"الإبياري" في مرمى نيران الإدارة الأمريكية

"الإبياري" في مرمى نيران الإدارة الأمريكية

"الإبياري" في مرمى نيران الإدارة الأمريكية


11/08/2026

قبل أيام أدرج مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (أوفاك) التابع لوزارة الخزانة الأمريكية أسماء جديدة في قائمة العقوبات، وكانت المفاجأة التعيسة لجماعة الإخوان الإرهابية إدراج "محمود الإبياري"، أمين التنظيم العالمي، ضمن قوائم الإرهاب، ومعه (3) شخصيات أخرى إضافة إلى جمعيتين تابعتين للجماعة كانتا تعملان تحت غطاء "جمعيات خيرية وهمية"، وقامتا بتحويل تمويلات كبيرة إلى كيانات إرهابية، وفق القانون الأمريكي.

كشفت هذه الخطوة عن اتجاه أمريكي متصاعد لتضييق الخناق على شبكات التمويل المرتبطة بالجماعة، وفصلًا جديدًا في الحرب على الجمعيات الإخوانية، كأنّ واشنطن تعلن أنّ ملاحقة تمويل الجماعة الإرهابية أصبح واقعًا، ولم يعد مجرد تهديدات إعلامية، وأنّ الجماعة وأشخاصها وجمعياتها ومؤسساتها وشركاتها تحت الرقابة، ومن يتجاوز، فسيتم تفعيل العقوبات عليه فورًا.

لماذا محمود الإبياري وليس التنظيم الدولي؟

لكنّ السؤال المهم في ملف الجماعة الإرهابية: لماذا اختارت واشنطن أمين التنظيم العالمي وليس المرشد أو القائم بالأعمال؟ ولماذا لم تُصنّف التنظيم الدولي ذاته إلى الآن؟

قد تبدو الإجابة سهلة، إلا أنّ تعقيدات السياسة وصعوبة اتخاذ القرارات الحاسمة المتفقة مع القانون الأمريكي تجعل الإجابة صعبة نوعًا ما، فالإدارة الأمريكية اختارت أن تطلق رصاصتها الأولى على محمود الإبياري برسالة تحذيرية غير قاتلة، فالإبياري ليس شخصية عادية داخل التنظيم، فهو يشغل منصب الأمين العام للتنظيم العالمي للإخوان، وكان نائب الأمين العام (نائب إبراهيم منير) سابقًا، وهو عضو الهيئة العليا للجماعة سابقًا، وعضو مجلس شورى الجماعة في أوروبا، ومسؤول قطاع أوروبا في التنظيم العالمي.

هذه المكانة التنظيمية وصل إليها بعد سنوات من العمل السري والتدرج داخل الهيكل التنظيمي. ويمتاز الإبياري بأنّه غامض إلى أبعد حد، فلا معلومات عنه في أدبيات الإخوان أو مراجعها، فلا أحد يعرف هل انضم إلى الجماعة في السبعينيات وقت ما عُرف بالصحوة الإسلامية، أم أنّه انضم إلى الإخوان بعد هجرته إلى النمسا، التي يتوقع أن تكون أواخر الثمانينيات إلى منتصف التسعينيات، ففي هذا التوقيت طفت على سطح الجماعة رغبة شبابية للنزوح إلى أوروبا.

ورغم أنّ الإبياري حصل على الجنسية النمساوية، إلا أنّه يلاحظ أنّ انتقاله من النمسا إلى لندن جاء بعد لقاء الإخوان مع سفراء الدول الأوروبية في النادي السويسري، وهو اللقاء الغامض في تاريخ الجماعة، الذي لا أحد يعرف بالتحديد على ماذا اتفق الإخوان وسفراء أوروبا فيه، إلا أنّ نشاط الجماعة في أوروبا اشتد أكثر في تلك الآونة، ومعها انتقل الإبياري إلى جوار إبراهيم منير، ملازمًا له، عارفًا بأدق تفاصيل التنظيم العالمي وشبكته المالية، ثم بعد وفاة منير تقلد الإبياري المنصب.

سر الرسائل الغاضبة

إنّ استهداف شخصية بهذا المستوى التنظيمي والوظيفة المالية يحمل عدة رسائل غاضبة من الإدارة الأمريكية ضد الجماعة وملفاتها المالية، يمكن اختصارها في التالي:

الرسالة الأولى: رقاب الجميع تحت المقصلة؛ فهذه الرسالة لجميع من يظنون أنّهم بعيدون عن الملاحقة والمتابعة، فالإدارة الأمريكية تقول إنّ جميع الإخوان، حتى غير المعروفين، هم تحت الرقابة الشديدة، وإنّ أيّ خروج عن الخط المرسوم لهم يصعّد الإجراءات ضدهم، أبعد من تصنيف شخص أو جمعيتين إرهابيتين.

الرسالة الثانية: استهداف اقتصاد الجماعة؛ فإدراج الإبياري، وهو خزنة أسرار التمويل، يعني أنّ البنية المالية والاقتصادية للجماعة هي هدف الإدارة الأمريكية في حال أرادت معاقبة الجماعة، عبر ملاحقة الأفراد والكيانات التي يُشتبه في قيامها بجمع الأموال أو نقلها أو توفير غطاء قانوني لتحويلها، وقد تؤدي العقوبات إلى تجميد أيّ أصول أو مصالح مالية أو حسابات خاضعة للولاية القضائية الأمريكية، وقد تؤدي إلى امتناع الأفراد والشركات الأمريكية من إجراء أيّ تعاملات مع المدرجين على قوائم الإرهاب، وربّما تفتح العقوبات الباب أمام قيود مصرفية أوسع بسبب التزام كثير من المؤسسات المالية الدولية بقوائم العقوبات الأمريكية، وهو ما يزيد من صعوبة الحركة المالية للجماعة ويحدّ من القدرة على إدارة تمويلها السري، وهذه العقوبة تعني خنق الجماعة تمامًا، وهذه الرسالة وصلت تمامًا إلى الجماعة، وقد تتعامل وفقها في المرحلة القادمة.

الرسالة الثالثة: إلى أوروبا ولندن؛ يحمل القرار رسالة سياسية إلى الدول الأوروبية، وخاصة بريطانيا التي يقيم فيها الإبياري، مفادها أنّ واشنطن ترى أنّ بعض الشخصيات المقيمة في أوروبا تستحق الاستهداف بالعقوبات، ولا يعني ذلك بالضرورة أنّ بريطانيا أو الاتحاد الأوروبي سيتبنيان الموقف الأمريكي تلقائيًا، لكنّ القرار قد يزيد من التدقيق على بعض الأنشطة والكيانات المرتبطة بالإخوان، ممّا يربك التنظيم في أوروبا.

الرسالة الرابعة والأخيرة: إلى قادة الإخوان؛ لا تتجاوزوا الخطوط المرسومة لكم؛ فقد حمل القرار أهم رسالة وأخطرها لقيادة الإخوان في التنظيم العالمي بعدم تجاوز الخطوط الحمراء، لا في مصادر التمويل ولا في مصارفها، ولا حتى في العلاقات بالدول التي تعادي أمريكا مثل إيران، فالإدارة الأمريكية تسمح ولا شك بتمويل الجماعة، لكن على ألّا تصل الأموال إلى حماس بطريقة لا توافق عليها الإدارة الأمريكية، كما أنّها لا ترفض إقامة علاقات مع إيران ولكن وفق سياستها، وأيّ اجتماع لا بدّ أن يكون تحت أعين الإدارة الأمريكية.

وما صدر من الإخوان في التنظيم العالمي في الفترة الأخيرة ليس فقط تلك الاجتماعات التي تمّت بين 2014 و2017، التي اعترف بها الإبياري وأنكرها يوسف ندا، والتي كانت مع قيادات فيلق القدس وتبادل الخبرات والتنسيق في عمليات تتم في المنطقة واستهداف المملكة العربية السعودية ودول الخليج، فهذه لقاءات تمّت منذ فترة، بل المقصود تلك اللقاءات التي تمّت عبر وسطاء وتجاوزت الخطوط الحمراء الأمريكية، فكان عليها إطلاق رصاصة ترعب بها الآخرين ولا تقتل الهدف.

وقع القرار على الجماعة الإرهابية

قد لا يحدث تأثير كبير على تنظيم الإخوان الإرهابي في مصر، نظرًا لعدم ارتباط محمود الإبياري بالتنظيم المصري، ولكنّ تأثيره النفسي أكثر عمقًا، فقد بات كل فرد يعتقد أنّه مطارد حتى من حلفاء الماضي.

أمّا على مستوى التنظيم العالمي، فمن المتوقع أن يلجأ التنظيم إلى الأساليب التي اعتاد استخدامها لتجاوز القيود الأمريكية؛ أوّلها ولا شك التراجع عن أيّ خطوة غير محسوبة أو لا توافق عليها الإدارة الأمريكية، ثانيًا سيتم استخدام واجهات وكيانات بديلة، وهياكل تنظيمية جديدة لكيانات مالية واقتصادية تابعة للجماعة، بهدف الالتفاف على العقوبات والإفلات من إجراءات المراقبة والحظر، أخيرًا سيتم الحد من حركة محمود الإبياري وعدم الخروج كثيرًا من لندن، وسيتم تفويض مهامه إلى شخص آخر من الغامضين والمختبئين بين صفوف الجماعة.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية