عبد الله العروي صاحب مقولة: "من لم يحيِه القرآن، فهو إلى الأبد ميت"

عبد الله العروي صاحب مقولة: "من لم يحيِه القرآن، فهو إلى الأبد ميت"

عبد الله العروي صاحب مقولة: "من لم يحيِه القرآن، فهو إلى الأبد ميت"


24/08/2026

من باب التجربة الواقعية، عندما تذكر لمثقف من المثقفين الكبار القولةَ التي مفادها "من لم يحيِه القرآن فهو إلى الأبد ميت"، وتسأله عن قائلها، فإنّه يجيبك مباشرةً بأسماء تنتمي إلى التيار المحافظ، أو إلى ذوي النزعة الأصولية. وعندما تقول له: "لم يقلها أحدٌ من هؤلاء، بل هي للمفكر المغربي عبد الله العروي"، يرتبك ويظن أنك تمزح معه. حينها تدرك أنّ الرجل لم يقرأ كتاب "السنّة والإصلاح"، كما تدرك يقيناً أنّ كثيراً من المثقفين يحملون صوراً ذهنية مسبقة عن بعضهم البعض، ناهيك عن تلك الصور النموذجية التي التصقت بهذا المفكر أو ذاك طوال حياته.

مع الأسف، تُفسد الإيديولوجيا حقيقةَ الكثير من الطروحات والأفكار المعرفية؛ فكثيراً ما نُعِتَ عبد الله العروي من لدن الإسلاميين وغيرهم بأنّه لا يعنيه القرآن ولا الإسلام في شيء، وأنّه مفكر يدعو إلى قطيعة منهجية كاملة مع الماضي والتراث، حتى بدا في نظر المبتسرين مجرد رجل ماركسي قُحّ يختزل التاريخ في صراع المادة والطبقات. إنّ الإسقاط الإيديولوجي الجاهز يحرم الثقافة العربية من الاستفادة من أعمق عقولها؛ فالعروي لم يبتعد عن القرآن، بل أراد تحريره من سطوة الشروح الموروثة، متجاوزاً الماركسية الكلاسيكية نحو "تاريخانية نقدية" تبحث عن أصل الإيمان وتستجلي روح التنوير في أنصع صورها.

يندرج كتاب "السنّة والإصلاح" للمؤرخ والمفكر المغربي "عبد الله العروي" ضمن أعمق المحاولات النقدية المعاصرة لتفكيك إشكاليات الفكر الإسلامي ومراجعة شروط التجديد والتحديث في المجتمعات العربية. يتناول العروي العقل الديني بأسلوب فريد يمزج بين التجريد الفلسفي والتأمل الروحي، محاولاً الاستجابة لأسئلة الحداثة والاصطدام المباشر مع أسئلة التراث والمقدّس.

ينطلق الكتاب من إطار حواري يبدو للوهلة الأولى بسيطاً ولكنّه مُحمّل بدلالات فكرية عميقة؛ حيث يضع العروي إجاباته في صيغة رسائل موجهة لسائلة مُفترضة تشكك وتستفسر عن جوهر الإسلام وعلاقته بالأديان والعلوم الحديثة في عالم متداخل. ومن خلال هذا الحوار ينفذ المؤلف إلى جوهر الإشكالية: كيف تحول النص التأسيسي للأمّة (القرآن الكريـم الذي يصفه بالكتاب العزيز) من كتاب فتح آفاق النظر والكون، إلى نص محاط بالعديد من الشروح والأحاديث والمقولات التاريخية التي شكّلت مع الوقت ما يُعرف بـ "السنّة" أو "التقليد"؟

يرى العروي أنّ ثمة تمييزاً جوهرياً يجب إقامته بين القرآن بوصفه القول الإلهي الأول والحدث الكوني الفارق، وبين السنّة كما تشكلت تاريخياً عبر جهود الفقهاء والمحدثين لمأسسة المجتمع وتنظيمه. فالقرآن بالنسبة إلى العروي هو تجربة إيمانية كبرى تضع الإنسان في مواجهة مباشرة مع علة الوجود، بينما جاءت السنّة لاحقاً لتستجيب لمتطلبات اجتماعية وسياسية فرضتها الظروف التاريخية للاتساع الجغرافي واستقرار الدولة.

