
يقدّم أبو الأعلى المودودي مفهوم الدين في كتابه "المصطلحات الأربعة" بأنّه مُساوٍ للدولة، أي أنّ الدين بما له من شمولية، وفق المودودي، تقابله في الإنجليزية كلمة (state) التي تعني الدولة ومؤسساتها. ويتفق هذا مع مفهومه للربوبية على أنّها الحضور الإلهي في الحكم السياسي، بحيث لا يكون الإله إلهاً إلا إذا كان هو الحاكم السياسي.
وبموجب ذلك يرى المودودي أنّ الأنبياء جميعهم جاؤوا بالدعوة إلى الحاكمية الإلهية؛ أي أن يكون الله هو الحاكم الفعلي للمجتمع، ويكون هو المُسيّر لأمور الدولة، ونزلت الرسالات السماوية تُطالب البشر بالانصياع للحكم السياسي للإله الحاكم مالك الكون. وهو بذلك يختزل الدين بمجمله في الحضور الإلهي في السلطة السياسية، ويكون مفهومًا وضع الدولة كمقابلٍ للدين، إذا كان الدين مذهبًا سياسيًا يسعى للتحقق.
ولا يمكن أن نقرأ المودودي بمعزلٍ عن سياقه وظروف الاستعمار، وهذا لا يعني تبرير ما قدّمه من إقصاء واختزال للدين في الدور السياسي إلى الحد الذي ينتفي معه الدور الروحي، ولكنّه محاولة لفهمه في سياقه، ليكون تطرفه مفهوم السبب. والمشكل ليس في فكر المودودي بحد ذاته بقدر ما هو في فكر الجماعات الجهادية التي استغلت أفكاره وبنت معتقداتها عليه.
جماعة الإخوان ومعاداة الدولة
أقامت جماعة الإخوان تنظيمها السياسي على أساس ديني يضع الدولة بمؤسساتها عدوًا صريحًا يجب التغلب عليه، وهو أمر مفهوم في سياق الجماعات الجهادية، بيد أنّ جماعة الإخوان تقدّم عدائها للدولة من مدخل ديني؛ إذ ترى أنّ الدولة تقف ضد الدين ولا تعمل لصالحه، وتقدّم نفسها كبديل ديني عن الدولة الباغية على سلطان الله.
وفي تقديمها لنفسها كبديل عن الدولة تأخذ نظام الخلافة الذي قدّمه المودودي، ليكون الحكم لله وهم مستخلفون لتنفيذ هذا الحكم الإلهي، ودورهم تنفيذ ما جاء به الدين في الكتاب والسنّة، متغافلة عن الاختلافات الدينية التي أفضت إلى حروب طويلة، ودامية بصورة كبيرة، يشهد عليها التاريخ، وتتعامل على أنّ ما تقدمه هي هو الدين بالبديهة، وليس في حاجة إلى برهان.
ومثلت المساجد عنصرًا مهمًا في تاريخ الإخوان، فحسب تقرير قدّمته "العربية" عن كيفية تجنيد الأفراد في الجماعة، كان للمساجد دور البطولة في عملية التجنيد من خلال مسابقات حفظ القرآن الكريم، ومن خلال الرحلات والمسابقات والأنشطة التي تقيمها. وإضافة إلى ما أوضحه تقرير "العربية" فإنّ الجماعة كانت تحرص على تجنيد الأفراد في الأعياد من خلال إعداد الاحتفالات بالأعياد والخطب وغيرها من المقومات.
وسوغت الجماعة مشروعها في إطار إحياء الدين، ووضعه في مواجهة الدولة والمجتمع، وحمل شعارهم "الإسلام هو الحل" دعوى المودودي بتكفير هذه المجتمعات التي لا تحكم بما شرع الله، ومن ثم فإنّها بحاجة إلى الدعوة الإسلامية، وهم غير مسلمين، ومن هنا جاء شعارهم الإسلام هو الحل، ليعلن غياب الإسلام وأنّ الحل في حضوره.
ووفقًا لإعلان جماعة الإخوان المسلمين وجماعات الإسلام السياسي أنّهم تنظيمات وجماعات دينية، فإنّ المساجد تمثل منبرًا لنشر أفكارهم متى غابت الدولة عنها وتخلت عن إدارتها، وهذا ما فعلته مصر في الفترات الأخيرة، وكان الإخوان قادرين وجاهزين لملء هذا الفراغ الذي تتركه الدولة، من خلال إدارة المساجد وإقامة مسابقات التحفيظ والرحلات وغيرها من الأنشطة.
وعلى صعيد آخر كانت الجمعيات الأهلية لها دور كبير في بناء شعبية التنظيم، حيث إنّها فتحت الباب للتنظيم بالإسهام في بناء ولاء الجمهور لها من خلال المساعدات المادية، التي بموجبها يمكنهم بناء شعبية سياسية من خلالها أو شعبية اجتماعية. فجماعة الإخوان طوال تاريخها جاهزة ومستعدة للعب أيّ دور تغفل عنه الدولة لبناء شعبيتها والتواجد في المجال العام.
الولاء للجماعة والبراء من الوطن
انطلاقًا من تقديم الدين في مقابل الدولة واتخاذ جماعة الإخوان الدين كذريعة تحضر من خلالها في الصراع السياسي، وذلك لضمانته وتمكنه من تصفية أعدائها بأقلّ تكلفة ممكنة، تبني الجماعة عقيدتها على الولاء للجماعة المساوي للولاء للدين، والبراء من الدولة الوطنية التي تُعادي الدين.
وعبارة "ما الوطن إلا حفنة من تراب عفن" التي قالها المُنظّر الرئيس لجماعة الإخوان المسلمين، والمُعرب لحاكمية المودودي وهو سيد قطب، توضح إيديولوجية الجماعة التي ترى في الانتماء إلى الجماعة أولوية عن الانتماء للوطن، بل تضعه مقابل البراء من الولاء للوطن، وذلك لأنّ الحكومات تعمل بالقانون الوضعي ومن ثم فإنّها مُعتدية على الحق الإلهي في الحكم، وتُعدّ كافرة، وعليه فإنّ الانتماء إلى الجماعة التي تقدّم نفسها بوصفها الدين يقتضي البراء من الوطن الكافر عدو الدين.
وأعلن المودودي أنّ المملكة الإسلامية لا تعترف بالحدود الجغرافية، وأنّ جنسيتها الإسلام، وكل مُسلم يؤمن بالحاكمية يكون مواطنًا في هذه المملكة، ولا تملك حدودًا جغرافية. وجماعة الإخوان في بنائها متشعبة على مستوى الدول، وترى أنّ الجماعة كيان أكبر من كيان الدولة، ويعمل لصالح الدين، وتجاوز الحدود الجغرافية وتضع نفسها بديلًا للوطن والدولة، ولا تراعي سياسة الدولة أو حدودها.
وتعمل الجماعة كذلك بسياسة براغماتية ومرنة أكثر ممّا يقدمه المودودي، حيث إنّها لا تمانع في التعاون مع الدول الوطنية في مقابل التواجد السياسي، كما أنّها بارعة في صناعة التحالفات مع العديد من هذه الدول، وتعمل بمبدأ ميكافيلي الغاية تُبرر الوسيلة، وتسلك جميع الوسائل للوصول إلى الحكم، وتستعين بالمودودي في صياغة الدين واختزاله في الحضور داخل منصة الحكم السياسي.
ويتحقق الدين عند الجماعة في امتلاكها للسلطة السياسية، وذلك لأنّها تُمثل الإسلام، وهذه هي العقيدة التي تملكها جماعات الإسلام السياسي والجماعات الجهادية. ورغم تغنيهم بكفر الحكومات لعدم عملها بالشريعة الإسلامية، لا نجد أيّ جماعة إسلامية وصلت إلى السلطة السياسية وكان لها السبق في تطبيق الشريعة، فالاعتراض على تطبيق الشريعة ما هو إلّا أداة لسحب مشروعية السلطة القائمة ونسبها إلى الجماعة.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_0.jpg.webp?itok=o9GuuOK0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/bS9h1QQC8Ibxq-Zun7e7I3XZ9pTAR6Hooc8tBKmPdGarEceWYq-LXVMJpnmDToBW2tBynDQtONt9BYdEcNWmtnKCvf1-y8XVc2k7VapC-xhjRdvmUd6AChwb3SggR2pYGpa2blLFZ6lja7ERor2BfD54xHBRWdDoA-f_PXiCBiw75fjOudZLWKl84JjBmDnD.jpg.webp?itok=caFu8voa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86_0_0_0.jpg.webp?itok=E2PAAHDO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_1.jpg.webp?itok=xPM6Zm6W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=oReg_6OS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D9%8A%D8%B1%20%D8%AA%D8%AF%D8%B1%D9%8A%D8%AC%D9%8A_0.jpg.webp?itok=vxmSwnWT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_2_0.jpg.webp?itok=JhFfhYPA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_13.jpg.webp?itok=spQUDIJB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84_6_2_0_0.jpg.webp?itok=bXmPMgmE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_3.jpg.webp?itok=pHqrfLPb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HZqzmEM3wHkpGDbaSRAGBBQMhEa0hdlTTItgQp3YQ8vkDfD4RYKg23G5l2fLOzSA03MFwoRi3ZXf323e4nL3cGcgCtJZ1paZeCO0deQan3C9vbLdqv33J12rlbMXyvhrmx35wvn3PVmnqlgOasmOg-uxIOD0Ui5L3ldmqsEmQOVOc-DELTto2MSMQ5fvj8mD%20%281%29.jpg.webp?itok=wQ_c7z8P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_0.jpg.webp?itok=woqFOs9E)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_3_0.jpg.webp?itok=9i6zbI2S)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/se2eSzBtgtZRvochpXWXHRd8zJBTdSWUjbrvDt0HXmgf6oUX8IJbzzaVjDswDs5fNPFP8F2YCXmj1QoaVi7cvkkCLIDn4lgzNlP5Fb1m1yxn_6_MonFxDiYg9RD7QPKpOqQ76LD1Y5aT7WMJxmzBKZdrEuyHdbh_kree1NSzAlBQqGvzJiK_H5thQehOLXXq%20%281%29.jpg.webp?itok=ybPL0QY1)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/CoGHKdHI0A1hPADsf1xvDHVYJqUe203-L3Pi6M4DItYuTY-LBYbdxBlWhxyVw5eFpyA77EhAFTia-ZJfwN_pPc-dT2jAvVSmof1AU4jW-RzbK6tUu3zl53R8QNE4uB11Ku6-xRExeteqGE4nrU0FKMjgD-qSsmdO2ta_bQ1psS94XeIDmHXni2TQvZ9guYV4.jpg.webp?itok=d3qSl9vR)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

