
في أيلول (سبتمبر) عام 1923 كانت القاهرة على موعد مع خبرين عظيمين: الأول هو عودة سعد زغلول من منفاه، والثاني هو وفاة سيد درويش قبيل يومين من عودة سعد، بعد أن أتم تدريب طلاب المدارس على أغنية استقبال زعيم الأمة.
يقول مؤرخو ثورة 1919: إنّ لهذه الثورة زعيمين: الأول سعد زغلول القائد السياسي، والثاني سيد درويش الذي كان يقود القلوب دون أن يعتلي منبرًا، فقد استطاع تجييش قلوب المصريين وتوحيد صفوفهم حول سعد. ويقول د. ثروت عكاشة: "كان سيد درويش نتاجًا عبقريًا ليقظة الشعب العربي في مصر عام 1919، وقد فتحت العبقرية على نبض الكفاح الوطني، فعاش درويش هذه الأزمة وانفعل بها، فإذا الألحان المبدعة تحتضن بذراعيها شعبًا بأسره."
ومن طرائف إيمانه بثورة 1919 أنّه، بعد أن مُنع من أداء أيّ أغنيات تشير كلماتها إلى سعد أو إلى حراك الشارع، تحايل على ذلك في أغنيته الشهيرة "يا بلح زغلول"، التي تشير كلماتها إلى الزعيم الوطني سعد بخفة وذكاء الروح المصرية: "يا بلح زغلول... يا حلاوتك يا بلح... يا زرع بلدي... عليك يا وعدي".
الفن في خدمة قضايا الوطن
استطاع درويش أن يصل بفنه إلى قلوب الجماهير، وأن يسخره كأداة فاعلة لحمل قضايا كبيرة، فقد تفتح وعيه السياسي حين كان طفلًا في مقاهي كوم الدكة بالإسكندرية، حيث رأى والده ورفاقه يجتمعون ويتسامرون حول تحركات مصطفى كامل، فنما وعي الصبي على قضية الوطن وأزمته مع الاستعمار البريطاني منذ نعومة أظفاره.
لم يكن فن درويش لأبناء البشوات والأغوات، بل أنزل السلطنة الطربية إلى الشارع، ونقلها من كونها ممارسة خاصة بأبناء القصور والطبقة المرفهة إلى عوام المصريين، حتى إنّه لم يتوقف عند الطبقة المتوسطة وما بعدها، بل امتد تأثير لحنه ليشمل الصنايعية والعربجية والحمالين والشيالين والسقايين، وكل من على باب الله، حتى إنّ العقاد قال عنه: إنّ ألحان سيد درويش هي من أسست لفكرة النقابات العمالية.
بهذه القوة النادرة على النفاذ، واللحن الذي يمس القلوب مباشرة بعيدًا عن الزخارف والبطء الذي ميز الأغنية العربية آنذاك، استطاع سيد درويش أن يسرع من رتم ألحانه لينقل عن نبض الشعب الثائر أحلامه وغضبه وحزنه وطموحاته.
قال يوسف حلمي، الرئيس السابق لجماعة أصدقاء موسيقى سيد درويش: "الثورة الموسيقية التي أحدثها سيد درويش تبدأ من هنا: قبل سيد درويش كانت موسيقاها تتسلطن على التخت، ولم يكن يجرؤ على الغناء إلا جبابرة الصوت الرخيم وأصحاب الحنجرة الذهبية مثل عبده الحامولي، وألمظ، وعبد الحي حلمي، ومحمد عثمان، وسلامة حجازي، أمّا بعد سيد درويش، فقد أصبح كل الشعب يغني."
لقد استطاع لحن سيد درويش أن يلغي المسافة بين الفن والناس، وذهبت ألحانه بعيدًا في قلوب عوام الشعب، وابتعدت أغنياته عن التكلف والطبقية التي ميزت تلك الفترة، واتسمت بروح شعبية ذكية وحساسة ومباشرة، وهذا ما جعل فنه خالدًا، حيث قُدّر في الأجيال اللاحقة بشكل عظيم.
العجيب أنّ هذه العبقرية لم تعش على الأرض سوى واحد وثلاثين عامًا، غيرت خلالها، في أحد عشر عامًا فقط، روح الغناء العربي، وهي المدة التي أبدع فيها درويش أعظم ألحانه.
سيرة ومسيرة فنية خالدة
ولد سيد درويش في حي كوم الدكة بمحافظة الإسكندرية عام 1892، وكان الابن الرابع لثلاث شقيقات، فأصبح الابن المدلل لتلك الأسرة، تدليلًا لم يطل. اهتمت أسرته بتعليمه، حيث ألحقه والده، المعلم درويش البحر، بكتاب سيدي أحمد الخياش، غير أنّ الأب توفي قبل أن يتم درويش عامه السابع، فنقلته والدته إلى إحدى المدارس الأهلية، ومن هنا كانت بدايته مع الموسيقى، حيث كان أحد معلمي المدرسة (سامي أفندي) يُلقن التلاميذ أناشيد خاصة عُرفت بالسلامات.
