دروس حافة الهاوية.. كيف الوصول إلى أمن إقليمي دائم؟

دروس حافة الهاوية.. كيف الوصول إلى أمن إقليمي دائم؟


21/07/2019

يبدو أنّ التوتّر والتصعيد في منطقة الخليج العربي وصل إلى أقصى مستوىً يمكن بلوغه، في ظل التزام جميع أطراف الصراع بعدم الانجراف إلى المواجهة العسكرية المباشرة. وبالفعل بدأ أطراف هذا الصراع المتمحور حول المسألة الإيرانية بالاتجاه إلى التهدئة، باستثناء ربما طرف واحد يبحث عن مداخل لإشعال المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وهو الطرف الإسرائيلي.

اقرأ أيضاً: إيران وإستراتيجية "حافة الهاوية"

ولعل إيقاف واشنطن عملية إدراج وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف على لائحة العقوبات الأمريكية، التي طالت من قبله قيادات عليا في النظام الإيراني، على رأسهم القائد الأعلى للثورة علي خامنئي، وكبار قادة الحرس والقوى الأمنية، تشير بوضوح إلى رغبة واشنطن بإبقاء باب الدبلوماسية مُشرعاً، في حين مثّل قرار واشنطن منح الوزير الإيراني تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة مبادرة إيجابية أخرى، قابلتها إيران بالحديث لأول مرة عن إمكانية مُناقشة البرنامج الصاروخي الإيراني مع الولايات المتحدة. وكانت مبادرة طهران إلى إطلاق سراح المواطن الأمريكي-اللبناني نزار زكا الذي كان معتقلاً في طهران بتهمة التجسس، قد قُرِئت أيضاً في المنطقة باعتبارها مبادرة حُسن نية من الجانب الإيراني.

لا يمكن الحديث بشفافية عن بنية أمنية مستقرة في المنطقة دون استعراض أهم المهددات الأمنية التي قادت لحافّة الهاوية

وعلى ضفتي الخليج، ظهر ما بدا أنّه رسائل إيجابية متبادلة بين طهران، ودول الخليج العربي، بدأتها دولة الإمارات بالامتناع عن توجيه الاتهام مباشرة إلى طهران في حادثة الاعتداءات على ناقلات النفط في ميناء الفجيرة الإماراتي، على الرغم من محاولات بعض القوى الإقليمية والدولية الدفع بهذا الاتجاه دون امتلاك أدلة دامغة. ثم جاء الإعلان الإماراتي غير الرسمي عن إعادة الانتشار العسكري في اليمن، والذي ترافق مع الإفصاح عن الانتقال إلى إستراتيجية جديدة في الملف اليمني، تقوم على أساس تمكين الحل السياسي أولاً.

ورحّبت طهران بالخطوات الإماراتية على لسان وزير الخارجية جواد ظريف، الذي أشار، لأول مرة، إلى إمكانية تجزئة ما يسميهم الوزير ظريف بـ "خصوم المجموعة ب"، والذين يتّهمهم بالتحريض ضد إيران في واشنطن. وقد ألمح ظريف إلى أنّ طهران ترى فرقاً بين خصومات تكتيكية سياسية، مع ولي العهد السعودي، وولي عهد أبو ظبي، بينما ترى العلاقة مع الطرفين الآخرين في "المجموعة ب" (اليمين الجمهوري الأمريكي الذي يمثله جون بولتون، واليمين الإسرائيلي الذي يمثله بنيامين نتانياهو) قائمة على أساس العداء الوجودي الدائم.

اقرأ أيضاً: لماذا أخفقتْ "سياسة حافة الهاوية" التي تمارسها إيران؟

هذه الإشارات الإيجابية، وأخرى غيرها لا داعي لاستعراضها، تفيد بأنّ التهدئة باتت خيار مختلف الأطراف في الإقليم، وهي خطوات أولية جيدة بالطبع، على طريق شاقّ وطويل لحلحلة الأزمات القائمة. لكن ما تحتاجه المنطقة شيء آخر.

إنّ كثرة الحديث في المنطقة خلال الأعوام الماضية عن حافة الهاوية، لم يكن مجرّد مبالغات إعلامية، بقدر ما كان تعبيراً عن موقف متأزم، وخصومات مستعصية على أيّة حلول أو مبادرات سياسية. لقد اجتاحت المنطقة موجة استعداء واستقطاب حادّة للغاية، بخلفيات طائفية، وأطماع جيوسياسية، ومخاوف أمنية وجودية، وضعت مستقبل المنطقة كلها في مهب الريح.

اقرأ أيضاً: المناورة الإيرانية على حافة الهاوية
إنّ الاقتراب إلى آخر ميكروميتر من مواجهة عسكرية بأبعاد عالمية مدمرة للجميع كشف عن حاجة ماسّة إلى بُنية أمنية مستدامة في المنطقة، تحفظ استقرارها في عالم متحول، وإقليم تتشابك وتتنافر فيه المشاريع الجيوسياسية، والمصالح الدولية. مثل هذه البنية الأمنية جاءت في الغرب متأخرة، بعد حرب عالمية مدمرة، وخسائر مرعبة على جميع المستويات، فهل تأتي في منطقتنا التي تمرّ بظروف مشابهة، قبل الحرب كما تقتضي الحكمة؟ أم "يأتي الدواء بعد موت سُهراب" كما في الأسطورة الفارسية؟

استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية هو معوّق رئيس لمحاولات التنمية والمهدد الأبرز للاستقرار في الإقليم

ومع ازدياد فرص حدوث "استدارة إيرانية" باتجاه الغرب الأمريكي، نتيجة حملة "الضغوط القصوى" التي تفرضها واشنطن على طهران، واستمرار نجاحات التعاون الأمريكي-الروسي الذي بدأ في الملف السوري، ولن ينتهي في الملف النووي الإيراني، وتبلوُر ملامح نظام دولي جديد، تبدو دول المنطقة أمام تحدٍّ بالغ الأهمية في إعادة تشكيل علاقاتها الخارجية على أسس جديدة. وخاصة في ظل اتجاه الدراسات والتقديرات المستقبلية إلى الحديث عن دور أقلّ للشرق الأوسط في سوق الطاقة العالمي، وترافُق ذلك مع إعادة هيكلة النظام الدولي، على أساس استمرار أحادية القطبية الأمريكية، لكن بمركزية أقل، واعتمادية أكبر على دور الولايات المتحدة في المشهد الكوني، والذي يأتي على حساب تراجع أدوار المؤسسات الأممية، والمنظمات الدولية.

اقرأ أيضاً: النظام الإيراني.. السير على حافة الهاوية

لقد ثبت بشكل قاطع بأنّ إدارة المشهد الإقليمي وفق "توازنات المصالح" ليست كافية، ولا بدّ من إعادة تشكيل النظام الإقليمي على أساس "توازن القوى" الأكثر ديمومة واستقراراً. وهو ما يقتضي مقاربة رؤية أمنية إقليمية أكثر شمولية، لا تقتصر على المفاهيم الجيوعسكرية، والجيوسياسية، بل تعزز العوامل المشتركة؛ الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأيديولوجية والدينية.

اقرأ أيضاً: إيران تواجه سياسة حافة الهاوية الأمريكية بشراكات إقليمية

ولا يمكن الحديث بشفافية عن بنية أمنية مستقرة في المنطقة، دون استعراض أهم المهددات الأمنية التي قادت إلى حافّة الهاوية، وعلى رأسها احتدام الصراع الطائفي الذي قاد إلى ظاهرة الاصطفاف المذهبي إقليميّاً، وأنتج سياسات المحاصصة الطائفية المقيتة محليّاً، في عدد من أنظمة الحكم في الشرق الأوسط التي أصبحت خطراً يتهدد دولاً عديدة بالتفتت والحروب الأهلية. وازداد الأمر سوءاً في العقد الثاني من القرن الجاري؛ حيث أصبحنا نشهد ظاهرة الكشف عن المشاريع الجيوسياسية المستندة إلى أسس ونزعات طائفية صريحة؛ إذ عملت إيران بشكل واضح على بناء مركزية شيعية، دون مراعاة لسيادة دول الجوار واستقلالها، وهذه المركزية الشيعية الإيرانية، تركت انعكاسات خطيرة على أمن دول الخليج العربية؛ لأنها ارتبطت بمشروع توسُّع جيوسياسي.

أمام دول المنطقة تحديات اقتصادية جمة تحتاج إلى خطط وبرامج تستشرف المستقبل وتضع البدائل المناسبة

ولعلّ أحد المخاوف الأمنية المشتركة التي أظهرت الحاجة إلى التعاون الإقليمي، تمحور حول تنامي التطرف الديني والقراءات الأصولية المتشددة؛ إذ دفع غياب قراءة دينية مقبولة شعبياً في المنطقة الكثير من الشباب المُتديّن للتعبير عن مشاعرهم الدينية من خلال أطر وتيارات خارجة عن القانون. لكنّ التعاون الإقليمي في هذا الإطار أيضاً، شابه الكثير من الكيد السياسي؛ إذ سعت مختلف الأطراف الإقليمية إلى إلصاق تهمة دعم الإرهاب بالأطراف الأخرى في المحور المقابل. وهو ما اضطرّ الجميع في النهاية إلى البقاء في دائرة الدفاع عن النفس. وكانت النتيجة تكريس صورة مُجتزأة، ومنحازة تركزت أنظار العالم فيها على الإسلام دون غيره من الأديان والأيديولوجيات باعتباره مصدراً للتطرف العالمي.

اقرأ أيضاً: ما بعد قطر: السياسات القطرية وحافة الهاوية

كما كشفت حافة الهاوية التي وصلت إليها المنطقة أيضاً، عن هشاشة النظرة الضيّقة للتنمية، وأظهرت الحاجة إلى مقاربة تنموية مشتركة وشاملة في المنطقة. إذ بات واضحاً بأنّه لا يمكن لأي طرف أن يهنأ بالنمو الاقتصادي والتنمية وحده، في ظل استمرار تفاقم الأزمات الاقتصادية في دول الجوار، وتعطُّل عجلة التنمية في عديد من دول المنطقة. فقد شاهدنا جميعاً كيف أدى إخفاق الخطط التنموية في دول "الربيع العربي" إلى خطر يتهدد الأمن الإقليمي والدولي برمّته؛ إذ لا يمكن منع تأثير الاضطرابات في مكان ما، على باقي دول الإقليم والعالم.

اقرأ أيضاً: الحروب على الطريقة الترامبيّة

وإذا ما صدقت التنبؤات القائلة بتوجه بعض القوى الدولية الفاعلة إلى خفض أسعار النفط عالمياً بشكل إستراتيجي، واتجاه الشرق الأوسط نحو دور أقل أهمية في سوق الطاقة العالمي، فإنّ أمام دول المنطقة تحديات اقتصادية جمة، تحتاج إلى خطط وبرامج تستشرف المستقبل، وتضع البدائل المناسبة.

لقد أعادت المنطقة مؤخراً، اكتشاف الحقيقة القائلة، بأنّ الصراع العربي-الإسرائيلي هو أهم أسباب عدم الاستقرار في المنطقة. وبغض النظر عن حقيقة سعي بعض القوى الإقليمية لاستغلال هذه القضية المركزية، لتعزيز قوتها الناعمة، وتمرير أهدافها السياسية، ومشاريعها التوسعية، لكنّ استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية هو بلا شكّ، معوّق رئيس لمحاولات التنمية والإصلاح، والمهدد الأبرز للاستقرار في الإقليم.

يمكن للدول العربية تعزيز التعاون المؤسسي انطلاقاً من الاهتمامات غير السياسية المشتركة كالأمن المائي والغذائي

وفي ظل تشابك المشاريع الجيوسياسية في المنطقة، برزَ غياب رُؤية سياسية وأمنية عربية، أو حتى خليجية جامعة، كأحد أبرز نقاط الضعف العربية. وشهدنا تراجعاً مستهجناً في أداء المنظومتين العربية والخليجية. وهو ما كشف أيضاً، ضعف المؤسسيّة في العمل السياسي العربي. وبعيداً عن شعارات التضامن العربي، والعمل العربي المشترك التي لم يعد الشارع العربي يتفاعل معها نتيجة حالة اليأس المهيمنة، يمكن للدول العربية تعزيز التعاون المؤسسي انطلاقاً من الاهتمامات غير السياسية المشتركة، مثل؛ الأمن المائي، والغذائي، وتحديات العولمة، والتعليم الأجنبي، ومسائل الهوية، وقضايا العمالة الأجنبية، وملف الأقليات. وهي جميعها عوامل أسهمت في إبقاء البنية الأمنية في المنطقة هشّة.

اقرأ أيضاً: إيران إلى أين في ظل كل هذه الضغوط الأمريكية؟

أما وقد بدأت تلوح بوادر خروج المنطقة من نقطة التأزم الحرج، وبوادر مغادرة النظام الدولي حالة السيولة السابقة إلى وضع أكثر استقراراً، فقد آن الأوان للحديث أيضاً عن معالم نظام إقليمي تعاوني، متفق على تراتُبيّته، وعلاقاته البينية في منطقة الخليج، يشمل دول "مجلس التعاون"، وإيران، والعراق، واليمن. وهو ما يتطلب مغادرة عقلية القوة الكبرى، أو الأولى تماماً في المنطقة، لصالح الإدارة المشتركة لأمن المنطقة، بما يعزز السِّلم الإقليمي والدولي.
وهذا النظام المقترح، ليس بديلاً عن المنظومة الخليجية، المتمثلة بـ"مجلس التعاون"، بل ينبغي على دول المجلس الانخراط في هذا النظام المقترح ككتلة منسجمة. ويحتاج إنجاح مثل هذا النظام إلى جملة من إجراءات بناء الثقة، منها: احترام السيادة الوطنية لدول الإقليم، والتخلي عن المشاريع الجيوسياسية المتداخلة مع التركيبات الاجتماعية في دول الجوار؛ لأن ذلك يمنع قيام بنية أمنية مستدامة. وبالطبع لا يتنافى ذلك مع صناعة النفوذ في إطار الأعراف الدولية السائدة. وهنا تبرز الحاجة إلى إعادة التأكيد على وحدة أراضي جميع دول المنطقة، والاتفاق على مقاومة جميع أشكال التقسيم والتفتيت، ومقاومة الحركات الانفصالية، مهما كانت بواعثها ومنطلقاتها.

اقرأ أيضاً: دوافع التهديد الإيراني بالعودة إلى تخصيب اليورانيوم
ولعل الاعتراف بضرورة مراجعة الشراكات الاستراتيجية لمختلف الأطراف الإقليمية مع القوى الدولية، بات حاجةً ملحةً، حتى لا يظل الأمن الإقليمي مَرْتعاً لتجاذُبات المشاريع الجيوسياسية الدولية. ولا يعني ذلك التدخُّل في خيارات الأطراف الإقليمية، بل المطلوب هو فقط، وضع شراكات الأطراف الإقليمية الإستراتيجية مع القوى الدولية المختلفة في إطار رؤية ناظمة لهذه الشراكات، تمنع تحولها إلى مُهدِّدات أمنية لدول الجوار، وبما يساهم في تقوية البيئة الأمنية في الخليج العربي؛ لتكون رافداً للسلم العالمي. ولا بدّ من العمل بشكل حثيث على الاقتراب من توافق بين دول الإقليم حول التهديدات المشتركة، وتنظيم الجهود والمساعي المشتركة للتغلب عليها.

اقرأ أيضاً: ما هي ملامح النظام الدولي الأمريكي الجديد؟

وتمتلك المنطقة مروحة خيارات واسعة، ومتنوعة للغاية لتعزيز التكامل الاقتصادي، والاعتماد المتبادل الذي من شأنه أن يعمل إستراتيجياً على كبح جماح الصراعات السياسية، وتبديد المخاوف الأمنية الفردية لصالح تعزيز مفهوم الأمن الجماعي المشترَك. وتكريس أهمية المنطقة على خريطة التنافس الاقتصادي الدولي.

ولعل أحد أبرز التحديات المشتركة التي تقتضي استجابة جماعية من دول الإقليم، هو السعي لإنتاج قراءة معتدلة، وتوافقية للدين، تُبعد عن المنطقة شبح الصراع الطائفي، وشبح الإرهاب. كما يبقى السعي إلى التوصل إلى حلّ للقضية الفلسطينية، أحد أبرز الخيارات المتاحة لتقليل مصادر التوتر، وزعزعة الاستقرار في المنطقة.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية