الترويدة الفلسطينية: أغانٍ تحدّت قضبان المعتقلات

الترويدة الفلسطينية: أغانٍ تحدّت قضبان المعتقلات

مشاهدة

13/09/2021

محمود العطار

هذه العبارة "الكليشية" هي الأكثر تعبيراً عن أنواع الفنون المختلفة التي تنبثق من خلف جدران السجن، هناك مئات الأغنيات والقصائد والمسرحيات التي  كُتبت داخل السجن، حتى أن هنالك نوعًا خاصًا من الأدب يسمى "أدب السجون" معني بتصوير الحياة خلف القضبان.

ولأن الموسيقى لا تخضع لهذه التصنيفات، أصبحنا  نسمع عددً كبيرًا من الأغاني في يومنا دون أن نعرف أن تلك الأغاني تروي قصة مسجون مظلوم.

في رحلتنا هذه سنسترجع معًا قصص تلك الأغاني سواء تلك التي كتبها المساجين نفسهم أو التي كتبت من أجلهم.

الملولة الفلسطينية
الملولة أو الترويدة هو نوع من الفلكلور الفلسطيني كلماته بنيت على أساس أن تبدو كشفرة غير مفهومة، لكن في حقيقة الأمر أن تلك الكلمات غير المفهومة هي لغة تم اختراعها حتى لا يستطيع المستعمر البريطاني، الذي يفهم بعضًا من اللغة العربية، أن يفهمها.

بخاصة وإن كان الأمر تعلق بتمرير رسائل خاصة بين المعتقلين وأهلهم. واستمر التعامل بتلك الشفرة حتى بعد النكبة وإلى الآن يوجد كثير من سكان المخيمات لا يزالون يجيدون التحدث بتلك اللغة بطلاقة.

ترويدة شمالي: رسالة مشفرة من أمهات الأسرى
تقوم الترويدة على أساس قلب الحرف الأخير من كل كلمة وإضافة حرف اللام في نهايتها، وتلك الترويدة كان يغنيها أهالي الأسرى لتبشير المعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال البريطاني بِاقتراب خلاصهم.

وأنا ليليلبعث معليلريح الشمالي لالي يا رويللووو (وأنا الليلة لبعث مع الريح الشمالي)
ياصليلار ويدورليللي على لحبيليلابا يا رويللووو (يوصل ويدور على الحباب يابا)
يا هللوا روح سلللملي على للهم يا رويللووووو (يا هوا روح سلملي عليهم)
وطالالالت الغربة الليلة واشتقنا ليلي للهم يا رويللوووو (وطالت الغربة واشتقنا لهم)
يا طيرلرش روح للي للحباب واصلللهم يا رويللوووو (يا طير روح للأحباب ووصل لهم)

يا طالعين الجبل: بشرى لأسرى فلسطين
تسرد تلك الأغنية واقعة تحرير بعض الفدائيين من الأسر في منتصف الثلاثينيات، وتعتمد في بنيتها على نفس التكوين السابق بإضافة حرم اللام للتمويه.

يا طالعين عين للل الجبل يا موللل الموقدين النار
بين لللل يامان يامان عين للل هنا يا روح
ما بدي منكي لللكم خلعة ولا لالالا لابدي ملبوس
بين للل يامان يامان
عين للل الهنا يا روح
ما بدي منكي لللكم خلعة ولا لالالالا بدي زنار
بين للل يامان يامان
عين للل الهنا يا روح

وفي هذه الأغنية أخبرت النسوة «المحبوس» أن «الغزال»، تقصد الفدائيين، آتون في الليل لتحريرهم، وأن إشارة بدء العملية هي عندما يرون النار موقدة. حتى يفهم الأسرى الرسالة، وينتظروا تحريرهم الذي لم يطل كثيرًا.

ارحل: محمد عثمان وردي والثورة السودانية
بعد ثورة مايو في السودان واعتلاء النميري السلطة، كان الفنان السوداني محمد عثمان من أكثر المساندين والداعمين له، لكن بعد انقلاب  1971 غنى عثمان أغنية «راكب هنتر وعامل عنتر» الأغنية التي لم ترق  للنميري الذي أدرك فورًا أنه المقصود بتلك الأغنية.

فور عودة النميري للسُلطة مرة أخرى في 22 يوليو 1971، أمر باعتقال الفنان محمد عثمان ومنعه من اصطحاب أي آلة موسيقية معه داخل السجن.

في تلك الفترة كتب الشاعر السوداني التيجاني سعيد قصيدته «ارحل»، ولكن لم يستطع أن يرسلها إلى صديقه الملحن داخل السجن، فكان ينتظر زيارة الأهالي ليمرر له مقطعًا منها في كل زيارة من خلال علب السجائر ليقوم وردي بتلحينها داخل زنزانته.

الليلة يا سمرا: عيد ميلاد في سجن الواحات
في عام 1962 تحديدًا في شهر سبتمبر، التقى الشاعر فؤاد حداد والملحن أحمد منيب والفنان النوبي محمد حمام والمحامي زكي مراد في سجن الواحات، ورغم ظلمة السجن وكآبته فإنهم أصروا على الاحتفال بمناسبة عيد ميلاد صديقهم زكي مراد.

لم يكن يملك أي من الأصدقاء الثلاثة سوى مواهبهم؛ فكتب فؤاد حداد كلمات الأغنية، وجلس منيب يلحن مقاطعها وحفظ اللحن الفنان محمد حمام وقام بغنائها، لتكون تلك الأغنية  الشهيرة والتي اشتهرت أكثر بصوت الفنان الكبير محمد منير هي هدية عيد ميلاد المحامي محمد حمام في سجن الواحات.

يا المنفي: ثوار الجزائر بعد انتفاضة 1871
تروي تلك الأغنية، والتي اشتهرت بصوت رشيد طه والشاب خالد، قصة الثوار الجزائريين ومعاناتهم مع المنفى بعد انتفاضة 1871 واعتقالهم من الاحتلال الفرنسي وترحيلهم جميعًا إلى كاليدونيا، وهي تجمع خاص لفرنسا يطل على المحيط الهادي.

صدر عفور عن الثوار السجناء لكنه لم يُنفذ، وخلف الأسوار ألّف المساجين هذه الأغنية وتوارثوها فيما بينهم حتى وصلت إلى الفنان الثوري الأمازيغي « آكلي يحياتين» وقدمها للجمهور بصورتها التي نسمعها الآن.

اتجمعوا العشاق في سجن القلعة
كتب الشاعر الكبير زين العابدين فؤاد قصيدته « اتجمعوا العشاق» في سجن القلعة، لكنه لم يجد طريقه لتهريب قصيدته خارج أسوار السجن إلا بعد دخوله إلى سجن الاستئناف في باب الخلق.

أرسلها إلى الشيخ إمام عن طريق الشاعر محمود الشاذلي، ليقوم الشيخ بتلحينها وغنائها في وصلة موسيقية مع أغنية «شيد قصورك»، الأمر الذي جعل بعض الناس تعتقد أن مؤلف الأغنيتين هو الشاعر أحمد فؤاد نجم.

لم تكن تلك الأغنية هي الأغنية الوحيدة التي خرجت من سجن القلعة، فأثناء ثورة 1919 كتب الدكتور محمود الحفني كلمات أغنية «يا عم حمزة»، والتي لحنها مطرب الشعب سيد درويش وأصبحت نشيدًا ثوريًا للطلبة.

موال الأسير: آخر ما كتب "سبيتان"
أثناء الثورة الفلسطينية الكبرى في مواجهة الاحتلال البريطاني عام 1936 تم القبض على الشاعر الفلسطيني سبيتان عوض بسبب شرائه لعدد من الأسلحة للفدائيين، وتم إيداعه في سجن عكا الشهير، وقبل تنفيذ حكم الإعدام بساعات قام سبيتان عوض بكتابة قصيدته الشهيرة «موال الأسير» بقطعة فحم على جدران الزنزانة.

بعد سنوات سيقوم الشاعر الكبير توفيق زياد بنشر تلك القصيدة في كتاب لجمع التراث الفلسطيني ويقوم بغنائها الفنان «فتحي صبح».

نيران جاشي شاعلة ميقودة: قصة سجن وخذلان أحدهم
سجل المغني الشعبي التونسي صالح الفرزيط أغنيته الشهيرة «نيران جاشي شاعلة ميقودة» سنة 1979 في مدينة ليون الفرنسية مع شركة الإسطوانات أوريانتل، وغناها بعد ذلك العديد من المغنيين، لكن تظل نسخة الفرزيطي هي الأقرب للقلوب وذلك لأن صالح الفرزيطي هو أكثر شخص يمكنه أن يشعر بعمق الألم في كلمات تلك الأغنية.

فهي مستوحاة من قصة حقيقية عاشها شاعر شاب في أحد سجون بورقيبة، وكان يحب ذلك  الشاعر فتاة جميلة وتزوجها قبل أن يسجن، وبعد السجن غابت عنه بشكل مفاجئ بعد أن كانت تواظب على زيارته بشكل مستمر، وعرف بعد ذلك أن مدير السجن له يد في إبعاد زوجته عنه بل وصل إليه خبر أنها قامت بتطليقه وتزوجت من مدير ذلك السجن.

بقى في زنزانته محاطًا بالألم واليأس، وكتب أغنيته الشهيرة «نيران قلبي شاعلة ميقودة»، وظلَّ رفاقه في السجن يرددون الأغنية حتى وصلت إلى عموم الشعب وبات يحفظها ويغنيها دون أن يعرف سر نيران جاشي.

يا ضابط السجن صبرك
بدأت هذه القصة باعتقال الشاعر السودان محمد حامد آدم وحبسه في سجن الأبيض في السودان بعد ما يُعرف بحركة يوليو 1971، والغريب أن الشاعر طوال فترة السجن لم يحظ بزيارة واحدة سواء من أقاربه أو أصدقائه، لكن في يوم من أيام الزيارة ذهبت فتاة لرؤية الشاعر محمد حامد، لكن ظابط السجن وكان المقدم « يحيى ساتي المهدي» منعها من زيارته بحجة انتهاء الوقت المحدد للزيارة، ورغم رجاء الفتاة فإنه تمسك بمنعها من زيارته، ووصل الخبر إلى محمد حامد في زنزانته فتحسر وكتب قصيدته

صبرك لحظة واحدة
إذنك مرة واحدة
يا ضابط السجن
أزّود بنظرة
وأرجع أنسجن
خمسة شهور طويلة
مرت ليلة ليلة
ودمعة شوق هميلة
ورى الدمعة الهميلة
تسرح شايله حالي
وتكتب فى مثيله
قصة وردة جفت

وقام الشاعر محمد حامد بتسليم كلمات القصيدة بنفسه إلى الضابط، ويقول المقدم يحيى المهدى، إنه لا يزال يتذكر حتى الآن تلك الكلمات، وأنها مست وجدانه، بخاصة أنه رأى أن حامد لم يكن يستنكر السجن بقدر ما كان يعبر عن مشاعره، رغم أنه قد دخل السجن بريئًا وأن الأمر برمته مجرد تشابه أسماء.

حكى المقدم يحيى، أنه في يوم كان يمر في السجن وسمع المطرب عبد الرحمن عبد الله، والذي كان مسجونًا هو الآخر في نفس السجن، وهو يغني كلمات تلك القصيدة، فعرف أن القصيدة قد انتشرت وتم تلحينها وغناؤها وأنه هو الطرف المعني بهذه الأغنية.

كل ماتهل البشاير: رسالة عم نجم من سجن طرة
أثناء أحداث يناير 1977 تم القبض على الشاعر أحمد فؤاد نجم وزجه في سجن طرة دون سبب واضح، لكن وقبل دخول نجم إلى زنزانته كان عليه المرور من لجنة التفتيش التي كانت تخشى أن يكتب نجم قصائدة المعارضة بالداخل فكانت تفتشه بحثًا عن قلم أو ورقة مخبئين في ملابسه، لكن نجم وعدهم أنه سيكتب ويخرج القصيدة إلى النور غدًا مهما فعلوا.

دخل نجم إلى الزنزانة  وجلس يفكر في أبيات قصيدته ويحفظها دون الحاجة إلى ورقة وقلم، ثم سأل رفاق زنزانته عمن سيخرج بالغد، فوجد ثلاثة أشخاص سيتم عرضهم على النيابة في اليوم التالي، فجلس مع كل شخص فيهم يقوم بتحفيظه مقطع من القصيدة، وفي اليوم التالي كانت القصيدة ترفرف خارج سجن طرة وتصل إلى الشيخ إمام ليقوم بتلحينها وتصبح من أشهر أغانيهم.

كل ما تهل البشاير من يناير كل عام
يدخل النور الزنازن
يطرد الخوف و الضلام
يا نسيم السجن ميل ع العتب و ارمي السلام
زهر النوار و عشش في الزنازين.. الحمام


يا المقنين الزين
دارت أحداث هذه الأغنية مع الشاعر محمد الباجي عندما كان في أحد سجون الاستعمار الفرنسي، بعد إلقاء القبض عليه أثناء مشاركته في إضراب الطلبة عام 1957، وزجه في سجن سركاجي أحد أقدم وأشهر سجون الجزائر، حيث حُكم عليه بالإعدام لانخراطه في الكفاح المسلح.

تزامن سجن الباجي مع زميل له في الزنزانة، شاب صغير في العمر لم يتعدَ العشرين كان ينتظر هو أيضًا حكمًا بالإعدام، ولأن الشاب لم يبلغ السن القانوني لتنفيذ حكم الاعدام، قامت إدارة السجن بتزوير أوراق الفتى لتشريع عملية إعدامه، كان يحتفظ الفتى في زنزانته بخاتم كان ينوي تقديمه لحبيبته مريومة وهي التي تم ذكرها في نهاية تلك الأغنية الحزينة.

ناحت بقربي حمامة
نعرف الشاعر العربي الكبير أبو فراس الحمداني بسبب قصيدته الشهيرة «أراك عصي الدمع»، والتي قامت السيدة أم كلثوم بغنائها، ولكن لا يعرف الكثير أن أبو فراس الحمداني قد وقع في الأسر وظل في قبضة الروم لست سنوات كاملة في القسطنطينية تباطأ فيها ابن عمه عن دفع فديته، ما جعله يشعر بالحزن والخذلان فكتب قصيدته والتي يناجي فيها حمامة كانت تقف على شباب زنزانته

أَقولُ وَقَد ناحَت بِقُربى حَمامَةٌ
أَيا جارَتا هَل تَشعُرينَ بِحالي
مَعاذَ الهَوى ماذُقتِ طارِقَةَ النَوى
وَلا خَطَرَت مِنكِ الهُمومُ بِبالِ
أَتَحمِلُ مَحزونَ الفُؤادِ قَوادِمٌ
عَلى غُصُنٍ نائى المَسافَةِ عالِ

وقام المطرب العراقي الكبير ناظم الغزالي بغناء تلك القصيدة بشكل مبهر فأصبحت من أشهر أغاني القرن العشرين.

عن "إضاءات"

الصفحة الرئيسية