من غسل الأموال إلى تحالفات المخدرات... ما سرّ الهزة الأمنية ضد الإخوان في أمريكا اللاتينية؟

من غسل الأموال إلى تحالفات المخدرات... ما سرّ الهزة الأمنية ضد الإخوان في أمريكا اللاتينية؟

من غسل الأموال إلى تحالفات المخدرات... ما سرّ الهزة الأمنية ضد الإخوان في أمريكا اللاتينية؟


02/08/2026

تشهد قارة أمريكا الجنوبية تحولاً أمنياً وقانونياً غير مسبوق في تعاطيها مع ملف جماعة الإخوان المسلمين والكيانات المرتبطة بها. فبعد عقود من الاعتماد على استراتيجيات التمدد الهادئ والتسلل عبر الواجهات الاجتماعية والخيرية والتجارية، تتجه عدة حكومات لاتينية، بالتنسيق مع أجهزة استخبارات دولية، نحو تفكيك البنية التنظيمية والمالية للتنظيم الإرهابي، معيدة تقييم مخاطره الأمنية بعيداً عن الأطر الدبلوماسية التقليدية.

من النشاط الدعوي إلى التهديد العابر للحدود

لم تعد السلطات الأمنية في أمريكا اللاتينية تنظر إلى جماعة الإخوان باعتبارها مجرد حركة ذات نشاط ديني أو مجتمعي محلي، بل كشبكة معقدة عابرة للحدود تتقن استغلال الثغرات التشريعية والمؤسسات غير الربحية لبناء نفوذ مالي ولوجستي مستتر.

وحسبما كشفت مصادر أمنية ملمة بتحركات التنظيم في القارة لـ "إرم نيوز"، فإنّ هذا التحول الحذر جاء بعد رصد استغلال الجماعة للتسهيلات الممنوحة للجمعيات الخيرية والمراكز الثقافية لتأسيس شركات استثمارية تُدار كبنية مالية موازية. ولم تكتفِ الجماعة بتنمية مواردها الذاتية، بل نسقت مع شبكات إجرامية محلية في مجالات غسل الأموال وتهريب الأسلحة لتوفير غطاء لوجستي لعملياتها.

وفي السياق كشفت مصادر مطلعة لـ "حفريات" عن تقاطعات خطيرة بين أذرع الإخوان في بعض دول أمريكا اللاتينية وعصابات المخدرات والمافيا المحلية. وأكدت المصادر أنّ الجماعة تُجري معها صفقات تبادلية وتدفع إتاوات تحت مسمّى "بدل الحماية"، لتأمين خطوط تهريب أموالها وتوفير غطاء لوجستي مستتر لأنشطتها المشبوهة بالمنطقة.

المثلث الحدودي... بؤرة الارتكاز المالي والأمني

تُعدّ منطقة "المثلث الحدودي" المشتركة بين باراجواي والبرازيل والأرجنتين نقطة الثقل الرئيسية والمحرك الأساسي لأنشطة التنظيم الدولي في أمريكا الجنوبية. وقد أصبحت هذه المنطقة تحت مجهر التدقيق الدولي نتيجة لطبيعة حدودها المفتوحة وكثافة الحركة التجارية فيها، ممّا جعلها بيئة خصبة لضخ وتحويل تدفقات مالية غير مشروعة تُقدر بعشرات الملايين من الدولارات سنوياً.

وقد بدأت الجماعة نشاطها في هذه البؤرة منذ تسعينيات القرن الماضي تحت غطاء "الصحوة الإسلامية"، حيث عملت على اختراق التجمعات والجاليات المسلمة، ومحاولة بث أفكار الانعزال والتشدد، بالتوازي مع إنشاء مراكز إسلامية وواجهات تجارية تُستخدم كمنصات لنقل الأموال وإسناد أنشطة عابرة للحدود.

حظر شامل وتصنيفات إرهابية متتابعة

تُرجم هذا الوعي الأمني المتزايد إلى قرارات حاسمة اتخذتها عدة دول لاتينية لحظر الجماعة وتصنيفها منظمة إرهابية: ففي الإكوادور أصدر الرئيس دانيال نوبوا في كانون الأول (ديسمبر) 2025، المرسوم الرئاسي رقم (239) صنف بموجبه جماعة الإخوان منظمة إرهابية وتهديداً للنظام العام وسيادة الدولة، بناءً على تقارير سرية صادرة عن "المركز الوطني للاستخبارات" (CNI) حذرت من تدخلات الجماعة وارتباطها بالجماعات المسلحة وعصابات المخدرات المحلية.

وفي الأرجنتين أدرج مكتب الرئيس خافيير ميلي في كانون الثاني (يناير) 2026 فروع الجماعة في قائمة الإرهاب الوطنية، مستنداً إلى تقارير أثبتت تورط التنظيم في أنشطة عابرة للحدود ودعوات للتطرف العنيف، مع فرض عقوبات صارمة تشمل تجميد الأصول وحظر الدعم المادي.

وجاء قرار حظر الجماعة وتصنيفها إرهابية في الباراجواي بعد سنوات من المتابعة الأمنية الوثيقة والتنسيق مع شركاء دوليين، لا سيّما بعد إدراجها سابقاً لحركتي حماس وحزب الله في قوائم الإرهاب.

تجفيف المنابع واستهداف الواجهات المستترة

وتعتمد الاستراتيجية اللاتينية الجديدة على كشف الهيكل الممتد للجماعة، الذي تتشابه أدواته مع تلك المستخدمة في الساحات الأوروبية. حيث تنقسم مؤسسات الإخوان في القارة إلى جمعيات عامة تتولى الأنشطة الدينية والتعليمية، وكيانات متخصصة كجمعيات الشباب والمرأة ومؤسسات الإغاثة.

ومن أبرز هذه الكيانات التي خضعت للمتابعة والتدقيق: مؤسسة الإغاثة والتنمية العالمية: التابعة لـ "مؤسسة الأرض المقدسة"، التي تُدير مدارس ومراكز تعليمية، ومنظمة الإغاثة الإسلامية في أمريكا اللاتينية: التي أثبتت التقارير الأمنيّة ارتباطها بقيادات في التنظيم الدولي للجمعة، ومركز الدعوة الإسلامية (تأسس عام 1987): الذي يُشرف على إصدار شهادات الذبح الحلال وتنظيم المؤتمرات السنوية، بالإضافة إلى الاتحاد الوطني الإسلامي (تأسس عام 2007) الذي يضم تحت مظلته العشرات من المؤسسات والجمعيات الدعوية في البرازيل.

مستقبل المواجهة... حصار جغرافي وتضييق متصاعد

وتشير التقديرات السياسية والاستخباراتية إلى أنّ هذه الموجة من القرارات في الإكوادور والأرجنتين وباراجواي ستدفع باقي دول القارة ـ وفي مقدمتها كولومبيا وفنزويلا ـ إلى إعادة تقييم أطرها التشريعية والرقابية، وفق ما ذكرت صحيفة "أنفوباي" الأرجنتينية.

إنّ الانتقال من مرحلة الترقب والمتابعة إلى مرحلة الحظر المباشر وتجميد الأصول يعكس تحولاً جذرياً في التعاطي اللاتيني مع ملف الإسلام السياسي، حيث بات يُنظر إلى التنظيم كتهديد مباشر للأمن القومي وللديمقراطيات المحلية، ممّا يضع الجماعة أمام حصار جغرافي ومالي جديد يطوق أنشطتها الدولية.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية