من السّابع من أكتوبر إلى اتفاق نزع السلاح.. ماذا حققت حماس على أنقاض المحرقة؟

من السابع من أكتوبر إلى اتفاق نزع السلاح... ماذا حققت حماس على أنقاض المحرقة؟

من السّابع من أكتوبر إلى اتفاق نزع السلاح.. ماذا حققت حماس على أنقاض المحرقة؟


02/08/2026

شهدت الحرب التي اندلعت عقب هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 تحولًا جذريًا واستراتيجيًا في المشهد الفلسطيني والإقليمي بأسره، لتنتهي وفق مسار الاتفاق الأخير إلى قبول حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بترتيبات أمنية جديدة وإطار شامل يتضمن التخلي عن سلاحها الثقيل والمتوسط، وإخضاعه لآليات رقابة وتسليم تدريجي وتحت إشراف دولي وإقليمي. 

ويُعدّ هذا التطور نقطة تحول فارقة وغير مسبوقة مقارنة بموقف الحركة الذي استمر على مدى أربعة عقود يعتبر فيه سلاح المقاومة مكسبًا ثابتاً وخطًا أحمر غير قابل للنقاش أو المساومة. ويفتح هذا المسار بابًا واسعًا للتقييم السياسي والعسكري والتحليل الشامل حول مدى تناسب هذه النتائج مع حجم الكارثة التي حلت بالقطاع، في ظل دمار غير مسبوق، وخسائر بشرية ومادية هائلة، ومستقبل أمني وسياسي تكتنفه الشكوك والغموض، وما إذا كانت التضحيات والنتائج تبرر الكلفة الباهظة التي حولت غزة إلى منطقة منكوبة وغير صالحة للحياة.

تفاصيل الاتفاق ونزع السلاح وتفكيك البنية العسكرية

تضمنت بنود الاتفاق الصريحة والتفاهمات الموثقة التي أعلنت الحركة موافقتها عليها من حيث المبدأ، صيغة أمنية وإدارية جديدة تعيد تشكيل الواقع الميداني في القطاع بشكل جذري. وتشمل هذه الترتيبات إعلان وقف دائم وشامل لإطلاق النار، وإطلاق سراح الأسرى والرهائن عبر صفقة تبادل تنفذ على مراحل زمنية محددة تشمل الجثامين والمحتجزين لدى كافة الفصائل مقابل أعداد متفق عليها من المعتقلين الفلسطينيين. ويقضي الاتفاق بإنهاء سلطة حركة حماس الإدارية والسياسية في غزة، وتسليم إدارة القطاع والمعابر والخدمات الحيوية خلال المرحلة الانتقالية إلى لجنة فلسطينية مستقلة تتكون من كفاءات وتكنوقراط تحظى بشرعية إقليمية وتنسيق دولي. إلى جانب ذلك، ينص الاتفاق على التزام كافة الفصائل المسلحة، وفي مقدمتها حماس والجهاد الإسلامي، بتجميع وتسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة مثل المنظومات الصاروخية، والمدافع، ومضادات الدروع، والطائرات المسيّرة، وتفكيك بنية الأنفاق والمصانع العسكرية لجهة دولية وإقليمية ناظرة، مع قبول انتشار عناصر أمنية وفريق مراقبة دولي وإقليمي لمراقبة الحدود وتأمين المناطق العازلة وضمان عدم إعادة تسليح القطاع.

تُوّج هذا المسار الميداني والسياسي بكلمة متلفزة ورسمية أعلن فيها رئيس حركة حماس في غزة، خليل الحية، موافقة الحركة الرسمية على بنود الاتفاق بكافة تفاصيله، مؤكدًا استعداده المباشر للدخول في ترتيبات المرحلة الانتقالية والمقبلة. وهو ما يمكن اعتباره بمثابة إعلان استسلام، ونقطة التحول الأكثر مفصلية في تاريخ الحركة منذ تأسيسها عام 1987، حيث أبدت إذعانًا لطلبات التخلي عن السلاح وتسليمه، ونهاية صريحة لعهد السيادة العسكرية والإدارية للحركة في قطاع غزة الذي بدأ عام 2007.

التباين الشديد بين الأهداف المعلنة والواقع الميداني

عند إطلاق عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023 رفعت القيادة العسكرية والسياسية لحركة حماس حزمة من الأهداف الاستراتيجية الكبرى، وفي مقدمتها كسر الحصار الشامل المفروض على قطاع غزة، وتبييض السجون وإطلاق كافة الأسرى الفلسطينيين، وحماية المسجد الأقصى والقدس والضفة الغربية، وفرض معادلة ردع عسكرية جديدة مع إسرائيل، بالإضافة إلى حماية البنية القيادية والتنظيمية للحركة. غير أنّ المقارنة الدقيقة بين هذه الطموحات المرفوعة والواقع المتحقق عقب الاتفاق تكشف عن فجوة استراتيجية وإخفاق كارثي؛ فبدلًا من كسر الحصار، خضع القطاع للاحتلال، ولنظام وصاية أمني أشد صارمة، ورُبطت حركة الأفراد والبضائع بإشراف ثلاثي ودقيق.

وفي ملف الأسرى، ورغم إطلاق أعداد منهم، إلا أنّ القوات الإسرائيلية اعتقلت عشرات الآلاف الجدد في غزة والضفة الغربية ليرتفع المجموع الكلي للمعتقلين في السجون إلى مستويات قياسية غير مسبوقة. وعلى صعيد القدس والضفة، تسارعت وتيرة الاستيطان وتكثفت المداهمات اليومية وفرض واقع جديد في القدس مع تراجع أدوات الضغط العسكري. أمّا على صعيد المعادلة العسكرية والبنية التنظيمية، فقد انتهت الحرب بتفكيك القدرات العسكرية المنظمة وتنظيف القطاع من السلاح الثقيل، مع تلقي الحركة ضربة قاصمة تمثلت في اغتيال معظم قيادات الصف الأول والثاني، وعلى رأسهم يحيى السنوار، وإسماعيل هنية، ومحمد الضيف، وصالح العاروري.

الكارثة الإنسانية والفاتورة البشرية

على صعيد الخسائر البشرية والإنسانية، خلفت الحرب واحدة من أكبر الكوارث في التاريخ الحديث بالنظر إلى المساحة الجغرافية المحدودة وعدد السكان. ووفق البيانات الموثقة الصادرة عن وزارة الصحة في غزة والمؤسسات الأممية الدولية حتى منتصف عام 2026، ارتفعت حصيلة الشهداء والمفقودين تحت الأنقاض لتتجاوز 70 ألف شخص، تُشكل النساء والأطفال أكثر من 68% من إجمالي هذا الرقم. وأُصيب أكثر من 170 ألف فلسطيني بجروح متفاوتة، وتسبب نقص الرعاية الطبية في تحول أكثر من 18 ألف حالة إلى إعاقات دائمة وبتر للأطراف.

ونتيجة للقصف المكثف والعمليات البرية الوحشية، تعرض ما يزيد على 90% من سكان القطاع، أي أكثر من 1.9 مليون نسمة، للنزوح القسري المتكرر لمرات تراوحت بين 5 إلى 10 مرات للأسرة الواحدة، حيث عاشوا في مخيمات إيواء بدائية تفتقر لأدنى المقومات الصحية والإنسانية، وسط تفشي الأوبئة وضياع المعالم الاجتماعية للقطاع.

أمّا على مستوى الدمار العمراني والبنية التحتية، فقد دُمرت أو تضررت أكثر من 70% من المباني والوحدات السكنية بالقطاع، ما يعادل نحو 430 ألف وحدة سكنية، الأمر الذي أدى إلى مسح مدن وأحياء كاملة من الخارطة العمرانية مثل بيت حانون، والشجاعية، وخان يونس، ورفح. وعلى الصعيد الصحي، تعرّضت المنظومة للانهيار التام بعد خروج 32 مستشفى من أصل 36 عن الخدمة، ومقتل واعتقال مئات الأطباء والكوادر الصحية وتدمير عشرات المراكز الطبية والمختبرات. وطال الدمار أكثر من 85% من المدارس والجامعات كليًا أو جزئيًا، ممّا حرم أكثر من 625 ألف طالب وطالبة من حقهم في التعليم لسنوات متواصلة. وشمل التدمير أكثر من 90% من شبكات الكهرباء ومحطات توليد الطاقة، إضافة إلى محطات تحلية المياه وشبكات الصرف الصحي، ممّا أدى إلى تسرب المياه العادمة وانتشار الأوبئة والأمراض المعدية.

وقد أسفر هذا الدمار عن انهيار اقتصادي ومالي شامل؛ إذ قدر البنك الدولي والأمم المتحدة الخسائر المباشرة وغير المباشرة وتكلفة إعادة الإعمار بما يتراوح بين 50 إلى 60 مليار دولار. وارتفعت معدلات البطالة لتتجاوز نسبة تتراوح بين 85% إلى 90%، بينما ارتفعت نسبة الفقر إلى ما يقارب 95%، ليتحول المجتمع الغزي بالكامل إلى الاعتماد الشديد على السلال الغذائية والمساعدات الإنسانية الخارجية نتيجة انعدام الناتج المحلي التام. وتُقدر الجهات الأممية كمية الركام والأنقاض المتراكمة في غزة بأكثر من 40 مليون طن، وأنّ عملية إزالتها وتطهير الأرض من الأجسام غير المنفجرة وحدها تحتاج إلى فترة تتراوح بين 7 إلى 10 سنوات قبل البدء الفعلي في عمليات الإعمار والبناء.

غزة ما بعد الحرب... هندسة الأمن والوصاية الجديدة

تضع هذه الترتيبات قطاع غزة أمام واقع جيوسياسي وجغرافي جديد يقلص من السيادة الفلسطينية ويفرض معادلة أمنية جديدة على الإقليم. فقد فرضت القوات الإسرائيلية واقعاً يستقطع شريطاً أمنياً بعمق يتراوح بين 1 إلى 2 كيلومتر على طول الحدود الشرقية والشمالية للقطاع كمنطقة عازلة، بالإضافة إلى السيطرة التشغيلية والمراقبة على المحاور الحيوية مثل محور فيلادلفيا الجنوبي ومحور نيتساريم الفاصل بين الشمال والجنوب خلال المراحل الانتقالية للانسحاب.

وفي السياق الإداري، تنقل التفاهمات صلاحيات إدارة الحياة اليومية والمعابر والصحة والتعليم إلى لجنة إدارة محلية مستقلة تتكون من كفاءات وتكنوقراط لا تنتمي فصائلياً إلى أيّ طرف، وتعمل بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية والمؤسسات الدولية مثل الأونروا وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. وتُشير التفاهمات إلى أنّ كل مرحلة من مراحل ضخ أموال الإعمار وبناء المجمعات السكنية ستكون مشروطة بالتحقق الميداني من قبل اللجان الدولية من خلو المنطقة المعنية من أيّ مظاهر مسلحين أو بنية تحتية عسكرية أو محاولات إعادة تصنيع.

إنّ القراءة الشاملة لنتائج حرب غزة تكشف عن وجود تباين صارخ بين الشعارات التي رُفعت في البداية والواقع الذي استقر عليه المشهد. فعلى مستوى حركة حماس، دخلت الحركة المعركة بهدف فرض واقع سياسي جديد يفك الحصار، لكنّها انتهت بالقبول بنزع سلاحها الشامل، وفقدان سلطتها الحاكمة في غزة، واغتيال معظم قياداتها التاريخية والعسكرية، والتراجع عن إرثها الفكري الممتد لعقود والقائم على حصرية الخيار المسلح.

وعلى مستوى قطاع غزة، خرج القطاع من هذه الحرب يحمل أثقل فاتورة إنسانية وعمرانية في تاريخه الحديث، مع مجتمع مكلوم ومهجر، وبنية تحتية مدمّرة، واقتصاد ملغى بالكامل، ومستقبل سياسي محكوم بالوصاية والرقابة الدولية لسنوات طويلة. إنّ قبول حماس بالاتفاق الأخير وتخليها عن السلاح، رغم قسوته التنظيمية والسياسية، جاء كاستجابة متأخرة وإجبارية تحت ضغط الكارثة الإنسانية الشاملة ومحاولة للحفاظ على ما تبقى من أرواح السكان وأرض القطاع، لتظل حرب السابع من أكتوبر درساً قاسياً حول كلفة القرارات الاستراتيجية غير المحسوبة.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية