
بعد عام على وقف إطلاق النار، تظل قضية المعتقلين الذين لا تتوافر معلومات مؤكدة عن مصيرهم من أكثر الملفات إيلاماً للعائلات الفلسطينية، فوقف القتال، إن تحقق، لا ينهي معاناة الذين ما يزالون خلف القضبان، ولا يبدد مخاوف ذويهم ما دامت أماكن احتجازهم وأوضاعهم الصحية غير معلومة.
وفي غزة، لا تنتهي معاناة العائلات عند اعتقال أبنائها، بل تبدأ رحلة قاسية من الانتظار والخوف، خصوصاً حين تغيب المعلومات عن أماكن احتجازهم وأوضاعهم الصحية، وبين الأمل والقلق، يعيش آباء الأسرى ألماً مضاعفاً، عاجزين عن معرفة مصير أبنائهم أو الاطمئنان على سلامتهم.
وفي تقرير صدر في 11 أيار/مايو 2026، قالت منظمة "هموكيد" الإسرائيلية لحقوق الإنسان إنّها تعاملت مع نحو 5400 طلب لتتبّع مصير أشخاص من غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وأضاف التقرير أنّ السلطات الإسرائيلية ردّت في 1848 حالة بأنّه لا توجد لديها "مؤشرات" على اعتقال الأشخاص المعنيين، رغم وجود شهادات شهود عيان في حالات عديدة.
ورفعت المنظمة 114 التماساً أمام المحكمة العليا الإسرائيلية، وقبلت المحكمة في 38 حالة موقف الدولة، وظلّ مصير الأشخاص المعنيين ومكان وجودهم مجهولاً.
وأكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في 5 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 أنّها لم تتمكن من زيارة أيّ معتقل فلسطيني في أماكن الاحتجاز الإسرائيلية منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. وطالبت بإبلاغها بأماكن احتجاز المعتقلين والسماح لها بزيارتهم، مشيرة إلى استمرار تلقي العائلات أسئلة بشأن مصير ذويها وأوضاعهم الصحية.
ووفق منظمة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان، بلغ عدد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية نحو 9300 معتقل حتى بداية تشرين الأول/أكتوبر 2026، من بينهم 350 طفلاً، و91 امرأة، و118 أسيراً محكوماً بالمؤبد.
وفي 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025 دخل اتفاق وقف إطلاق النار بين حركة حماس وإسرائيل حيز التنفيذ، لكنّ الأخيرة قتلت 1471 فلسطينياً وأصابت و5189 في أكثر من 5304 خروقات للاتفاق، وفق بيانات وزارة الصحة الفلسطينية والمكتب الإعلامي الحكومي بالقطاع.
مصير مجهول
يقول حسين عبدو (65 عاماً) من حي الشيخ رضوان بمدينة غزة: "اعتُقل نجلي أحمد (28 عاماً)، من داخل مستشفى الشفاء في مدينة غزة في 20 آذار/مارس 2024، ومنذ ذلك اليوم انقلبت حياتنا رأساً على عقب، ولم أعد أعرف عنه شيئاً، ولا أملك أيّ معلومة تطمئنني إلى مصيره، وأعيش كل يوم على أمل أن يصلني خبر يبدد خوفي".
ويضيف عبدو: "أكثر ما يؤلمني أنني لا أعرف أين يحتجزونه، ولا كيف يعيش أو ما إذا كان يعاني مرضاً أو يحتاج إلى علاج، وأفكر فيه ليلاً ونهاراً، وأتساءل إن كان يحصل على الطعام والرعاية الصحية، ولكنني أعجز عن الوصول إليه أو معرفة ما يمرّ به".
ويتابع: "حاولت البحث عن أيّ معلومة تكشف مكان احتجازه، وحتى اللحظة لا أعرف شيئاً مؤكداً، وكل يوم يمر يزيد قلقي، وكلما سمعت خبراً عن الأسرى، يعود الخوف ليخنقني من جديد، ولا أريد سوى معرفة الحقيقة والاطمئنان على سلامته".
ويواصل بحرقة: "في البيت لا يغيب ولدي عن أحاديثنا وتفكيرنا، نتذكره في تفاصيل حياتنا اليومية، ونتساءل متى نراه مجدداً، وأحاول أن أبدو قوياً أمام عائلتي، لكنني في داخلي أب أنهكه الانتظار، ويخشى أن يكون ابنه يتألم بعيداً عنه من دون أن يستطيع مساعدته".
