هل بات تجديد الفقه الإسلامي ضرورة؟

هل بات تجديد الفقه الإسلامي ضرورة؟

مشاهدة

24/06/2019

لعلّه لم يعُد خافياً أنّ تجديد الفقه الإسلامي بات أمراً ضرورياً، تفرضه المتغيرات العلمية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية؛ لأنّ الفقه الإسلامي، بشكله القديم، بل بمحاولات البعض، حديثاً، إعادة صياغة ألفاظه، وشرح ما غمض من أحكامه، وتوليد أحكام جديدة قياساً على أحكامه القديمة، لن يستطيع مجاراة تلك المتغيرات المختلفة، كما لن يستطيع النهوض، تشريعياً وقانونياً، بالإنسان المسلم، في ظلّ ما يحيط به من إشكالات، وما يكتنفه من تساؤلات يومية وحياتية، باتت جزءاً من حاضره ومستقبله؛ فالمنظومة الفقهية الإسلامية القديمة، وما بُنِي على هوامشها حديثاً من موسوعات غير مكتملة وغير ناضجة، ومجامع فقهية هنا وهناك، لم ترتقِ إلى تطلّعات المجتمع، فهي لن تفيدهم لا نظرياً، ولا عملياً، خصوصاً في مجال المعاملات والأحداث التي تكتنف حياتهم، يومياً؛ لذلك لا نتجاوز إذا قلنا: إنّ انسداد وثبات المنظومة الفقهية عند حدود القرن الرابع الهجري يقضي على مواكبتنا للقضايا الراهنة التي لم يعُد مجدياً فيها رأي الفقيه!

هيمنة الفهم الحَرْفي للنصّ على الفقه الإسلامي
قديماً؛ أدرك الخليفة الثاني، عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ضرورة تغيُّر الأحكام بتغير الأزمان وتبدُّل الأحوال، فألغى سهم المؤلفة قلوبهم، وأبطل العمل بحدّ السرقة في عام الرمادة، ومنع زواج المتعة، رغم معارضة بعض الصحابة، رضي الله عنهم، ما فتح باباً واسعاً بعد ذلك لفقه الرأي، وهو الفقه الذي يعتمد اعتماداً شِبه كليّ على الأخذ بحكم العقل، ومراعاة الظروف (الزمكانية)، دون تعويل كبير على النصّ؛ فكان فقه الرأي بذلك انفتاحاً مباشراً على العقل، وأضحت المنظومة التشريعية مرنة بعض الشيء، قادرة على مواجهة الواقع المعيش المتغير، في مقابل مدرسة أخرى تعتمد تماماً على الفهم الحَرْفي للنصّ، خصوصاً الأحاديث النبوية، وتُنافِح عن ألفاظه، وترمي فقه الرأي بالتعدّي على النصوص ولو كانت ظنية، كالأحاديث المنسوبة إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، ولو كان بعضها يعارض القرآن الكريم نفسه، حتى أنّ فقيهاً كبيراً، كالأوزاعي، ينقل عن يحيى بن أبي كثير قوله: "السنّة قاضية على الكتاب، وليس الكتاب بقاضٍ على السنّة"، رغم أنّ فقيهاً ومحدّثاً سلفياً آخرَ، كالإمام أحمد بن حنبل، يرفض هذا الرأي تماماً، فيقول: "مَا أَجْسُرُ عَلَى هَذَا أَنْ أَقُولَهُ، وَلَكِنِّي أَقُولُ: إِنَّ السُّنَّةَ تُفَسِّرُ الْكِتَابَ وَتُبَيِّنُهُ"، وهو بهذا، أيضاً، لا يستطيع الانفكاك من هيمنة الأحاديث النبوية على كتاب الله تعالى، وإن خالفته أو تناقضت مع أحكام العقل أو مع القرآن الكريم ذاته، حتى أنّه كان يتوقف عن إبداء أيّ رأي، أو حُكم شرعي، على مسألة من المسائل، إذا لم يوجَد حديث أو أثر أو رأي صحابي، يتعلق بتلك المسألة!

تجليات تدهور الفقه الإسلامي
وبمرور الوقت، وفي ظلّ اشتعال الأوضاع السوسيو سياسية، واشتجار الخلافات المذهبية، سيطر الاتجاه النصّي على علم الفقه سيطرة تامة، ولم يكن مستغرباً أن يُستخدَم الفقه النصّي استخداماً نفعياً في حلبة السياسة، الأمر الذي جعل فقه المعارَضة، الخوارج والشيعة، منزوياً مستبعَداً من المجال العام، ليسود الجمود والتقليد، ويتدهور الفقه الإسلامي بحلول القرن الخامس الهجري، وكان من أبرز تجليات تدهوره إغلاق باب الاجتهاد، رغم أنّ الاجتهاد متجدد بتجدد الواقع.

اقرأ أيضاً: الفقه الإسلامي في أزمة
كما كان من أبرز تجليات تدهوره ظهور طبقة جديدة من الفقهاء، عُرفوا في التاريخ باسم فقهاء السلاطين، وهي ظاهرة ذكرها الفقيه الحنبلي، ابن الجوزي، في كتابه "تلبيس إبليس".

أدرك الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ضرورة تغيُّر الأحكام بتغير الأزمان وتبدُّل الأحوال

وقُدِّر للمذهب الشافعي الانتشار في محيط جغرافي واسع في بلاد المشرق بسيادة المذهب الأشعري في العقيدة وأصول الدين، ويبدو الارتباط بين كلا المذهبين ارتباطاً قوياً، ولا سيما بعد أن تبارى أقطاب المذهب الأشعري في التمذهب بمذهب الشافعي، الذي أسّس أصول الفقه، جاعلاً السنّة النبوية جنباً إلى جنب مع القرآن الكريم، منادياً بالتقليد، مضيقاً باب الاجتهاد، قائلاً: "كلّ من لم تجتمع فيه شرائط الاجتهاد يتعين عليه التقليد"، وليس هذا فحسب؛ بل إنّه جعل اجتهاد المجتهدين بمثابة حكم الله الأزلي، فيقول في "الرسالة": "فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على الهدى فيها"، ولعلّ تمذهب الماتُريدية، في بلاد ما وراء النهر بالمذهب الحنفي، المتوسع في الرأي، يؤيد مدى انفتاح الماتُريدية على العقل في الفقه، كما في العقيدة وأصول الدين، رغم كونهم يمثلون الجناح الثاني لأهل السنّة والجماعة عند الأزهريين، لكنّهم، لانفتاحهم على العقل، قليلاً، اختاروا التمذهُب بالمذهب الحنفي، بخلاف الأشاعرة، ومثل الماتريدية المعتزلة، فقد كان أكثرهم في الفقه على مذهب الأحناف.

ضرورة تجديد الفقه الإسلامي
لقد أضحى الفقه الإسلامي مغلَقاً، جامداً، نمطياً، بعد إغلاق باب الاجتهاد، وترسيخ مبدأ النقل عن الأئمة السابقين دون نظر أو إبداع، حتى محاولات المحدَثين الذين يدّعون تجديده، لم تكن سوى شرح للأصل، أو إيجاز له، أو ذيل عليه، بخلاف ظاهرة فوضى الأحكام، وتعارُض الأدلة، مما فرّغ علم الفقه من مضمونه وأصالته، ليصبح كياناً مغلَقاً في مواجهة الواقع المتغير المتسارع المتجدد، لذلك -لا غرو- والحال كذلك أن تكثر الفتاوى الغريبة، وتنتشر في وسائل الإعلام، على ألسنة بعض الشيوخ والفقهاء الأحكام الفقهية المتهافتة التي لا تتساوق مع الواقع والعلم والمنطق والتحضر الإنساني؛ لأنّ أولئك أغلقوا باب الاجتهاد، وعطلوا التجديد، واقتصروا على تخريج الأحكام من الأحكام السابقة، وعدّوا مَن يخرج على آرائهم خارجاً عن الإجماع، حتى أنّنا نقرأ أنّ بعض الفقهاء أفتوا بحرمانية استنباط أحكام مغايرة لأحكام وفتاوى السابقين!

اقرأ أيضاً: هل أسهم العقل الفقهي في إعاقة تأصيل الحداثة؟
ينبغي على أيّة هيئة أو مبادَرة تضطلع بمهمة تجديد الفقه الإسلامي؛ أن تفتح باب الاجتهاد، وتعيد النظر في علم أصول الفقه، وتعيد الاعتبار للعقل، وتنفتح على العلوم والمعارف، وتُواكِب العصر، وتجعل النص الديني مفتوحاً لا مغلَقاً، ليستمدّ النص مرجعيته من ذاته، لا من فهم السابقين وتخريجاتهم وثقافتهم.

الصفحة الرئيسية