يتتبع العروي في أجزاء واسعة من الكتاب كيفية تشكّل ما يسمّيه بـ "العقل السنّي" أو النزعة الاتباعية. يوضح الكاتب كيف تضخمت المرويات الشفهية مع مرور العقود لحاجة القضاة والحكام والمجتمع إلى تشريعات تفصيلية تضبط كل جزيئات الحياة. ونتيجة لهذا التضخم، صَعد نجم المحدث على حساب المتكلم والفيلسوف، وتم تهميش الرأي والنظر العقلي لصالح الاتباع والنقل.

أدى هذا التحول التراكمي إلى جعل التراث الديني يحل تدريجياً محل القراءة المباشرة والحرّة للنص الأصلي. وصار التقليد يمتلك سلطة متعالية تفرض نفسها على العقول، وتمنع المسلم المعاصر من قراءة القرآن بروح العصر ولغته، ممّا أورث الفكر الإسلامي حالة من الفصام بين واقع متغير ومتحرك، وبين منظومة أصولية مغلقة تعيد إنتاج إجابات الماضي عن أسئلة الحاضر.

يرى المؤلف أنّ الإصلاح الحقيقي يمرّ عبر مدخلين متكاملين؛ الأوّل هو تفكيك التقليد السنّي والتمييز بين ما هو ديني مطلق وثابت، وبين ما هو بشري وتاريخي ومتغير ارتبط بظروف المجتمع العربي في القرون الأولى. أمّا المدخل الثاني، فهو الاستعادة المباشرة للنص القرآني، وتدبر القرآن بوصفه نداءً للإنسان وتفعيلاً لملكات السمع والبصر والفؤاد، وقراءته بوعي حداثي يستوعب المنجزات العلمية والفلسفية للإنسانية. فالإصلاح الذي ينشده الكتاب ليس مجرد ترقيع للمنظومة القديمة، بل هو تحديث نُظم التفكير نفسها، والانتقال من مرحلة التسليم بالتأويلات الموروثة إلى مرحلة القراءة التفكيرية المستقلة.

يخلص كتاب "السنّة والإصلاح" إلى أنّ النهضة العربية لن تتم بالاستمرار في اجترار الخلافات الكلامية القديمة، ولا عبر الاستسلام الأعمى للتقليد الحنبلي والظاهري الذي يلاحق العقل المعاصر في كل مجالات الحياة. وبالمقابل، لا تكون الحداثة بالقطع الجاف مع التراث، بل بالتعامل معه بمنهج نقدي يستعيد للقرآن مركزيته الروحية والكونية، ويحرر العقل العربي من سلطة التاريخ. إنّ أطروحة العروي تنبهنا إلى أنّ بوابة المستقبل لا تفتح إلا بقراءة التاريخ بقوة العقل، لا بالخضوع لسطوة الماضي.

ويخلص عبد الله العروي إلى خلاصة معرفية ومنهجية مفادها أنّ "وضع كلّ من الكتاب المقدّس والقرآن الكريم لم يخرج عمّا انتبه إليه المتكلمون قبل سبينوزا والوضع التاريخي الحديث [...] قالوا ليهود ونصارى زمانهم: ما يأتيكم ليس كلام الله الواحد الأحد، فهو في أحسن الأحوال مجرد صدى، النسخة التي عندكم مهذارة مكرارة متناقضة وأحياناً سخيفة خرقاء، حالها حال مؤلف جماعي يلخص الأعمال والعادات، والقواعد والأعراف، والأمثال والأشعار، والقصص والمواعظ، أو بكلمة واحدة هي موسوعة محمولة، مكتبة في كتاب، تلبّي حاجات مجموعة من قبائل الرحل. تتكلم عن ربّ خاص بها، ملك مملوك لها تصوره، وهو يخاطب شعبه الذي تعاقد معه بعهد لا يفتأ يذكّر به ويحذّر من مغبة تجاهله أو نقضه. فلا يزيد التذكير أتباعه ومواليه إلا تنطّعاً وعقوقاً".

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية