

"كبرت الكلمة... وهل البيعة إلا كلمة؟

ما دين المرء سوى كلمة

ما شرف الرجل سوى كلمة

أتعرف ما معنى الكلمة؟

مفتاح الجنة في كلمة

ودخول النار على كلمة

وقضاء الله هو الكلمة

الكلمة نور

وبعض الكلمات قبور

بعض الكلمات قلاع شامخة يعتصم بها النبل البشري

الكلمة فرقان بين نبي وبغي

بالكلمة تنكشف الغمة

الكلمة نور ودليل تتبعه الأمّة 

عيسى ما كان سوى كلمة

أضاء الدنيا بالكلمات وعلمها للصيادين

فساروا يهدون العالم

الكلمة زلزلت الظالم

الكلمة حصن الحرية

إنّ الكلمة مسؤولية

إنّ الرجل هو الكلمة."  

وهكذا لا تبدو مسرحية "الحسين ثائرًا" مجرد استدعاء لحدث إسلامي كبير، بل شرفة أراد منها الكاتب أن نطل على الواقع، وأن نرى معاني مثل الأخلاق والسلطة والضمير وشرف الكلمة. لذلك بقيت المسرحية قادرة على مخاطبة أزمنة مختلفة كلما تجدد الصراع بين السلطة والضمير، وبقيت صرخة الحسين نداءً للحق السليب الذي يستصرخ الضمائر الحية في كل أرض وأيّ زمان.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية