بروس لي: فلسفة أسطورة مقاتل

بروس لي: فلسفة أسطورة مقاتل

مشاهدة

05/04/2018

"أستخدم يدي في هذا العالم، لأحتضن أخي الإنسان، لكن، حين تُصاب بجرحٍ ظالم، سأغير يدي، إلى قبضةٍ من غضب"، تعبر هذه الكلمات للكاتب جيمس وونغ، وظهرت في أغنية فيلم "قبضة من غضب"، بوضوح؛ عن فلسفة بروس لي حول الحياة، ودور الفنون القتالية فيها.

لكن الفنون القتالية، ليست وحدها من تعبر عن بروس لي، المولود في سان فرانسيسكو في 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 1940 خلال جولةٍ لوالديه في أمريكا؛ فهو يقول أيضاً: "الفلسفة هي من تخبر الرجل بما يجب أن يكونه" و"لا يمكن لمن يفكر وفق شروط مسبقة، أن يعرف"، وفقاً لملاحظاته ويومياته، التي نشرت عقب وفاته بزمنٍ تحت عنوان "فن الحياة".

ركز بروس لي على فنون القتال الشرقية وروح الفلسفة الكامنة في طياتها

الرجل الأقوى

قدر الرجل أن يكون قوياً، أو أن يموت، ربما هذا ما كانت عليه حال الرجال في الصين خلال الحرب الأهلية (1945-1949) التي تأججت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وسقوط الاحتلال الياباني، وهو ما انعكس على الفتى الصيني الذي أرسله والداه من هونغ كونغ إلى أمريكا بمجرد بلوغه سن الثامنة عشرة، خوفاً عليه من الخطر في شوارع هونغ كونغ؛ حيث كان "لي" يقاتل بعض أبناء العصابات الإجرامية هناك، من أجل تطوير مهاراته القتالية.

في أمريكا، وولاية سياتل تحديداً، بدأت هوية المراهق المفتون بفنون القتال تتشكل؛ حيث أكمل هناك الدراسة الثانوية، ثم انتقل إلى جامعة واشنطن ليدرس الفلسفة وعلم النفس، ويقول في يومياته إنّه قرأ كل ما أمكنه "من أفلاطون وحتى هيدغر".

بعد زواجه العام 1964 من ليندا كادويل، وكانت ثمرته ابناً وابنة؛ براندون لي، وشانون لي، بدأ يركز على فنون القتال الشرقية، وروح الفلسفة الكامنة في طياتها، محاولاً تغيير النظرة الأمريكية والغربية حول الرجل الشرقي الذي يقول "لي" إنه بنظر الأمريكيين "مجرد صاحب شعرٍ غريب وعيونٍ صغيرةٍ لامعة، يقفز بسرعةٍ من مكانٍ إلى آخر". هذا ما رآه "لي" في السينما الأمريكية وما تصوره عن الشرقيين والآسيويين، كما أنّه شعر بضرورةِ أن يعبر الصينيون والشرقيون في أمريكا عن أنفسهم وهوياتهم بصورة أعمق.

لي: الفلسفة تخبرنا بما يجب أن نكونه، والحياة ممارسة طويلة للمعاناة يجب إيجاد طريقة للتكيف معها

وكان أول ما فعله تجاه هذه النظرة الدونية للصينيين، افتتاحه مدرسةً للقتال، ومن خلالها، بدأ يطور أسلوبه الخاص في التدريب، ويدعى "JeetKune Do"، الذي سيتوضح بعد العام 1967، حين يبدأ "لي" بإنتاج أفلامه.

في يومياته، يتحدث "لي" عن الحياة، قائلاً إنّها "محاولة دائمة من أجل حل المشاكل"، ويقول أيضاً عبر تصوراته الفلسفية، إنّ "الحياة تقوم على التكيف مع ما هو ثابت، والثابت، أنّ الحياة عبارة عن ممارسةٍ طويلة للمعاناة، يجب إيجاد طريقةٍ للتكيف معها، والبقاء في حالةٍ من المرونة".

وبطريقةٍ أو بأخرى، كانت حياته سلسلةً من المشاكل الدائمة ولكنها ليست من ذلك النوع الذي يستوجب القتال، فرغم أنّ أفكار أفلامه قامت على الدفاع عن الحق باستخدام القتال، إلا أنّ حياته القصيرة، راوحت بين تعرضه لإصابة خطيرة، وبين سخرية بعض منتجي الأفلام الأمريكيين منه في هوليوود كونه مجرد صيني قصير، وغضب الصينيون عليه؛ لأنّه نقل الكونغ فو إلى الشاشة، بينما كانت في ذلك الحين، تقليداً صينياً، يمنع تعليمه لغير الصينيين.

غير أنّ "لي"، حاول خلق نظامٍ قتالي متكامل للدفاع عن النفس من خلال الـ "JeetKune Do"، التي بناها على فلسفةٍ بسيطةٍ أخرى، يقول بشأنها "يظن الناس إنّ الماء رمزٌ للضعف، لكن، إن وضعت الماء في إناء، فإنّه سوف يأخذ شكل الإناء، ولو وضعته في زجاجة، فسيتخذ شكلها، إنّه بلا شكل، ولا يمكن تحطيمه، لذلك، عليك أن تتكيف، أن تكون منساباً كما الماء". وهو ما يعني، برأي بروس لي، أنّ القوة، هي مجرد استعداد وتمرين، مرونة وتكيف. وهو ما طبقه بنفسه بعد إصابته التي قال الأطباء إنّه لن يقاتل بعدها، فعاد بعد أشهر، أقوى، وقد ألّف كتاباً أيضاً، عن أسلوبه القتالي وفلسفة القتال.

فلسفة بروس لي (فيديو):

 

 

ضربة قاضية وموت سريع

مكتبة "لي" الخاصة، تضم حوالي 2500 كتاب، عن الفلسفة والفنون القتالية وصناعة السينما، وتاريخ الصين، وله كتابان عن القتال وفلسفته، إضافة إلى كتاب يومياته.

حتى العام 1970، بقي حلم صاحب القبضة الفائقة السرعة والقوة في النجومية قائماً، رغم ما واجهه من إهمال في الولايات المتحدة، لذلك، نجح اسمه الأصلي في جلب الحظ إليه، فبروس لي اسم الشهرة، غطى لأعوام على اسمه الحقيقي "لي جو فان"، ويعني "عُد ثانيةً"، وهو ما فعله، من أجل الإشراف على فيلمه الفعلي الأول "The Big Boss"، وعرض العام 1971.

وخلال العام 1972، بينما كان يصور فيلمه "game of death"، تمكن أول ممثل صيني يأخذ دور البطولة في فلم أمريكي أخيراً من دخول هوليوود جزئياً، بعد إنتاج مشتركٍ بين الصين وأمريكا لفيلمه الثالث دخول التنين enter the" dragon"، الذي واجه مشاكل تقنية في رؤية الإنتاج بين طاقم "لي"، وطواقم المنتجين الأمريكيين.

أغنية فيلم قبضة من غضب (فيديو):

 

 

بروس لي، أو لي جو فان، أثبت وجهة نظره بطريقةٍ أو بأخرى؛ فأسلوبه وفلسفته، هما ما أثرا في أمريكا، من خلال الرياضة، التي أصبحت كل مدينةٍ فيها تضم مدرسة للفنون القتالية؛ حيث حاول أن يتجاوز مشاكل التمييز العنصري ضد الصينيين في أمريكا بوضع فنونٍ وأفكارٍ تمثل الروح الشرقية، وواجه بحسب الكتب والوثائقيات العديدة التي تم صنعها عن حياته، معضلاتٍ عديدة، منها العداء الذي تعرض له، بسبب اجتراحه بدايةً لنمطٍ جديد من الأفلام في السينما، واختلاف الهوليوديين والصينيين على احتكار هذا الفن. إذ مثّل الصراع على هذا الاحتكار في فترة ما بعد الكولونيالية، نوعاً من الكوميديا السوداء التي تعد ربما، واحدةً من سخرياتِ الحرب الباردة.

يرى بروس لي أنّ القوة هي مجرد استعداد وتمرين مرونة وتكيف

بروس لي، مات في الثانية والثلاثين من عمره، بسبب جلطةٍ دماغية سببها تناوله مسكناً للألم، بحسب التحقيقات، ومثل أي أسطورة، لم يتفق أحد على سبب وفاته المفاجئة في هونغ كونغ، طبيعيةً كانت أم جنائية لأسباب سياسية، هذا اللغط حول وفاته ربما يبدو مبالغاً فيه، مقابل البساطة والمرونة التي اتخذها "لي" أسلوباً، وألهمت الكثير من الرياضيين بعده، وفي كتاب يومياته مرةً أخرى، يقول في شذرة شعريةٍ صغيرة "حين تلتقط ورقةً صغيرةً سقطت عن شجرتها الأم، ثم تضعها في كتاب، فإنك تكون منحتها بيتاً".

الصفحة الرئيسية