
لم تكن بدائل التعليم التي ظهرت في غزة بعد توقف المدارس قادرة على الوصول إلى جميع الأطفال بالقدر نفسه، فالأطفال ذوو الإعاقة يواجهون عوائق إضافية تبدأ بصعوبة الوصول إلى أماكن التعلم، وتمتد إلى غياب البيئة المهيأة والوسائل التعليمية والكوادر المتخصصة.
ولا يقتصر الإقصاء على حرمان الطفل من درس أو صف، بل يمتد إلى حقه في التعلم والتواصل وبناء مهاراته واستقلاليته، وفي ظل ظروف الحرب والنزوح وتراجع الإمكانات، تصبح الفجوة أكبر أمام الأسر التي تجد نفسها عاجزة عن توفير النقل أو الأجهزة المساعدة أو الدعم المتخصص، ليجد الطفل ذو الإعاقة نفسه أمام سؤال مؤلم: هل تكفي بدائل التعليم إذا لم تكن متاحة للجميع؟.
ويعاني نحو 98 ألف طفل في غزة، تتراوح أعمارهم بين 2 و17 عاماً، من نوع واحد أو أكثر من الصعوبات الوظيفية، وفق تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني المبنية على بيانات المسح العنقودي متعدد المؤشرات، ومن بينهم نحو 21200 طفل يعانون من صعوبات في التعلم.
وفي أحدث تقييم لـ "اليونيسف"، أيلول/سبتمبر 2026، يصف وصول الأطفال والشباب ذوي الإعاقة إلى الخدمات الأساسية في غزة بأنّه يواجه تعطلاً شبه كامل، بما يشمل التعليم والتأهيل والحماية، ويشير إلى أنّ الحرب حولت أوجه الاستبعاد السابقة إلى اضطراب واسع في الخدمات.
وتشير "اليونيسف" إلى أنّ نحو 700 ألف طفل في غزة، بين 4 و17 عاماً، حُرموا من التعليم الحضوري النظامي لما يقارب ثلاثة أعوام دراسية متتالية، وأنّ قرابة 98% من مباني المدارس تضررت، ويحتاج أكثر من 93% منها إلى إعادة تأهيل أو إعادة بناء كاملة.
ولم تصل البدائل التعليمية نفسها إلى الجميع، فقد ذكرت "اليونيسف" أنّ نحو 420 ألف طفل، أي ثلاثة من كل خمسة أطفال، لم يكونوا يحصلون على أيّ تعليم وجاهي مؤقت حتى نيسان/أبريل 2026.
ووفق المنظمة كان هناك 494 مساحة تعلم مؤقتة عاملة في غزة في آذار/مارس 2026، وتستوعب نحو 300243 طالباً، لكنّ عدد الأطفال ذوي الإعاقة المسجلين فيها لم يتجاوز 1923 طفلاً.
حين تعيق الإعاقة التعليم
يقول سامي شحادة (51 عاماً)، والد الطفل أحمد (12 عاماً) الذي يعاني من إعاقة حركية منذ ولادته: "عندما بدأت مبادرات التعليم البديل في منطقتنا، شعرت بالفرح لأنني ظننت أنّ ابني سيعود إلى التعلم بعد انقطاع طويل، لكنني اكتشفت أنّ هذه البدائل لم تصمم لتناسب الأطفال ذوي الإعاقة، فبقي خارج الصف رغم وجود أماكن للتعليم".
ويضيف شحادة: "المشكلة تبدأ قبل الوصول إلى الصف، فالطريق صعب، والمكان غير مهيأ لاحتياجات ابني، وأحياناً أضطر إلى حمله أو مرافقته طوال الوقت، وفي ظل ظروفنا الحالية، لا تستطيع كل أسرة توفير وسيلة نقل أو شخص يرافق الطفل يومياً".
ويتابع: "ابني يحتاج إلى طريقة مختلفة في الشرح ووقت أطول لاستيعاب الدروس، لكنّ المعلم يكون مسؤولاً عن عدد كبير من الأطفال، ولا يستطيع منحه الاهتمام الكافي، ولا توجد أدوات تعليمية مساعدة أو شخص متخصص يتابع احتياجاته، ولذلك يشعر بأنّه موجود في المكان، لكنّه لا يتعلم مثل الآخرين".
ويواصل: "التعليم بالنسبة إلى ابني ليس مجرد درس أو كتاب، هو فرصة للتواصل مع الأطفال وبناء ثقته بنفسه والحفاظ على المهارات التي تعلمها، وعندما يبقى بعيداً عن التعليم لفترة طويلة، أخشى أن يفقد ما تعلمه، وأن تصبح عودته إلى الدراسة أكثر صعوبة".
ويوضح شحادة: "لا أريد أن تكون الإعاقة سبباً لاستبعاد ابني، وإذا كانت هناك صفوف مؤقتة أو مبادرات تعليمية، فيجب أن تكون مهيأة لجميع الأطفال، وأن تتوافر فيها الوسائل المناسبة لمن يحتاجون إلى دعم إضافي، لأنّ الطفل ذا الإعاقة لا يحتاج إلى الشفقة، بل إلى فرصة حقيقية".
ويبين: "نحن كأسر نتحمل أعباء كثيرة، من النزوح وصعوبة توفير الاحتياجات الأساسية إلى تكاليف العلاج والتنقل، لذلك لا نستطيع وحدنا توفير ما يحتاج إليه الطفل من أجهزة أو مواصلات أو متابعة تعليمية، ونحتاج إلى دعم يجعل التعليم متاحاً له، بدلاً من أن يصبح عبئاً جديداً علينا".
ويختم شحادة حديثه بالقول: "لا أطلب معاملة خاصة لابني، وإنّما أريد أن يحصل على حقه في التعليم مثل بقية الأطفال، وأتمنى أن يأتي يوم لا يسألني فيه لماذا بقي في المنزل، بل لماذا تأخر عن الصف، فالطفل ذو الإعاقة لديه أحلام وقدرات، وما ينقصه ليس الرغبة في التعلم، وإنّما بيئة تمنحه الفرصة".
تعليم لا يصل إلى الجميع
تقول ياسمين فياض والدة الطفل أدهم (14 عاماً) الذي فقد قدمه وإحدى عينيه خلال الحرب الإسرائيلية: "عندما بدأت مبادرات التعليم البديل، شعرت بالأمل لأنني أردت أن يعود ابني إلى التعلم بعد فترة طويلة من الانقطاع، لكنني اكتشفت أنّ معظم هذه الأماكن غير مهيأة له، من صعوبة الوصول إليها إلى عدم توافر بيئة تساعده على المشاركة مثل بقية الأطفال".
وتوضح فياض (37 عاماً): "ابني يحتاج إلى أسلوب مختلف في الشرح ووقت أطول لاستيعاب الدروس، لكنّ المعلمات يتعاملن مع أعداد كبيرة من الأطفال، ولا يستطعن متابعة احتياجاته بشكل فردي، وغالباً يجلس في الصف، لكنّه لا يستطيع مواكبة الدرس، فأشعر أنّ وجوده وحده لا يعني أنّه يحصل فعلاً على حقه في التعليم".
وتتابع: "التنقل مشكلة أخرى، فالوصول إلى أماكن التعليم مرهق، وبعضها لا يناسب وضع ابني، ولا أستطيع دائماً توفير وسيلة نقل أو مرافق، خصوصاً في ظل الظروف الصعبة التي نعيشها، لذلك اضطررت في بعض الأيام إلى إبقائه في المنزل، رغم أنني أعرف أنّ كل يوم يبتعد فيه عن التعليم يزيد الفجوة بينه وبين أقرانه".
وتواصل فياض: "أشعر بالعجز كلما سألني ابني: لماذا يذهب الأطفال إلى المدرسة بينما أبقى أنا في المنزل؟ لا أجد الكلمات المناسبة لأشرح له أنّ المدرسة في وضعها الحالي ليست مهيأة لاستقباله، فهو يريد أن يتعلم، وأن يجلس بين زملائه ويعيش طفولته مثلهم، لكنّ إعاقته تحولت إلى عائق يحول دون حق أساسي يفترض أن يكون متاحاً لكل طفل".
وتضيف: "أنا لا أطلب معاملة خاصة لابني، وإنّما أريد توفير ما يحتاج إليه حتى يتعلم، فهو يحتاج مكاناً يمكنه الوصول إليه، ووسائل مناسبة، ومعلمين يعرفون كيفية التعامل مع الأطفال ذوي الإعاقة، فالأسرة وحدها لا تستطيع تحمل تكاليف النقل والأجهزة والمتابعة، خصوصاً في ظل فقدان كثير من مصادر الدخل".
وتؤكد فياض: "أخشى أن يطول انقطاع ابني عن التعليم فيفقد مهارات تعلمها بصعوبة، والأصعب أن يفقد ثقته بنفسه، فالتعليم البديل يجب أن يكون مفتوحاً للجميع، لأنّ الطفل ذا الإعاقة لا تنقصه الرغبة في التعلم، وإنّما يحتاج إلى فرصة حقيقية وبيئة لا تجعله يشعر بأنّه مختلف أو غير مرغوب فيه".
التعليم البديل لا يكفي
ويرى أستاذ التربية الخاصة المساعد بجامعة القدس أسامة العشري أنّه "رغم أهمية التعليم البديل في استمرار العملية التعليمية، فإنّه ما يزال عاجزاً في كثير من الحالات عن تلبية الاحتياجات الفردية للأطفال ذوي الإعاقة، فبعض البرامج تقدم محتوى تعليمياً عاماً لا يتناسب مع طبيعة الإعاقات المختلفة، ولا توفر دائماً الوسائل التعليمية المساندة أو الخطط الفردية التي يحتاجها كل طفل".
ويضيف العشري: "أبرز الحواجز والصعوبات التي تواجه تعليم ذوي الإعاقة هو نقص المعلمين المتخصصين، وغياب التجهيزات المهيأة، ومحدودية الوسائل التعليمية والتقنيات المساعدة، إلى جانب صعوبة الوصول إلى بعض مراكز التعلم، كما أنّ تضرر البنية التعليمية والنزوح المتكرر يزيدان من صعوبة انتظام الأطفال ذوي الإعاقة في التعليم".
ويوضح أنّ "التعليم البديل يمثل حلاً مؤقتاً وضرورياً، لكنّه لا يستطيع بمفرده أن يحل محل التعليم المتخصص، فالطفل ذو الإعاقة يحتاج إلى بيئة تعليمية مهيأة، ومعلم متخصص، وخطة تعليمية تراعي قدراته واحتياجاته، وإلّا أصبح وجوده في البرنامج شكلياً أكثر من كونه حقاً تعليمياً متكاملاً".
ويؤكد الأكاديمي الفلسطيني أنّ "تعليم ذوي الإعاقة بحاجة إلى تصميم برامج تعليمية دامجة منذ البداية، وتوفير معلمين متخصصين ووسائل مساعدة ومرافق مهيأة، إلى جانب إعداد خطط تعليمية فردية للأطفال، والأهم أن ينظر إلى الطفل ذي الإعاقة باعتباره صاحب حق في التعليم، لا مجرد مستفيد إضافي من برامج الطوارئ".

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%860_1.jpg.webp?itok=n87Uimqt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%865_2.jpg.webp?itok=No_e8oaY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A_1.jpg.webp?itok=zNxXr6Wc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_7.jpg.webp?itok=HmhQt4sS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%B1%D8%A8%D8%A7%D9%88%D9%8A_0_4_0_1_2_3.jpg.webp?itok=jR_ZYvon)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%84_8.jpg.webp?itok=PGnEQ4GC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_36_3.jpg.webp?itok=cuydtlVs)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86_6_4_0_4.jpg.webp?itok=RvkMJdh4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%8A%D9%86_6.jpg.webp?itok=q4fOTd3R)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A91_3.jpg.webp?itok=pCwXf3fW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84%200.jpg.webp?itok=wkrtYvi9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_1.png.webp?itok=asHVstdg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_14.jpg.webp?itok=aSKivHsG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_22_0_2.jpg.webp?itok=4gLW7bf6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_7.jpg.webp?itok=W0vT56SW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%8A%D8%A7%D8%AF.jpeg.webp?itok=pUNyeol-)






![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_1.jpg.webp?itok=xJV_iVmx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A8%D9%8A_0.jpg.webp?itok=tBMyYKB8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_129.jpg.webp?itok=aju99hfl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%81%D9%81_1.jpg.webp?itok=zXUGGeDE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1_0_1.jpg.webp?itok=EfTkqtIj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)