لبنان: تيتانيك بدون الأوركسترا

لبنان: تيتانيك بدون الأوركسترا

مشاهدة

كاتب ومترجم جزائري
06/05/2021

ترجمة: مدني قصري

بعد ثمانية أشهر من انفجار مرفأ بيروت واستقالة حكومة حسان دياب، وستة أشهر من مطالبة سعد الحريري بتشكيل حكومة جديدة، ما يزال لبنان بلا حكومة، فيما البلاد تغرق أكثر فأكثر في الأزمة.

اليوم، كثيراً ما يُقارَن لبنان بسفينة تيتانيك، أكبر سفينة في العالم في ذلك الزمن، التي اصطدمت في اليوم الرابع من عبورها الأول بجبل جليدي، وغرقت في 15 نيسان (أبريل) 1912، ممّا أدى إلى مقتل أكثر من 1500 شخص، كان وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، من أوائل من تناول هذا الموضوع، حيث قال، في كانون الأول (ديسمبر) 2020: "لبنان هو تيتانيك بدون الأوركسترا"، في إشارة إلى قصة أوركسترا السفينة وهي تعزف نغمات سعيدة بينما كانت السفينة تغرق ببطء في المياه الجليدية.

في الآونة الأخيرة، قبيل حلول الذكرى 109 لهذه الكارثة، ردّد نبيه بري، رئيس مجلس النواب الذي يتعذّر عزله، هذه الصورة؛ "البلد كلّه في خطر، البلد كله تايتانيك، حان الوقت كي نستيقظ جميعاً؛ لأنّه إذا غرقت السفينة في النهاية، فلن ينجو أحد"، ومع ذلك، على الرغم من هذه التحذيرات والأدلة المتزايدة على الكارثة التي باتت وشيكة، استمرّ نصفُ دزينة من قادة الفصائل (أو نحو ذلك) في التصرّف كما لو كان كلّ شيء طبيعياً.

مفاوضات أمام طريق مسدود

في قلب المأزق، يكمن الطريق المسدود بين الرئيس ميشيل عون، وهو مسيحي ماروني، ورئيس الوزراء المكلف، سعد الحريري، وهو مسلم سنّي، اللذين أصرّا على الاختلاف حول عدد الوزراء الذين يجب أن تشملهم الحكومة الجديدة، وحول مَن يجب أن يُعَيِّنَهم، فوفق الصيغة التي تمّ الاتفاق عليها في تشرين الأول (أكتوبر) 2020 بين جميع الفصائل، مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فإنّه من المفترض أن تتشكّل الحكومة من تكنوقراط مؤهلين، لا ينتمون إلى أحزاب سياسية.

في أوقات الفوضى، ينظر الناس إلى مَن يرتدون الزيّ العسكري، كي يقفوا في الخطوط الأمامية، لكنّ وضعهم يتدهور أيضاً؛ إذ يبلغ أجر الجندي حوالي 60 دولاراً فقط

من الواضح أنّ قادة الفصائل يواصلون الإصرار من أجل أن يكون الوزراء أو التكنوقراط، أو أعضاء الأحزاب، مَدِينِين بتعيينهم للبارونات السياسيين. يتخوّف رعاة السياسة اللبنانية من قيام حكومة لا يستطيعون السيطرة عليها، ويكون سببَ وجودها تنفيذُ برنامج الإصلاح المتّفق عليه مع ماكرون، وبِدعمٍ قويّ من صندوق النقد الدولي، وهيئات أخرى.

كان هناك أمل ضئيل قبل الاجتماع الثامن عشر بين عون والحريري، في 22 آذار (مارس)، والذي كان من المتوقع أن يُسفر في النهاية عن اتفاقٍ على صيغة معيّنة، لقد بُذلت جهود كبيرة واتصالات سياسية ودبلوماسية للتحضير لهذا الاجتماع، وكان من المفترض أن يتخلّى عون عن الاحتفاظ بـ "ثلث العرقلة"، ثلث السيطرة على الحقائب الوزارية بالإضافة إلى وزير إضافي، لمنحه حقّ النقض في أيّ شيء لا يناسبه.

اقرأ أيضاً: حادثة عنصرية جديدة.. كيف أثرت أزمات لبنان على اللاجئين السوريين؟

من جانبه، يبدو أنّ الحريري تخلى عن المطالبة بحكومة تتألف من 18 وزيراً فقط، كان الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، قد أشار إلى أنّه سيَقبل كلَّ ما يوافق عليه عون والحريري، رغم أنه يفضّل حكومةً سياسيّة أكثر، لديها نفوذ لدفع إجراءات غير شعبية، مثل إلغاء دعم السلع الأساسية، كالدقيق والوقود والأدوية.

لكنّ اللقاء فشل بشكل مثير، ممّا أدى إلى عرضٍ علنيٍّ لاتهامات متبادلة عنيفة. نَشر الحريري قائمة 18 مرشحاً وزارياً كان قد اقترحهم في كانون الأول (ديسمبر)، وردّ عون بالقول إنه يتعيّن على الحريري التنحّي إذا لم يستطع الوفاءَ بمنصبه، وردّ الأخير بأنّه تجب الدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكّرة إذا لم يتمكّن عون من تشكيل حكومة.

البنك المركزي تحت المساءلة

تضخّمت واشتدّت التنديدات والاتهامات، حيث اتهم عون مصرفَ لبنان وحاكمه رياض سلامة، والبنوك بشكل عام، بالمسؤولية عن الأزمة المالية التي دمّرت البلاد، وتسبّبت في انخفاض العملة إلى ما لا يزيد عن 10٪ من قيمتها مقابل الدولار، وردّت جمعية المصرفيّين قائلة إنّ السياسيّين الفاسدين هم الذين أغرقوا البلاد، من خلال اقتراض مبالغ طائلة من مصرف لبنان، بأسعار فائدة سخيفة، بناءً على إصرار عون، تجري، مرّة أخرى، مراجعةٌ قانونية صعبة لحسابات مصرف لبنان، من قبل شركة ألفاريز ومارشال "Alvarez and Marshal"، ومقرّهما نيويورك، بعد أن أقرّ البرلمان مشروع قانون يُعلِّق السريّة المصرفية، وهو ما قد يؤدي إلى إفشاءات سياسية محرجة.

هذا الجمود، وهذا التعنت المُحيّر، أدّى إلى تنديدات عديدة ضدّ الطبقة السياسية اللبنانية، من قِبل "عالم خارجي" مذعور، وعلى رأسه فرنسا التي ما تزال مبادرتُها هي الوحيدة الصامدة، على الرغم من إخفاقاتها، على الأرض، انضمّ سفراء من الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة العربية السعودية إلى عدد كبير من الزيارات للرعاة السياسيين المشاكسين، كما رأينا وفداً من جامعة الدول العربية، ووزير الخارجية المصري، وفريقاً إيرانياً بقيادة حميد شهرياري، رجل الدين المقرّب من المرشد الأعلى، لقد أظهر جميعهم السخط نفسه، داعين القادة اللبنانيين للعمل معاً لإنقاذ بلدهم.

رجل الأعمال الذي أيّد الثورة أنطوان الخوري: لا يوجد مستقبل ولا أمن، ولا يوجد سوى البؤس من حولنا. لا يوجد ضوء، ولا أرى الضوء في نهاية النفق

ومع ذلك، يمكننا التساؤل إن كان كلّ هؤلاء الأجانب يُغَنُّون الأغنية نفسها. في لبنان، هناك دائماً عوامل خارجية تلعب دوراً، كما أنّ الصراعات الإقليمية والدولية بالوكالة ليست بعيدة عن السطح؛ فبفضل تحالف حزب الله مع الرئيس عون والتيار الوطني الحرّ لصهره جبران باسيل، حصلت الحركة الشيعية وداعِمُوها الإيرانيون على مشاركة من السيطرة في السلطة، إنهم لا يميلون كثيراً للتخلي عنها. بالمقابل، هناك مؤشرات على أنّ الزعماء السنّة في المنطقة شجّعوا سعد الحريري، لا سيما الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والإمارات العربية المتحدة، على أن يعارضوا بحزمٍ أيَّ حلّ وسط، وإدراكاً منهم أنّ السنّة هم الخاسرون في العراق وسوريا، فإنهم يريدون جعلَ لبنان ساحة معركةٍ رمزية لمقاومة النفوذ الإيراني.

اقرأ أيضاً: من هو حسن دقو "ملك الكبتاغون" في لبنان؟

يعلم الجميع أنّ حزب الله هو، إلى حدّ بعيد، أقوى قوّة عسكرية في البلاد، والعديد من اللبنانيين، خاصة السنّة والمسيحيون، يطاردهم الخوفُ من انجرار البلاد إلى المحور الإيراني. وهذا أحدُ أسباب المبادرة التي أطلقها البطريرك الماروني، الكاردينال بشارة الراعي، والتي تقترح أن يعلن لبنان نفسَه محايداً في النضالات الإقليمية، وكذلك تنظيم مؤتمر دولي لتكليف الأمم المتحدة بدورٍ في تسيير شؤون البلاد. بالنسبة لزعيم حزب الله حسن نصر الله، فإن هذا الاقتراح هو بمثابة إدخال لبنان في "المحور الأمريكي الإسرائيلي". لكن الفكرة لم تتلاشَ، حيث سعى الحريري إلى لقاء البابا، في نيسان (أبريل) الحالي، فيما أشارت الجامعة العربية إلى دعمها لحياد لبنان.

يبدو أنّ مكالمةً هاتفية من الرئيس إيمانويل ماكرون مع نظيره المصري قد أقنعت الحريري بإبداء بعض المرونة، مع وصول الإحباط إلى ذروته، أثار الفرنسيون أيضاً مع الاتحاد الأوروبي فكرةَ فرضِ عقوبات استهدافية (تجميد الأصول، والتنقلات) ضدّ القادة اللبنانيين المتمرّدين. البعض منهم لديهم منازل وحسابات مصرفية في باريس، وأماكن أخرى في أوروبا، وقد يجدونها مزعجة، لكن، كما قال أحد المراقبين المتميزين، فإنّ "التهديد بفرض عقوبات أمرٌ مهمٌّ كتهديدٍ، لكنّه غير قابل للتطبيق عملياً إلا قليلاً"، فكي تكون فعّالة، يجب أن تطبَّق بالتساوي على الجميع، وحزب الله، على سبيل المثال، سيكون أقل تعرّضاً بكثير من بعض الجهات الفاعلة الأخرى.

اقرأ أيضاً: هل تستجيب إسرائيل لمطالب لبنان في ترسيم الحدود؟

على المستوى المحلي، تمّ إلقاء الجزء الأكبر من اللوم على الرئيس عون، وصهره جبران باسيل، الذي صَلَّبَ وشدّدَ، على ما يبدو، موقفَه منذ أن خضع لعقوبات أمريكية، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2020، بسبب قرب فصيله من حزب الله، ويُعتقَد أيضاً أنّ الرئيس المتقدّم في السنّ (86 عاماً)، يريد أن يترك إرثاً سياسياً لصهره وللحركة، مع إجراء انتخابات برلمانية العام المقبل.

لقد تجنّب العديدُ من الوسطاء المحتملين لقاءَ باسيل، لكنّه يظلّ لاعباً مُهِمّاً، ويبدو أنّ الرئيس الفرنسي ماكرون قد حاول جمْع باسيل والحريري معاً في باريس لتسوية خلافاتهما، لكنّ الحريري رفض، ولم يَحدُث اللقاء، وقد قال ممثل آخر "إنّها حلقة مفرغة".

الثورة المنتهية

ربما يشعر القادة الجشعون بالثقة في أنفسهم لأنّ "الثورة"، التي شهدت، في تشرين الأول (أكتوبر) 2019، خروجَ مئات الآلاف من المواطنين من جميع الأطياف إلى الشوارع للتنديد بهم بشكل جماعي، قد تلاشت بعد بضعة أشهر كانت جدّ مثيرة. الآن، صارت مجزّأة إلى عدد من مجموعات "WhatsApp" على أمل خوض الانتخابات العام المقبل، إنْ حدثت.

على الرغم من تدهور الظروف الاجتماعية والاقتصادية بشكل مطرد، لا يوجد أيّ مؤشر على عودةٍ حقيقية لهذه الحركة الجماهيرية العفوية، مع انهيار العملة اللبنانية إلى مستوى قياسي مقابل الدولار، كانت هناك بعض الاحتجاجات من الغضب وإغلاق الطرق الرئيسة، في أوائل آذار (مارس)، لكن يبدو أنّ بعض الفصائل السياسية قد تلاعبت بها إلى حدّ كبير (لا سيما القوات اللبنانية لسمير جعجع) للضغط على الآخرين، وقد وضَع الجيشُ حداً لهذه المظاهرات.

اقرأ أيضاً: ماذا يقدم حزب الله اللبناني لجماعة الحوثي الإرهابية؟

الهياج الذي كان سائداً في الحقبة الثورية الماضية حلَّ محلَّه اليوم اليأسُ المتجهّم والكآبة وخيبة الأمل، "لا يوجد مستقبل ولا أمن، ولا يوجد سوى البؤس من حولنا، ولا يوجد ضوء، ولا أرى الضوء في نهاية النفق"، هكذا قال أنطوان الخوري، رجل الأعمال الذي أيّد الثورة، والذي يُرسل الآن عائلتَه إلى الخارج، مضيفاً: "لا أؤمن بحلٍّ للبنان في الهيكلة الحالية، الوضعُ ميؤوس منه"، وقال آخر: "كلّ من يملكون شيئاً ذا قيمة يغادرون البلاد، أو في طريقهم للقيام بذلك"، "ويعلّق أحد جيراني قائلاً: "هذا كلّ ما نأمله الآن، أن نغادر".

من التردّي إلى الفوضى

كثير من الموظفين الذين تحتاج إليهم البلاد بشدة، بما في ذلك الأطباء والممرضات، غادروا البلاد، أو يغادرون؛ لا يمكنهم العيش براتب فقدَ 90٪ من قيمته، ومن بين العوامل التي أجّجت الاشمئزاز وخيبة الأمل من الطبقة السياسية هناك حقيقةُ أنّ التحقيق في الانفجار في الميناء لم يصل إلى أيّة نتيجة، على الرغم من تغيير قضاة التحقيق، والجميع يعلم أنّ التحقيق في القتل الوحشي للناشط الليبرالي لقمان سليم، في 3 شباط (فبراير)، سيواجه المصير نفسَه، لقد تمّ اختطافه وقتله في "منطقة حزب الله"، وتعتقد أسرتُه وأنصاره أنّ الحزب الشيعي الذي كان لقمان سليم ينتقده علناً، ​​وراءَ مقتله، رغم النفي من قبل الحزب الشيعي.

لكنّ السياسيين الفاسدين قد لا يملكون ترفَ الوقت لصالحهم، لن يتمكن مصرف لبنان، الذي أضحت خزائنه شبه فارغة، من الاستمرار في دعم الوقود والدقيق والأدوية، التي يتم تهريب الكثير منها إلى سوريا وأماكن أخرى، ما الذي سيحدث عند رفع الدعم؟ وفق البنك الدولي 55٪ من اللبنانيين يعيشون بالفعل تحت خط الفقر.

لقد قيل الكثير عن "انهيار" لبنان، لكنّ الدول لا تنهار بهذا الشكل، من المرجح أننا سنشهد ارتفاعاً ثابتاً في الفقر والفوضى.

اقرأ أيضاً: لبنان وثالوث هيمنة حزب الله

 علّق غازي وزني، وزير المالية في الحكومة الانتقالية المنتهية ولايتها، قائلاً: "دون حكومة ذات مصداقية، ستنتقل الأمورُ من سيّئ إلى أسوأ في غضون بضعة أشهر"، وأضاف: "وسيزيد الفقر والبؤس والبطالة أكثر، وستستمرّ الأسعارُ في الارتفاع، وستكون هناك فوضى، ويقول وليد جنبلاط، الذي يتزعم الأقلية الدرزية منذ اغتيال والده عام 1977: "لن نشهد حرباً أهلية، لكن ستكون لدينا حالة من الاضمحلال الذي يُولّد الفوضى والقتل، والبلطجية في الشوارع، وربما اعتداءات على أصحاب المال".

قوات الأمن مرهَقة

في أوقات الفوضى، ينظر الناس إلى الرجال الذين يرتدون الزيّ العسكري، كي يقفوا في الخطوط الأمامية، لكنّ وضعهم يتدهور أيضاً. يبلغ أجر الجندي حوالي 60 دولاراً فقط في الشهر، وهناك إشاعات عن حالات فرار من الخدمة، وقد انتقد قائد الجيش، العماد جوزاف عون، السياسيين بشدة، مؤكداً أنّهم خلقوا وضعاً متفجراً، قائلاً: "الجنود أيضاً يعانون، وهم جوعى".

أمّا بالنسبة للشرطة، فقد قال وزير الداخلية المؤقت، محمد فهمي: إنّ "قوات الأمن تنهار طاقتُها كلّ يوم، لقد وصلنا إلى الحضيض، أنا أتحدث عن 90٪ من مهامنا، لم نعد قادرين على إنجازها لحماية الشعب والأمة".

ربما بسبب عدم وجود أعمال شغب ضخمة في الشوارع، يستمرّ القادة السياسيون في التصرّف، كما لو أنّه لا توجد حاجة ملحة لحلّ الأزمة، على الرغم من أنهم يشعرون بالضغط من قِبل مؤيديهم، الذين صاروا جميعاً منهَكين، الأمر أشبه ما يكون بٍقِدْرِ الضغط الذي ترتفع درجة حرارته يوماً بعد يوم، لا أحد يعرف كيف ومتى سيحدث هذا، لكنّ الانفجار، بشكل أو بآخر، مؤكّد لا محالة.

مصدر الترجمة عن الفرنسية:

orientxxi.info/magazine

الصفحة الرئيسية