الجيش الأمريكي يعود إلى الصومال مصحوباً بكوابيس "سقوط الصقر الأسود"

الصومال

الجيش الأمريكي يعود إلى الصومال مصحوباً بكوابيس "سقوط الصقر الأسود"

مشاهدة

23/04/2019

بعد ربع قرن من أحداث "بلاك هوك داون"، أو "سقوط الصقر الأسود"، التي أسفرت عن مقتل 18 جندياً أمريكياً في مقديشو، في تسعينيات القرن الماضي، يجد الجيش الأمريكي اليوم نفسه متورطاً في الحرب الصومالية مرة أخرى، ورغم أنّ الجيش الأمريكي ينتشر في مستويات مختلفة، في كلّ من النيجر وجيبوتي؛ إلا أنّ الصومال هي المكان الوحيد في إفريقيا الذي يخوض فيه معارك منتظمة ضدّ "العدو".

اقرأ أيضاً: تجنيد الأطفال في الصومال ظاهرة مقلقة.. أي مصير ينتظرهم؟
وكانت الولايات المتحدة قد أدخلت نحو 30 ألف جندي إلى العاصمة، مقديشو، تحت مظلة الأمم المتحدة، أثناء فترة الجفاف (1992/ 1993)؛ حيث أعلنت أنّها ستتدخل "إنسانياً" لمواجهة الجفاف والمجاعة، وكان في ظنّ الجيش الأمريكي أنّ التدخل عسكرياً في الصومال سيكون مهمة سهلة وسريعة، مقارنة بعملية النجاح الساحق في طرد العراق من الكويت، عام 1991، لكن ثبت في النهاية أنّها كانت ورطة عسكرية.

اقرأ أيضاً: الحرب الأمريكية في الصومال بعهد ترامب.. هذا ما كشفه تقرير أممي
تمّ مقتل عشرات الجنود الأمريكيين، وتدمير العديد من السفن الحربية، ومروحيات الجيش الأمريكي في هذا التدخل، كما هو مصير معظم الحروب التي خاضتها أمريكا، في فيتنام والعراق وأفغانستان، وبات المستنقع الصومالي يشكل هاجساً للأمريكيين، منذ معركة مقديشو، أو ما عرف بـ "سقوط الصقر الأسود".
عودة الجيش الأمريكي إلى المعركة
وقّع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الأسبوع الماضي، مرسوماً رئاسياً جديداً بإعلان حالة طوارئ وطنية متعلقة بالصومال، لمدة عام، معتبراً أنّ حركة الشباب الصومالية تمثل "تهديداً غير عادي وغير طبيعي" على الولايات المتحدة، وجاء إعلان ترامب حالة الطوارئ، في اليوم نفسه الذي زار فيه رئيس وزراء الصومال، حسن خير، البيت الأبيض، لعقد اجتماع مع مستشار الأمن القومي لترامب، جون بولتون.

اقرأ أيضاً: الإمارات تواصل عطاءها في اليمن والصومال.. هذا ما قدمته
ويأتي هذا الالتزام الأمريكي الجديد في الوقت الذي يبدي ترامب فيه رغبة ملحّة في خفض مستويات القوات الأمريكية في جميع أنحاء العالم، وإدارته الآن بصدد سحب قواتها من سوريا.
ويتحدث مسؤولو "أفريكوم" عن انتصارات يومية ضدّ حركة الشباب وداعش، وإحرازهم تقدماً على أرض الواقع، لكنّهم، في الوقت نفسه، يؤكدون أنّه ليس من المحتمل أن تكتمل مهمة القوات الأمريكية في الصومال حتى عام 2026، وفق ما صرح به مسؤولون عسكريون لشبكة "CNN".

ترامب: حركة الشباب الصومالية تمثل "تهديداً غير عادي وغير طبيعي" على أمريكا

طبيعة الوجود العسكري الأمريكي في الصومال
وفق المسؤولين الأمريكيين؛ فإنّ مهام قوات العمليات الخاصة الأمريكية في الصومال تقتصر على تدريب وحدات خاصة من الجيش الصومالي، لأجل تأهيله لهزيمة حركة الشباب، المرتبطة بتنظيم القاعدة، ويوجد لدى البنتاغون ما بين 500 إلى 600 فرد في الصومال، بحسب قيادة "أفريكوم".

من الضروري إعطاء أولية متناهية لبناء جيش صومالي موحّد وهو الأمر الذي تتعامل معه الإستراتيجية الأمريكية الحالية باهتمام ضئيل

وقبل عامين؛ تمّ ضمّ وحدة من قوات العمليات الخاصة الأمريكية إلى الجيش الوطني الصومالي، للمساعدة في القتال ضدّ "الشباب"، إضافة إلى تقديم المشورة بشأن الغارات الجوية والهجمات الأرضية.
وتحمل الوحدة العسكرية التي تتولى أمريكا تدريبها اسم "دنب"، وهي كلمة صومالية تعني "الصاعقة"، يبلغ عدد أفرادها في الوقت الحالي حوالي 500 جندي فقط، ويقومون بعدد قليل من العمليات في بلد يمتلك خطاً ساحلياً، يماثل طوله طول الساحل الشرقي للولايات المتحدة تقريباً.
ويقول مسؤولون دفاعيون أمريكيون إنّ "الخطة تهدف إلى رفع رقم أفراد "دنب"، ليصبح قوامها 3000 جندي قادر على تطهير المسلحين في جميع أنحاء الصومال".
وقالت بيكي فارمر، المتحدثة باسم القيادة الأفريقية، التي تشرف على العمليات العسكرية الأمريكية في القارة، في تصريح لشبكة"CNN" ، في بيان: "إنهم يهدفون إلى بناء وحدتين عسكريتين كلّ عام"، في حين قال جريج أولسون، مدير العمليات للقيادة الأمريكية في إفريقيا، في تصريح لشبكة "cnn": "نعتقد أنّ الأمر سيستغرق حوالي سبعة أعوام لدحر الشباب".

قيادة أفريكوم: نعتقد أنّ الأمر سيستغرق حوالي 7 أعوام لدحر الشباب

اتهامات بارتكاب جرائم حرب
ومنذ بداية 2017؛ تم توسيع نطاق ضربات الطائرات بدون طيار في الصومال، وفي آذار (مارس) عام 2017، رفع ترامب القيود عن الجيش الأمريكي لتنفيذ ضربات "دقيقة"، تستهدف حركة الشباب، كما تمّ السماح للجيش الأمريكي بالقيام بضربات جوية لحماية المستشارين الأمريكيين المتواجدين على الأرض.

اقرأ أيضاً: مشهد الجهادية الصومالية.. قراءة في الأيديولوجيا والأنماط الفاعلة الرئيسة
ووفق الأرقام الصادرة عن "أفريكوم"؛ فقد أجرت الولايات المتحدة 47 غارة جوية، استهدفت حركة الشباب، عام 2018، ما أسفر عن مقتل حوالي 337 مسلحاً، وعام 2017؛ نفّذت الولايات المتحدة 35 غارة جوية، في حين نفذت، عام 2016، 15 غارة جوية فقط.
وتواجه زيادة الغارات الجوية انتقادات حادّة من قبل بعض أعضاء الكونغرس الأمريكي، ومنظمات حقوق الإنسان، مثل منظمة العفو الدولية، التي اتهمت الولايات المتحدة مؤخراً بارتكاب جرائم حرب، تتضمن قتل مدنيين وأطفال في الصومال.

اقرأ أيضاً: صراع "داعش" و"الشباب" في الصومال: التنافس على ميدان الإجرام
ويرفض الجيش الأمريكي اتهامات منظمة العفو الدولية بالجملة، لكن "أفريكوم" أعلنت، في وقت سابق من هذا الشهر؛ أنها قتلت في إحدى غاراتها بالطائرات بدون الطيار، عام 2018، اثنين من المدنيين، وهو أول اعتراف من هذا القبيل تسجله "أفريكوم" في عملياتها القتالية في الصومال.
وترى الإدارة الأمريكية؛ أنّ القتال ضدّ "الشباب" أمر بالغ الأهمية لحماية الحلفاء الإستراتيجيين لأمريكا في المنطقة، مثل إثيوبيا وكينيا، اللتين تعرضتا لهجمات إرهابية مرتبطة بالشباب في الأعوام الأخيرة.

تواجه زيادة الغارات الجوية انتقادات حادّة من قبل منظمات حقوق الإنسان مثل منظمة العفو الدولية

الفيلة في الغرفة
يرى المراقبون للوضع؛ أنّ المشكلة الرئيسة تكمن في غياب جيش صومالي قوي وموحّد، قادرٍ على حفظ الأمن في البلاد؛ فمنذ عشرة أعوام، كانت مهمة محاربة حركة الشباب في الصومال تقع على عاتق بعثة حفظ السلام بقيادة الاتحاد الإفريقي "أميصوم"، وأثبتت "حركة الشباب" مرة تلو مرة بأنّها لا تزال قوية في ساحة المعركة؛ حيث يقوم مقاتلوها باستمرار باقتحام قواعد لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال، والاستيلاء على الأسلحة والمركبات المدرعة والذخيرة.

أفريكوم: أجرت الولايات المتحدة 47 غارة جوية استهدفت حركة الشباب عام 2018 ما أسفر عن مقتل حوالي 337 مسلحاً

ويقوم الكثير من حلفاء الحكومة الفيدرالية الصومالية الدوليين، بتدريب قوات الأمن الصومالية؛ حيث يتولى مستشارون من الاتحاد الأوروبي وتركيا والإمارات العربية المتحدة، تقديم المشورة والمعدات القتالية على أسس ثنائية.
وصرّح مسؤول بوزارة الخارجية الأمريكية، لشبكة"CNN" ؛ بأنّه رغم بعض النجاحات التي تحققت في دمج القوات الصومالية التي دربها مستشارون أتراك وإماراتيون في الجيش الوطني، فإنّ وحدات صومالية قوامها ستة آلاف، ودربها الاتحاد الأوروبي لم تنضم إلى الجيش الوطني حتى الآن. وأضاف أنّ "بلاده تلعب دوراً بتنسيق هذه الجهود المختلفة، مع توفير الدعم لقوات بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال، عبر خلية تنسيق عسكرية، يقودها جنرال واحد في مقديشو".

اقرأ أيضاً: "داعش" و"القاعدة" في الصومال.. من ينتصر؟
الشهر الماضي أقيم حفل تخرج لكتيبة النسر التابعة لقوات الصاعقة الصومالية، وقوامها 330 جندياً من كلية "تركصوم العسكرية" في العاصمة الصومالية، مقديشو، ومن بينهم؛ ٤٩ ضابطاً، وتعدّ كتيبة "النسر" أول كتيبة صاعقة بتدريب تركي، من أصل قوات صاعقة تعدادها 5000 سيدربها الأتراك في الأشهر والأعوام المقبلة، وفي نظر المراقبين؛ فإنّ اختلاف القوى المدربّة والمموّلة يترك آثاراً سلبية على نسيج الجيش الوطني وولائه العسكري.

نشط يوماتو مؤخراً في جهود إعادة ترتيب أوراق القرن الأفريقي وفق مصالح بلاده

ماذا عن الدبلوماسية؟
أعلنت الإدارة الأمريكية، في الخامس من كانون الأول (يناير) الماضي، استئناف وجودها الدبلوماسي بشكل دائم في الصومال، بعد انقطاع دام نحو 30 عاماً، ونصّبت السفير دونالد يومامتو، مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الإفريقية، سفيراً لها في الصومال، سيما أنّ يوماتو نشط مؤخراً في جهود إعادة ترتيب أوراق القرن الإفريقي، وفق مصالح بلاده .
وكان دافع خطوة العودة للصومال، وافتتاح السفارة الأمريكية في مقديشو، بعد إغلاقها عام 1991، بحسب بيان الخارجية الأمريكية؛ هو "التقدم الإيجابي الذي يحرزه ‎الصومال في الأعوام الأخيرة"، إلا أنّ ذلك التقدم لم ينهِ موجة العنف المستمر في البلاد.

اقرأ أيضاً: ضربة جوية أمريكية تستهدف حركة الشباب الصومالية.. تفاصيل
ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية، عن المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية، قولها: "عودتنا تُظهر التزام الولايات المتحدة بالمزيد من تعزيز الاستقرار والديمقراطية والتنمية الاقتصادية"، وكانت البعثة الدبلوماسية الأمريكية إلى الصومال، مُلحقة بالسفارة الأمريكية في نيروبي بكينيا المجاورة.
في المحصلة؛ تكبّدت القيادة العسكرية الأمريكية لإفريقيا، أو ما يعرف بـ "أفريكوم"، المزيد من الخسائر في الصومال، وفشلت في التعامل مع حركة الشباب الإرهابية، قبل ظهور فرع داعش القويّ في الصومال، وهي تقريباً الجهود غير الفعالة التي تحاول أمريكا استبدالها اليوم بجهود دبلوماسية، لكن تحتاج إلى خطة أكثر وضوحاً وشمولاً، ومن الضروري إعطاء أولية متناهية لبناء جيش صومالي موحّد، وهو الأمر الذي تتعامل معه الإستراتيجية الأمريكية الحالية باهتمام ضئيل.

الصفحة الرئيسية