بعد أن أغلقت تلك المدرسة التحق بأخرى، وتلقفه مدرس آخر اسمه (نجيب أفندي فهمي) الذي أخذ يحفظه ألحان الشيخ سلامة حجازي، فأظهر، على صغر سنه، تفوقًا واضحًا على أقرانه.
كان سيد درويش يطمح لأن يصبح واحدًا من كبار القراء والمنشدين، فالتحق بالمعهد الديني العلمي عام 1905، لكنّه غادره في السنة الثانية لشغفه بالغناء.
أصبح سيد درويش مطالبًا بإعالة أسرته وشقيقاته، إضافة إلى زوجته، فقد تزوج صغيرًا قبل أن يتم عامه السادس عشر، واندفع للغناء في المقاهي وسط المستهترين والهازئين والسميعة، الراغبين في أغانٍ لا تناسب روح ذلك الفنان.
كاد الفقر أن يخنق تلك العبقرية الناشئة، لولا مثابرة سيد درويش، الذي خلع عنه الجبة والقفطان وعمل في مهنة المعمار، يطلي جدران المنازل، ولما كان الغناء في دمه، فقد كان يعمل وهو يغني، فلاحظ صاحب العمل أنّ عماله يقبلون على العمل أكثر عندما يستمعون لأهازيج وأناشيد درويش، فعرض عليه أن يصاحب العمال كمغنٍ لا كعامل.
وخدمته الأقدار، فقد سمعه مصادفة السيد أمين عطا، وهو صاحب فرقة، وهو يجلس على المقهى، فأعجبه غناؤه وأسلوبه، ودعاه لأن يصحبه وفرقته إلى بلاد الشام. ومع أنّ رحلته إلى الشام لم يكتب لها النجاح ماديًا، لكنّها أفادته وأطلعته على الفن هناك، وتعرّف على الأستاذ عثمان الموصلي الذي أخذ عنه الكثير من الموشحات.
وبعد عودته، جاهد درويش ليوفر سبل الحياة لأسرته وصغيره الرضيع، فعمل كاتبًا بمحل أثاث، غير أنّ شغفه بالغناء جعله يتركه ويغني في البارات، ممّا أثار غضب عائلته عليه.
وفي عام 1912 سافر درويش ثانية إلى بلاد الشام، ورغم أنّ الرحلة لم يكتب لها النجاح كسابقتها، فإنّها أطلعته على فن تلك البلاد، وربطته بعلماء الموسيقى هناك. وبعد عودته تعرف على السيدة جليلة، المرأة التي كانت حبه الكبير ومهوى فؤاده، وقال عنها إنّها كانت مصدر إلهامه وفنه، وهي غير زوجته الثانية جليلة.
كانت معرفة درويش بسلامة حجازي، ومن بعده جورج أبيض، أول طريق صعوده ونهضة المسرح الغنائي المصري. فبعد عودة جورج أبيض من فرنسا وتأثره بفن الأوبريت، صمم على تمصير هذا الفن، وبالفعل لحن سيد درويش، بالتعاون معه، أول أوبريت مصري "فيروز شاه". ومع نجيب الريحاني وبديع خيري استطاع درويش أن يقدّم العديد من المسرحيات الغنائية، وكان لألحانه دور كبير في مسرح الريحاني، فقدّما معًا "ولو"، و"إش"، و"قولوله"، و"كله من دا"، ورائعة "العشرة الطيبة"، ولحن لفرقة علي الكسار والعكاكشة.
وفي أواخر أيامه أنشأ فرقته الخاصة ليتحرر من تحكمات أصحاب الفرق، ويعبّر عن فنه بحرية، وقدّم من خلالها مسرحيات غنائية مثل "الباروكة" و"شهرزاد"، وقدّم في الأخيرة نوعًا جديدًا من التلحين، حيث جعل ثلاث مجموعات تغني ثلاثة ألحان مختلفة، رغم أنّه لم يدرس علوم الموسيقى التوافقية أو التوزيع الآلي والغنائي. ورغم أنّ هذه المسرحيات فشلت ماديًا لأسباب إدارية، فإنها بقيت من أعظم ما أنتجته القريحة المصرية.
لم يكن سيد درويش مجرد ملحن مبدع أو مغنٍ بصوت مختلف، بل كان فنانًا يحمل إحساسًا شفافًا عكس من خلاله مشاعر أمة كاملة. وهذا يدفعنا للتساؤل: هل الفنان يصنع الثورة أم يعكسها؟ فعندما عاد سعد زغلول من منفاه، لم يجد شعبًا خامدًا، فقد حافظت ألحان درويش على دفء القلوب بمعنى الوطن، فبينما عاد سعد ليقود أمة، كان درويش قد سبقه لقيادة وجدانها.
تعددت الروايات حول وفاة سيد درويش؛ فبينما يرى فريق أنّه توفي نتيجة جرعة زائدة من الكوكايين، يرى آخرون أنّه تعرّض للتسميم بسبب نشاطه الوطني، خصوصًا بعد أن أصبح الشعب يتغنى بألحانه. وقد طلبت أسرته تشريح جثته، لكنّ السلطات رفضت.
لا يمكن أن يكون موت الفنانين حقيقيًا تمامًا، ومن المستحيل أن يكون درويش غائبًا كليًا، فهو الذي تتردد ألحانه يوميًا على شفاه أطفال لم يعاصروه، وفي وجدان وطن يعرف أبناءه النابغين. إنّ الفن الصادق لا يُدفن، بل يتحول إلى ذاكرة جماعية لوطن كامل.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/mnyr_0_6.jpg.webp?itok=rQl6wEvW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A%20%D8%A7%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D9%86%D8%A7%D9%86%D9%8A_0_3.jpg.webp?itok=8LH0Zveq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%86%D8%AF%D8%A7_11_1_0_0.jpg.webp?itok=BexPd0sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/LUmDCU9nEJkRIOikaC46rPDoYCHEymI_1NimLwC6x_7cjSYjJjtwGxvGag56bJXpJ9kdGNCtN4tMd7CPctfdotIfIFAJ5UDEhuMa0JPvIfWDi7CvCLe6j_5-TrU5jPCY3jBrXYHOfkj2SN0Ox1O0a2p0T_ddIBcNn39biHGmDj93eX1w6qvhHDrI6MQ3q-6b.jpg.webp?itok=3IHuCMIN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_11_1_1_0_0_3_0.jpg.webp?itok=3Zhw-Qwm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%84%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85%D9%8A%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D8%AA%D8%AD%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA..%20%D9%85%D9%86%20%D9%87%D9%88%20%D9%85%D8%AD%D9%85%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%A8%D9%8A%D8%A7%D8%B1%D9%8A_0.jpg.webp?itok=vAy5hbNG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86_38_0_1.jpg.webp?itok=Ss7Oynoz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8_77_0_0_5_0.jpg.webp?itok=ngaaISlJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=zr1QPmTn)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zyf_0.jpg.webp?itok=2Z-1BtDg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%A7%D8%AE%D9%84%D9%8A_1_3_1.jpg.webp?itok=ZGddJ_6t)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%B2%D8%A7%D8%A6%D8%B1_10_0_2.jpg.webp?itok=MhlpWJ59)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/yF9sd5NmgG5_04-f-l3lKMJ8UPb56ttim4N7IhmZDdiumCSO6xd9vXthAJSP6sCMJBLL4XD0nJt72TS4WERcexiX5xgpJmvGiSPzb40nzjPImAXaEf1yIe9-2cRTEWQOqO7nEw3jHEhPMe6vv3T4zoe5cxO4zvBrv4ow5EEkNhmmWjsq8Xx85hiK54xtb6yb%20%281%29.jpg.webp?itok=K-qgx0N9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7_2_1_0_2_0.jpg.webp?itok=1Uf-Afs4)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0_dHBLQdmDsIkmNca_ufoHyKZdo8bs-rmxYa22oJTOPJIHeJrSOfGncvNUC73K-Ad0dNdEX9B8g7y4pu1J74F-b1QYvmDseESiSrdiOBezhWcanKckMhZ0MyxNMvfnQvPBEnPM2G7Pcn696o8pCF8TqtSNA7ZmzaIx5MBN7Pnb4HOqaUNzK_wn0A3zljqqsG%20%281%29.jpg.webp?itok=jsPeKV4R)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-07-22%20121756.png.webp?itok=Tg08poTc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_3.png.webp?itok=chiZHZkT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20%D8%BA%D8%B2%D8%A9_4.jpg.webp?itok=X4qFXLLm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D9%86_2_0_0_3_1.jpg.webp?itok=yiXxPc9y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_5_1_0_3_0.jpg.webp?itok=4fNjnbd7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1f8uwsTypbzMeQNBi2n-vOA3OTw39EVfVcNVUDKaAUHabIuSwqqfy_IWeirMIsv7daJDRfmvIv-CD0kHQswD39Pv1Pvdd0ag2QcCAPdyWhlSa-DyNYNeZSSnqkZwItO3eAKBXda5i91yep2wPcLVBbl6PkeK1bjsXp2CqcZEcXj1sIiWENUN4dNjwhiQBvuy%20%281%29.jpg.webp?itok=Kycr1GIj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B3%D9%8A%D9%84_0_1.jpg.webp?itok=Avz3S74g)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

