قبيل السباق الانتخابي العراقي: الإسلاميون يجدّدون أنفسهم بعناوين مدنية

قبيل السباق الانتخابي العراقي: الإسلاميون يجدّدون أنفسهم بعناوين مدنية

مشاهدة

20/01/2021

يزداد الحراك السياسيّ الحزبيّ في العراق تصاعداً قبيل بدء الانتخابات التشريعية، المحددة في حزيران (يونيو) المقبل، ورغم حسم الموعد الانتخابيّ على وجه الدقة، وإمكانية تأجيلهِ في حال الاتفاق السياسي بين الكتل؛ فإنّ سجلات المفوضية العليا المستقلة للانتخابات سجلت ارتفاعاً عالياً في أعداد الكيانات السياسية الجديدة، الساعية لخوض الاقتراع المقبل. 

اقرأ أيضاً: بعد العقوبات الأمريكية على الفياض: الموالون لطهران في دائرة الخطر

وصادقت مفوضية الانتخابات، مؤخراً، على 231 حزباً، مقابل 400 طالبوا بتسجيلهم رسمياً لديها، فيما رفضت المفوضية 99 حزباً لمخالفة طلباتها الشروط والضوابط، فضلاً عن انسحاب 17 حزباً آخرين من التسجيل. 

جانب من مؤتمر إعلان تأسيس حركة امتداد من قبل ناشطي الحراك الاحتجاجي في محافظة ذي قار جنوب العراق

ويكشف المشهد السياسي حدّة الصراع بين القوى التقليدية والشبابية المنبثقة عن الحراك الاحتجاجي، لا سيما أنّ القوى الأولى نزلت بعناوين مدنية وإصلاحية تحاول من خلالها كسب الشارع المحلي مجدداً، في حين تواجه الكيانات الجديدة مشكلات في المال والتنظيم تعرقل اكتمال سيرها لغاية الآن. 

ويكتنف المرحلة السياسية المقبلة غموض كبير، نتيجة عدم التكهّن بخريطة القوى الصاعدة للبرلمان، في ظلّ تشظّي العديد من قوى السلطة وانقسامها، وتذبذب المزاج الجماهيري إزاء جديتهِ في صناعة قراره الانتخابي المقبل. 

كثافة حزبية في المشهد الجديد

تنامي الحزبية العراقية يكشفُ قوة النزال الانتخابي المقبل، خصوصاً أنّ ثورة تشرين 2019 غيّرت مسار العملية السياسية القائم، منذ إطاحة نظام صدام حسين عام 2003؛ حيث تخشى القوى الكلاسيكية المتحكمة بدفّة الحكم حدوث مفاجآت جديدة داخل صندوق الاقتراع، ربما يقضم من سلطتها القائمة، إن لم يزِلها. 

  ويعلّق الباحث السياسي حسن كاظم، على الحراك الحزبي الجديد قائلاً: "نرى هذه الأيام تشكّل أحزاب وحركات سياسية وحزبية جديدة، أو منفصلة عن أحزاب قديمة، وهو أمر يعكس حالة الانشقاق والانقسامات في الكيانات والأحزاب والتيارات، التي  لم تعد شعاراتها ورموزها تجذب الجيل الجديد من الشباب". 

سبق للمرجعية الدينية الشيعية أن دعت المتظاهرين إلى تنظيم الصفوف، وخلق كيانات سياسية جديدة، والدخول في الانتخابات، وتغيير معادلة السلطة
 

ويضيف، لـ "حفريات": "حالة عدم الاستقرار السياسيّ، رغم ديمقراطية النظام الحالي، انعكست على مفهوم الحزبية بنسختها العراقية، من حيث الشروع نحو تشكيل كيانات جديدة مع قرب كلّ استحقاق انتخابي"، مبيناً أنّ "الحالة الصحية التي يعتقدها البعض في التعدّدية السياسية لا تنطبق على واقعنا؛ كون العملية السياسية عبارة عن (بازار) خاضع لأمزجة ضيّقة، دون الارتكاز لدعامات ومبادئ ديمقراطية أصيلة". 

تجديد سياسيّ يخوضهُ الجميع

وتتصارع أحزاب الإسلام السياسي، وحلفاؤها من القوميين في إقليم كردستان، مع القوى الناشئة عن الحراك التشريني الجديد، على الانتخابات المقبلة، مع مخاوف تعتري الإسلاميين من تسويق الغضب الجماهيريّ لصالح الخصوم الشباب.

مفوضية الانتخابات تعلن عن ارتفاع كبير في تسجيل الكيانات السياسية الجديدة لديها

وأطلق عدد من السياسيين المحسوبين على الأحزاب القديمة كيانات جديدة، تحمل يافطة التغيير والتمكين الشبابي وإصلاح النظام؛ إذ أعلن خلال الأسبوع الحالي، النائب المستقيل عن حزب الدعوة، محمد شياع السوداني، تأسيس كيانه المسمى "أبناء الفراتين"، كما شكلَ القيادي في المجلس الأعلى الإسلامي العراقي، والوزير الأسبق، باقر جبر الزبيدي، حركة "إنجاز"، في خطوة وصفت بالانشقاقية عن حزبه الأم والموالي لإيران. 

اقرأ أيضاً: هل تورطت الحكومة العراقية السابقة في اغتيال سليماني؟
وعلاوة على ذلك، أعلن القيادي المستقيل عن تيار الحكمة، ووزير الشباب والرياضة السابق، عبد الحسين عبطان، انبثاق كيانهِ الجديد "اقتدار الوطن"، فضلاً عن حركة "حقوقيون" برئاسة رئيس هيئة الحشد الشعبيّ، فالح الفياض، وتيار "منقذون" للسياسي محمد توفيق علاوي، المكلّف السابق بتشكيل الحكومة. 

الناشط البارز في ساحة التحرير البغدادية سلام الحسيني لــ "حفريات": المشاركة التشرينية في الانتخابات التشريعية ستصيب مفهوم الاحتجاج بمقتل
 

 وفي مقابل ذلك؛ تشهد محافظات جنوب ووسط العراق، تشكّل حركات شبابية ممثلة عن ساحات الاحتجاج، وتدّعي أنّها "تحمل روح ثورة تشرين"، ولغاية الآن تمّ الإعلان عن "امتداد"، وهي حركة بقيادة علاء الركابي، أبرز ناشطي الحراك الاحتجاجي في محافظة ذي قار، في حين ما تزال الأخريات طور التأسيس. 

 مؤشرات على استغلال تشرين
مضاعفة المفوضية العليا المستقلة للانتخابات لرسوم التسجيل، من خمسة ملايين دينار عراقي (2000 دولار أمريكي) إلى 25 مليون دينار (20.000 دولار أمريكي)، يعدّ من أبرز المؤشرات على طرح الأحزاب التقليدية الكبيرة لنفسها، بقالب حزبي جديد، وبعناوين ثورة تشرين الداعية إلى الإصلاح. 

 النائب المدني باسم خشان، يقول: "رسوم الترشيح العالية التي فرضتها مفوضية الانتخابات ستسمح لسارقي أموال الدولة، الذين لم يحاسبوا، والأحزاب الكبيرة بدخول الانتخابات".

طبول التنافس السياسي على الانتخابات تقرع مبكراً في العراق وسط غموض حول تكهنات الخارطة الجديدة
 ويفرض على الحزب المرشَّح أن يدفع مبلغ 25 مليون دينار، غير قابل للاسترداد، في حين كانت رسوم التسجيل 5 مليون دينار.
وأضاف، في تصريح له: "نحو نصف العراقيين تحت خطّ الفقر، ويبدو أنّ المفوضية قرّرت عدم دخول الأحزاب الفقيرة والأفراد الفقراء".

ويقترب الناشط، ليث البهادلي، من طرح النائب الخشان، في مسألة رفع رسوم التسجيل العالية، التي تتيح مشاركة الأحزاب الكبيرة على حساب نظيرتها الصغيرة، غير المالكة للتمويل الكافي.

اقرأ أيضاً: تجار عراقيون لـ"حفريات" بعد انخفاض الدينار أمام الدولار: خسائرنا بالملايين 

ويؤكد لـ "حفريات"؛ أنّ "قوى السلطة وحدها من تمتلك المال، وآلية المفوضية هذه تسمح لهم بالمشاركة الواسعة، أو على الأقل، تضييق مشاركة خصومهم من قوى الاحتجاج التي تمثّل تشرين، كونها قوى فقيرة مالياً"، لافتاً إلى أنّ "ذلك أبرز مؤشّر على استغلال اسم تشرين من قبل القوى المتهمة بالفساد".

ناشطون بين أرجحية المشاركة والمقاطعة 
من جانبٍ آخر، تصاعدت الدعوات الشعبية المتباينة حول المشاركة الانتخابية من عدمها، ووصل ذلك التباين بين ناشطي ثورة "تشرين" نفسها، فيما رأى البعض أنّ المقاطعين سوف يقدمون خدمة مجانية للأحزاب التقليدية في الفوز الكاسح بالانتخابات. 

اقرأ أيضاً: هل يتحول العراق إلى ولاية فقيه صدرية

 الناشط البارز في ساحة التحرير البغدادية سلام الحسيني، يرفض تحويل "تشرين" إلى حركة سياسيّة، في ظلّ النظام الذي تتحكم به القوى الدينية، ويؤكّد لـ "حفريات" أنّ "المشاركة التشرينية في الانتخابات ستصيب مفهوم الاحتجاج بمقتل، بالنسبة إلينا، ولن يثق الشارع مستقبلاً في أية دعوة منا للتظاهر، وستبقى ورقةً ذهبيةً بيد التيارات (الدينية العقائدية) فقط، للتحكم بالشارع احتجاجياً بعد توظيف هذه الورقة لصالحها".

اقرأ أيضاً: هل بات الزعيم الكردي مسعود بارزاني في الخندق التركي؟ 

أما أحمد قاسم، من ناشطي محافظة كربلاء، فيرى أنّ "دعوات المقاطعة غالباً ما تكون أصواتاً مراهقة سياسية، ليست لها أيّة تجربة أو بعد نظر"، في إشارة إلى رفاقه داخل الحراك. وأبلغ "حفريات" بأنّ "بعض الدعوات للمقاطعة المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي تقودها جيوش إلكترونية وأصوات تقف وراءها قوى سياسية متنفذة، ساعية بكلّ قواها إلى إبقاء الوضع على ما هو عليه، والمحافظة على نفوذها السياسيّ وامتيازاتها الاقتصادية والمالية".

المرجعية ودعوات تنظيم الصفوف 

وسبق للمرجعية الدينية الشيعية في العراق أن دعت المتظاهرين إلى تنظيم الصفوف، وخلق كيانات سياسية جديدة، والدخول في الانتخابات، وتغيير معادلة السلطة بشكلٍ سلمي عبر صناديق الاقتراع. وقد يتقاطع رأي المرجعية الدينية مع جدية مشاركة أنصارها ذات الأغلبية الصامتة داخل الساحة الاجتماعية الشيعية. 

وعن ذلك، يقول  الأكاديمي في جامعة كربلاء، حسين الموسوي لـ "حفريات": "المرجعية خاطبت، أكثر من مرة، شباب تشرين، بخطاب واقعي مفاده ضرورة تنظيم أنفسهم من أجل التغيير والحدّ من الفساد والمحاصصة"، وتابع بأنّ "هناك عدداً كبيراً من الشباب نظموا أنفسهم من خلال تشكيل أحزاب وحركات سياسية من أجل إيجاد بديل موضوعي عن الأحزاب المتهمة بالفساد والفشل". 

لكنّ الموسوي يبدي استغرابه من "هجوم عدد واسع من أنصار المرجعية على الحركات الشبابية الساعية إلى التغيير، متهمين تلك الحركات باتهامات باطلة وغير مؤكدة"، ويتساءل: "لماذا يهاجم هؤلاء دعاة التغيير والطليعة الشبابية؟ ألا يتناقض ما يفعلونه مع دعوات مرجعيتهم التي هي مقدّسة لديهم؟". 

ويحاول الموسوي الإجابة عن تساؤلاته بأنّ "كثيراً من المقلدين لمرجعية النجف يخضعون لطروحات الإعلام السياسي للأحزاب الشيعية الطائفية، فضلاً عن مناصرة بعضهم لتلك الأحزاب باعتبارهم جمهور الدولة العميقة". 

الصفحة الرئيسية