محمد عطا... لماذا اختار مهندس العمران الهدم والموت؟

الإرهاب

محمد عطا... لماذا اختار مهندس العمران الهدم والموت؟

مشاهدة

27/09/2018

في شارع "ترسا"؛ المقابل لشارع "خاتم المرسلين"، الذي كان يسكن فيه الطالب بكلية الهندسة، محمد عطا، تلقى المتحدث الرسمي باسم الجماعة الإسلامية، علاء محيي الدين، عدة رصاصات من مجهولين، بالقرب من منزله، إلا أنّ الحادثة قُيدت ضدّ مجهول.
في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي؛ أصرّت الجماعة الإسلامية على نقل ثقلها من صعيد مصر إلى القاهرة الكبرى، وهو ما لم تكن ترغب فيه السلطات المصرية، التي أرادت حصر قوة الجماعة في محافظات الوجه القبلي.
ولأنّ أغلب المهاجرين من الصعيد فقراء، فقد لاذوا بالمناطق العشوائية، ذات الكثافة العالية، التي أنشئت في سبعينيات القرن الماضي، فزادت في تشويه العمران في القاهرة، وتكدس أعضاء الجماعة الإسلامية في منطقة الطالبية والعمرانية، ذات العقارات الأقلّ ثمناً.
الحياة في شبه العشوائيات
زحف محمد عطا ووالده إلى المنطقة ذاتها، في أواخر سبعينيات القرن الماضي، قادميْن من محافظة كفر الشيخ، شمال مصر، فنشأ محمد عطا في بيئة شبه عشوائية، تمتلئ بمئات العناصر التابعة للجماعات الإسلامية، وهو ابن الرجل "الناصري"، ذي النَفَس القومي العروبي، الذي دفعته الظروف ليسكن تلك المنطقة، كما لجأ إليها غيره من أبناء تلك الطبقة، التي تضررت بفعل سياسات الانفتاح التي أطلقها الرئيس الراحل أنور السادات، ورث الابن عن أبيه كراهيته للصهيونية، وللولايات المتحدة الأمريكية.

اقرأ أيضاً: ما الذي تخبرنا به صور أحداث 11 سبتمبر؟
اختار محمد هندسة التخطيط العمراني، كان متحفزاً ضدّ القبح والعشوائية، ويميل إلى الطرازات المعمارية القديمة، التي امتازت بها القاهرة القديمة، في وسطها وشرقها وشمالها وجنوبها، لكنّه اختار، في النهاية، أن يهدم ويدمّر بدلاً من أن يبني ويعمّر!
خطفت الأحداث الجارية حينها عقل ووجدان الشاب، الذي شعر بالهزيمة النفسية والعامة، فتكسّر طموحه على صخرة الواقع المصري، وشعر بالفشل والخيبة، عندما لم يجد عملاً، ولم يستطع أن يكسر حواجز الروتين الدولاتي، بينما كان يرى دخول القوات الأجنبية للخليج، لتحرّر الكويت من غزو صدام، فكَرِه الرئيس العراقي، وازداد سخطاً على أمريكا.
نشأ محمد عطا في بيئة شبه عشوائية، تمتلئ بمئات العناصر التابعة للجماعات الإسلامية

الهروب إلى هامبورغ
ذهب عطا إلى تعلّم اللغة الألمانية بمعهد "جوته" في القاهرة، فاكتسبها في أقلّ من عام، وفتحت له ألمانيا أبوابها، ليكمل دراسته في التخطيط العمراني، العام 1992.
في هامبورغ: ظهرت على عطا ملامح التديّن، التي لم يكن معروفاً إن كان حملها معه من حي العمرانية الذي يقطن فيه، أم أنّه تعرّض لصدمة حضارية "غربية"، لاذ بعدها إلى الدين في مواجهة صادمه، كما حدث لعدد من أسلافه، الذين كان على رأسهم سيد قطب نفسه.

اقرأ أيضاً: في ذكرى هجمات 11 سبتمبر.. أين وصلت الحرب على الإرهاب؟
كان صامتاً خلوقاً خدوماً صوّاماً قوّاماً، لكنّ أحداً ممّن حوله لم يشكّ برهة في أنه متطرّف، فقط كان ساخطاً على اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل، ويرى في الولايات المتحدة عدوّاً مركزياً.
كان لعطا سحر على من حوله، لدرجة أن استعان به أحد أصدقائه، في دعوة زوجته الألمانية للإسلام، مع أنّ عطا كان يكره الاختلاط بالمرأة، ويشيح بوجهه عندما تقع عينيه على امرأة شبه عارية في التلفاز، إلا أنّه ذهب ليحدثها عن الإسلام، فاستجابت له، وأسلمت.
في أحضان القاعدة
اختفى عطا فجأة، وغاب أشهراً، ثم عاد إلى هامبورغ، ليسكن مع شابين هما: رمزي بن شيبة، وسعيد بحاجي، وهما عضوان في القاعدة، ثمّ توجه إلى مسجد القدس، حتى يكتب وصية الموت.
جاء العام 1998؛ فقرر ثلاثتهما الهجرة إلى الشيشان للقتال، إلّا أنّ شخصاً عدلهما عن هذا القرار، كان خالد شيخ محمد، واضع الخطوط العريضة لهجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر).

لم يعتقد أحد أنّ هذا الوديع المسالم سيستخدم ذكاءه، وما درسه على أيدي أساتذته الألمان، في قتل وإصابة الآلاف من البشر

أصرّ خالد ألّا يزيد عدد منفّذي الهجمات عن رقم الــ 19، وألّا ينقص، فلهذا الرقم رمزية ودلالة لدى الجهاديين؛ فهو مجترّ من قوله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾ (المدثر)، كانت الرسالة: أنّ من نفّذ هذه العملية ليسوا 19 من البشر؛ بل مثلهم من ملائكة الجحيم، الذين أوصلوا الكفّار النار، وزجّوا بهم فيها.
توجه عطا مع أقرانه في خلية هامبورغ إلى أفغانستان، ليلتقوا أسامة بن لادن، فقضوا 3 أشهر في التدريب في إحدى معسكرات القاعدة بقندهار، كان يسمّى "بيت الغُمَد".
التقطته المخابرات الأمريكية، بعد عودتها إلى ألمانيا، وظلّت تراقبه، حتى كانون الثاني (يناير) العام 2000، ثمّ فكّت هذه المراقبة، لأسباب مجهولة، ربما لأنّ عطا؛ الذي كنِّي بــ "أبو عبد الرحمن المصري"، لم تكن لديه رتبة تنظيمية في القاعدة، ولم يكن ذا صلة سوى بأقرانه في هامبورغ، وربما كان هناك سرّ دفِن في أعماق بئر.

 

خلية هامبورغ
في آذار (مارس) 2000، بينما كان عطا يعيش في هامبورغ؛ بدأ بالاتصال بالعديد من مدارس الطيران في الولايات المتحدة، وفي تموز (يوليو) من العام ذاته، حصل عطا، ومروان الشحي، على مقاعد دراسية في مدرسة للطيران في فلوريدا، وبعد 5 أشهر؛ حصلا على رخصة لقيادة الطائرات من نوع "بوينغ 727".
لم يعتقد أحد أنّ هذا الوديع المسالم، يخطط لضرب برجي التجارة العالمي، والبنتاغون، والكونغرس، وأن يستخدم ذكاءه، وما درسه على أيدي أساتذته الألمان، في قتل وإصابة الآلاف من البشر.
سافر عطا خلال فترة وجوده في الولايات المتحدة الأمريكية مرتين إلى إسبانيا؛ حيث يعتقد أنّه التقى برمزي بن الشيبة هناك، وتمّ تنسيق الدعم المالي للأعضاء الآخرين من القاعدة، الذين كانوا يدرسون في معاهد طيران متفرقة في الولايات المتحدة، وخلال هذا اللقاء؛ أبدى محمد مخاوفه من احتمالية عدم قدرة زياد سمير جراح على الاستمرار.

كان صامتاً خلوقاً خدوماً صوّاماً قوّاماً، لكنّ أحداً ممّن حوله لم يشكّ برهة في أنه متطرّف

كان زياد قائد الطائرة التي كانت من المفترض أن تستهدف البيت الأبيض، لكنّه فشل في تحقيق خطته بعد ذلك.
شعر عطا، بحدسه، أنّ زياد سيفشل، فاتفق مع "بن الشيبة" على إرسال زكريا موسوي بديلاً احتياطياً لجراح، في حال عدم تمكّن جراح من القيام بالمهمة.
حدثت في هذه الفترة الكثير من الأحداث الثانوية، التي لم تثر في وقتها أيّة شكوك، لكن تمّت إثارتها فيما بعد من قبل مجلس الشيوخ الأمريكي، كأدلة على ما وصفوه "عجز المخابرات الأمريكية في ملاحظة بوادر الخطر" منها: استقبال محمد عطا في مطار "أورلاندو" الدولي، في 4 آب (أغسطس) العام 2001، لمحمد القحطاني الذي منِع من مغادرة المطار لكونه "مشبوهاً"، وفي 23 من الشهر نفسه؛ تمّت مصادرة إجازة سوق محمد عطا، بعد عدم مثوله في محكمة المخالفات المرورية، وفي 30 آب  (أغسطس) العام 2001، زوّدت المخابرات المصرية قائمة تحتوي على 19 اسماً لوكالة المخابرات الأمريكية.
كانت المخابرات المصرية قد أخبرت بأنّ هؤلاء الأشخاص يخططون "لشيء ما"، وكان عطا على رأس القائمة، وكان هناك الكثير من المبالغ التي يتم تحويلها من وإلى حساب محمد عطا، لكنّ المخابرات الأمريكية عجزت عن ربط كلّ هذه الأحداث المتفرقة، أو كان هناك شيء آخر مجهول.
قبيل تنفيذ عملياته، كانت رسالة ماجستير محمد عطا قد اعتُمدت

كعكة وعصا
اتصل عطا قبل اليوم المحدد لتنفيذ العمليات بحوالي أسبوعين، برفيقه "بن الشيبة" ليخبره بأنّ لديه لغز لا يعرف له حلاً: "عصايتين وبينهما شرطة، وكعكاية متدلية منها عصاية"، كان يوم تنفيذ العملية "11/9".
قبيل تنفيذ عملياته، كانت رسالة ماجستير محمد عطا قد اعتُمدت، وكان قد صدّرها بهذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾.

كان لعطا سحر على من حوله، لدرجة أن استعان به أحد أصدقائه، في دعوة زوجته الألمانية للإسلام

بات محمد ليلة المذبحة يقوم الليل ويقرأ القرآن، سائلاً الله، عزّ وجلّ، أن يدخله الجنة، ثم قرأ وصية أحد أقرانه، التي أوصى فيها بالغسل، وتجديد النوايا والبيعة، وقراءة سورة التوبة والأنفال، وتدبّر معانيهما، وما أعدّه الله من النعيم للشهداء، ثمّ تلا قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾.
وفي الصباح؛ حزم حقائبه، واستقلّ الطائرة، ومعه سطام السقامي، الموكَل إليه ذبح حراس الطائرة.
سجلوا جميعاً وصيتهم، عدا عطا، وقد برّر ذلك قائلاً: "أخاف من الرياء، وأن يفسد عملي أمام الله، فأنا أدّخر هذه الوصية لله!".
ارتطم عطا بطائرته في البرج الشمال، ليقتل نفسه والمئات معه، ولم تهزّ قلب الفتى الطيب صرخات ما قبل لحظة الموت.

الصفحة الرئيسية