الصراع على جسد الجماعة المريض.. من ينتصر؟

الصراع على جسد الجماعة المريض.. من ينتصر؟

مشاهدة

20/10/2021

منذ العام 2013 تشهد جماعة الإخوان انقسامات حادة لم تكن تظهر من قبل إعلامياً، أثّرت بكل تأكيد على التماسك الداخلي لها، فوفقاً للصيرورة التاريخية فإنّ أي تنظيم يمر بمرحلة النشأة ثم الاستدامة وبعدها يبدأ التراجع، وهذا ما جرى مؤخراً مع الجماعة، التي انتقلت من الصراع الحاد إلى الانقسام الكامل، لكن إلى أي مدى يمكن أن ينهي ذلك مسيرتها بشكل نهائي؟

التنظيم المقدّس

لم يكن بمقدور مؤسس الجماعة حسن البنا صياغة نظرية محددة تعفي الجماعة من الانقسام والتشظي، لذا سنرى أنّ تاريخها منذ النشأة وحتى الآن عبارة عن حلقات متسلسلة لتنظيم "مقدّس"، وقيادات يتمحور حولهم الأفراد، حتى إذا بدا في الأفق طاقة نور أو منطلقات جديدة وظروف محيطة أكثر تحولاً، ينقسم الجميع إلى فرق متناحرة.

كان البنّا حجر الزاوية ومركز الدائرة الإخوانيّة؛ أي إنّ مركزية الجماعة كانت حول شخصه، وكان التنظيم في هذا الوقت مليئاً بالتناقضات الفكرية والاجتماعية، ومزيجاً غير متجانس بالمرة، وهو ما عبّر عنه البنا نفسه بقوله عن الجماعة "إنّها دعوة سلفية، طريقة سنية، حقيقة صوفية، هيئة سياسية، جماعة رياضية، رابطة علمية ثقافية"، وحرصاً منه على التوحّد قال: "نجتمع فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه".

كان التنظيم في عهد البنا مليئاً بالتناقضات الفكرية والاجتماعية ومزيجاً غير متجانس بالمرة

يرى الكاتب الإخواني عبد الرحمن أبو ذكري، في دراسة له بتاريخ 17/04/2015 أنّ الجماعة لم يكن ينتظمها إطار نظريّ وحركيّ واضح في عصر البنا، وهو ما أدى إلى تفكُكها تماماً بعد اغتيال النقراشي، وهذا ما جعل مهمة الهضيبي في لمّ شعث المتناقضين أمراً في غاية الصعوبة، لذا ولأنّه يفتقد كاريزما البنا وسط أتباعه فقد قرر أن يجعل الدعوة هي المحور، لكن تنظيم المؤسس أقرب للتيارات المفتوحة، من حيث تنوّع التصوّرات؛ التي تفتقد للحد الأدنى من التجانُس (أو الأدلجة!)، وفق قوله، وصعبت مهمته ومن ثم عهد بها لسيد قطب، وظهر ما يُسمّى تاريخيًا بـ"تنظيم 1965"؛ وهي المجموعة التي سعى لجمعها على تصوّرٍ نظري واضح ومسار حركي مُحدد، تصوّر يتم تهميش التنظيم فيه تماماً، إلا أنّه فشل أيضاً وانقسمت الجماعة أكثر من انقسامها الأول.

اقرأ أيضاً: إلى أين تتجه سيناريوهات الصراع بجماعة الإخوان؟

يرى أبو ذكري أنّ الجماعة انقسمت طبقياً في عهد الهضيبي واستمر ذلك في عهد التلمساني، بسبب انتشار أفكار سيد قطب، الذي رفض مجرَّد الحديث عن أية جزئيّات أو تفاصيل (مثل التقنين وطبيعة النظامين السياسي والاقتصادي إلخ)، وصبّ من ثم كل همّه على إعادة صلة الإنسان المسلم الشعوريّة والعمليّة بالوحي، والانفصال عن المجتمع الجاهلي.

وما بين جماعة الإخوان في عهد عمر التلمساني، وبروز الصراع ما بين الدعوي والسياسي داخل الجماعة، تقاطعت الخطابات، وأصبحت هناك صرامة تنظيمية، وحيرة ما بين الصبغة الأصولية والحداثة، وإشكالية في الانفصال أو التعاون مع النظام.

وأما في العهود التالية فقد تحوّل مركز التنظيم من القاهرة إلى أماكن أخرى، وبدأت العناصر في طرح الخطاب السلفي الجهادي، وأصبح التنظيم قبل الدعوة، والقيادات قبل التنظيم.

الجماعة انقسمت طبقياً في عهد الهضيبي واستمر ذلك مع التلمساني بسبب انتشار أفكار سيد قطب

ومع عمليات الهروب إلى خارج البلاد عقب ثورة الشعب المصري على الجماعة في العام 2013، بدأت تخفّ حدة الصرامة الأيديولوجية، وضعف الترابط العقدي، وكان هذا إنذاراً بالتفكك والانقسام، والصراع على جسد الجماعة المريض.

الصراع الحاد والانقسام الكامل

إذن لم تكن أزمة الجماعة وليدة اللحظة، لكنها تعود تاريخياً إلى عصر البنا، إلا أنها تفاعلت بشكل واضح العام 2014 حين قام 8 من أعضاء مكتب الإرشاد بتعيين 6 أفراد من خارج المكتب وتشكيل لجنة للمعاونة ولإدارة الأزمة داخل مصر عقب عزلهم من الحكم، وأول شيء فعلوه هو عزل الأمين العام محمود حسين، وهو ما قابله بالرفض.

قرّر بعدها محمد عبد الرحمن المرسي، مسؤول اللجنة الإدارية لإدارة العمل بالجماعة داخل مصر والموالي لمحمود عزت، بإيقاف اللجنة التي تم تشكيلها بالخارج، وهم الدكتور أحمد عبدالرحمن، وعمرو دراج، ويحيى حامد، وحسين القزاز، وجمال حشمت، وأسامة سليمان، وطاهر عبد المحسن، وأيمن عبد الغني، ومحمد البشلاوي.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون ولعبة الأواني المستطرقة.. كيف يبحث التنظيم عن بعث جديد؟

وقام بعدها محمود حسين في حزيران (يونيو) 2014 بإلغاء بعض التجمعات الإخوانية بتركيا القريبة من المجموعة المفصولة، ومنها (جمعية رابعة).

اشتعلت الخلافات مرة أخرى، بعد أن أدلى محمود حسين بتصريحات للجزيرة في كانون الأول (ديسمبر) 2015، نفى فيها ما صرح به المتحدث الإعلامي لجماعة الإخوان حينها محمد منتصر، حول إقالته من منصبه كأمين عام للجماعة.

مع عمليات الهروب خارج البلاد العام 2013 بدأت تخفّ حدة الصرامة الأيديولوجية وآذن ذلك بالصراع على جسد الجماعة المريض

أصبح في الجماعة فريق آخر تابع لمحمد كمال، وكان هو مسؤول عن الإخوان بالداخل، وقام بعمليات مسلحة وشكّل مجموعات مسلحة منها مجموعة اغتيال النائب العام.

تحديداً في شباط (فبراير) 2016، دبّ الخلاف الأول في الأوساط التنظيمية للجماعة، وذلك بعد إعلان أحد الكيانات الإدارية للجماعة المسمّى (اللجنة الإدارية العليا)، عن إجراء تعديلات على اللائحة الداخلية الخاصة بجماعة الإخوان في مصر، لتقديمها إلى ما يسمى (مجلس شورى الجماعة)، بإيعاز من الشيخ المقيم في قطر يوسف القرضاوي، ورفض عزت وإبراهيم منير هذا الأمر.

وخرج محمد كمال في تسجيل صوتي وقال إنّ عزت يعمل مع الأمن المصري، ولما تم قتل محمد كمال اتهم عمرو فراج محمود عزت بالإبلاغ عن مكانه كمال، وبعدها تم إقالة المسؤول الإعلامي للجماعة محمد منتصر من منصبة وتولية طلعت فهمي، ثم رأينا مجدي شلش يتحدث علنياً عن كيفية تشكيلهم لجاناً إرهابية مسلحة.

بعدها شهد العام 2019 حدثين مهمين ساهما في زيادة الرفض من جانب شباب الإخوان وبعض القيادات في الجماعة لنهج جبهة حسين وعزت ومنير، الحدث الأول كان تسلم السلطات المصرية، لأحد عناصر الإخوان في تركيا، المدعو محمد عبدالحفيظ، وذلك في شهر شباط (فبراير) 2019، وهو الحدث الذي أثار غضب القطاعات الشبابية الإخوانية، ودفع بعضهم لبدء فتح ملف ظروف معيشة الإخوان وعائلاتهم في تركيا، ومخاوف هؤلاء من التعرض لنفس مصير عبدالحفيظ.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون: مناورات عبثية في تونس وتسريحات داخلية في المغرب

أما الحدث الثاني فقد تم الكشف عنه في تموز (يوليو) 2019، وكان بمثابة زلزال ضرب قواعد الجماعة، وساهم بشكل أكبر في زيادة نقمة بعض القطاعات الإخوانية، على الجبهة الثلاثية الممسكة بزمام الأمور في الجماعة، حين ظهر تسجيل صوتي، لأحد أعضاء مجلس شورى الجماعة، ويدعى أمير بسام، تحدث فيه بشكل صريح، عن وقائع فساد مالي ارتكبتها أكبر قيادات جماعة الإخوان في تركيا، وتحديداً كل من محمود عزت وإبراهيم منير ومحمد البحيري، حيث قال بسام في هذا التسجيل، إن محمود حسين اعترف بشراء شقق في تركيا، من أموال التبرعات التي يحصلون عليها لصالح جماعة الإخوان، وأنّه سجّل هذه الشقق باسمه، وكذلك اشترى سيارة خاصة بقيمة 100 ألف يورو.

اقرأ أيضاً: صراع إخوان إسطنبول ولندن: تناحر القيادات هل ينحر الجماعة؟

وكتب عبدالله عزت، مسؤول الرابطة الطلابية للجماعة بالخارج مقالاً طويلاً بعنوان (يسقط الكفيل) قال فيه: منذ بداية الأزمة، تقريباً في شهر أيار (مايو) الماضي، ومحمود حسين، الأمين العام السابق للجماعة، بمعاونة كل محمد الحلوجي، ومحمد البحيري، عن مكتب الرابطة في السوادن، ومحمد عبدالوهاب، مسؤول الرابطة في قطر – مالك موقع علامات أون لاين، ومحمود الإبياري، عضو الرابطة في بريطانيا، يجتمعون بشكل دوري منتظم في إسطنبول لبحث طرد شباب الإخوان.

حاولت الجماعة حل المشكلات لكنها فشلت في مراجعات مسيرتها التي أطلقتها العام 2019 في اسطنبول، تحت عنوان "تقييمات ما قبل الرؤية.. إطلالةٌ على الماضي"، حتى ظهرت مشكلة إبراهيم منير الأخيرة ومحمود حسين، وظلت الجماعة حبيسة في تاريخها المليء بالتمحور حول التنظيم، ليمتد الانقسام ويتضخم ويتفاعل في كل أروقتها.

هل يقضي الانقسام على التنظيم؟

يرى بعض الباحثين أنّ هناك أشكالاً تنظيمية تعتمد على وجود محور أو مرتكز (hub) هو أطراف أو امتدادات أخرى (spokes)؛ ويتحكم المرتكز في مسارات حركة الأطراف، ووفق دراسة لمركز المستقبل يتجسّد ذلك في الجماعات الهرمية، التي في حال تغير القيادة فإنّ الزعماء الجدد يمكن أن يمتلكوا من التأثير ما يضاهي القيادة السابقة.

اقرأ أيضاً: صمت الإخوان عن إدانة مقتل النائب البريطاني: مباركة مبطّنة؟

وفق نفس الدراسة هناك نموذج الشبكات المتصلة Networks، الذي يقوم على انقسام التنظيم إلى قيادتين، عليا ومتوسطة، وتتولى كل قيادة متوسطة مسؤولية إحدى الوحدات، ويتواصل قادة المستوى المتوسط معاً للتنسيق بين هذه الوحدات، فيما تتولى القيادة العليا مسؤولية تنظيم العلاقة بين القيادات المتوسطة، ويسمح هذا النوع بدرجة عالية من المرونة إلا أنّه مع أي خلاف أو انشقاق يتهدد التماسك الداخلي، وهو ما يمكن أن ينطبق على الإخوان.

هنا يتجلى تأثير الثقافة التنظيمية، وقدسية القادة، وبالتالي فإن جرى الانقسام بين القيادات، كما في حال الإخوان، فإنّه من المرجح أن يؤدي ذلك إلى التشظي، وانقسام التنظيم بالكامل إمّا إلى جماعتين أو أكثر، أو حلّ المشكلة بجهة وسيطة، وقيادة بديلة تحوز رضا الجميع، وتمتلك من صفات القدسية ما يؤهلها لذلك، وأهمها امتلاكها للمرونة الأيديولوجية والفهم الاستراتيجي، الذي يمكنها من حل المشكلات العالقة، وهذا فقط الذي يمكن أن يؤدي إلى البقاء بدلاً من النهاية المحتومة، وحتى الآن لا يوجد في كل الحلول المطروحة ما ينبئ بذلك.



الصفحة الرئيسية