ويكمل عبدو: "لا أطلب امتيازات أو شيئاً مستحيلاً، وأريد أن أعرف أين ابني، وأن أطمئن على صحته وظروف احتجازه، ومن حقنا أن نعرف مصيره، ومن حقه أن يحصل على الرعاية اللازمة وأن تصان حقوقه، ولا يجوز أن تبقى عائلته محرومة من أبسط معلومة عنه".
ويطالب عبدو المؤسسات الحقوقية والإنسانية بالتدخل لكشف مكان احتجاز نجله، ومعرفة وضعه الصحي، وضمان سلامته وحقوقه، موضحاً: "لقد طال الانتظار، وأصبح المجهول عبئاً لا يُحتمل، وكل ما أريده أن يصلني خبر يطمئن قلبي، وأن يأتي اليوم الذي يعود فيه ابني إلى عائلته".
حرية مثقلة بالخوف
"لم يكن اعتقالي نهاية حريتي فحسب، بل بداية أيام لا أعرف كيف أصف ثقلها"، بهذه الكلمات يستعيد المحرر أحمد حسان من قطاع غزة تجربة احتجازه، متحدثاً عن لحظات اعتقاله الأولى التي انقلبت فيها حياته رأساً على عقب.
يقول حسان (38 عاماً)، من حي النصر في مدينة غزة: إنّ "الخوف من المجهول رافقه منذ اللحظة الأولى، وإنّه لم يكن يعرف إلى أين يُقتاد، أو متى سيتمكن من رؤية عائلته مجدداً".
ويضيف: "أكثر ما بقي عالقاً في ذاكرتي هو شعوري بأنني فقدت السيطرة على كل شيء، ويوضح أنّ "الانتقال المفاجئ من حياته اليومية إلى الاحتجاز تركه في مواجهة أسئلة متلاحقة عن مصيره، وأنّ غياب المعلومات الواضحة عن مكان وجوده وما ينتظره كان من أصعب ما واجهه خلال تلك الفترة".
وعن ظروف الاحتجاز، يقول: إنّ "الأيام كانت تمرّ مثقلة بالقلق والإرهاق، وإنّ التفكير في أسرته لم يفارقه، خصوصاً مع انقطاع التواصل معها، وإنّ عدم معرفة ذويه بمكانه أو وضعه زاد من شعوره بالعجز، إذ لم يكن يعرف إن كانوا قد تلقوا أيّ معلومات عنه، أو ما إذا كانوا يواصلون البحث عن مصيره".
ويؤكد أنّ "آثار الاعتقال لم تتوقف عند لحظة الإفراج عنه، وأنّ العودة إلى الحياة خارج السجن لم تكن سهلة كما قد يتصور البعض، مبيناً: "خرجت من الاحتجاز، لكنني لم أستطع ترك التجربة خلفي دفعة واحدة، فاستعادة الشعور بالأمان تحتاج إلى وقت، وذكريات الاحتجاز تظل حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية".
وعن عائلته، يروي أنّ لقاءه بأحبائه بعد الإفراج عنه حمل مشاعر متناقضة بين الفرح بالعودة والألم بسبب ما عاشوه خلال فترة غيابه، ويكمل أنّ "أكثر ما أثر فيه هو إدراك حجم القلق الذي رافقهم، وما تحملوه من انتظار وأسئلة بلا إجابات، مؤكداً أنّ المعتقل لا يواجه الاحتجاز وحده، بل تعيش أسرته أيضاً تبعات الغياب والخوف على مصيره".
ويختم حسان حديثه بالتأكيد أنّ معرفة مصير المحتجزين والاطمئنان إلى أوضاعهم حق أساسي ينبغي ألّا تحجبه الظروف أو تطيل انتظاره، فالعائلات التي لا تعرف أماكن احتجاز أبنائها تعيش معاناة مستمرة، مطالباً بكشف مصير المعتقلين، وضمان حقوقهم القانونية والإنسانية، وتمكينهم من التواصل مع ذويهم ومحاميهم، حتى لا يبقى الانتظار فصلاً مفتوحاً في حياة أسرهم.
الإخفاء القسري جريمة مستمرة
بدوره، يرى أستاذ القانون العام في جامعة القدس، الدكتور أحمد عليان، أنّ "الإخفاء القسري يشكل جريمة بموجب القانون الدولي عندما يُحرم شخص من حريته على يد الدولة أو جهات تعمل بدعمها، ويعقب ذلك إنكار احتجازه أو إخفاء مصيره ومكان وجوده، بما يحرمه من الحماية القانونية".
ويضيف عليان أنّ "استمرار حجب مصير المعتقلين وحرمان عائلاتهم من معرفة أماكن احتجازهم يثير مسؤولية قانونية تستوجب الكشف الفوري عن مصيرهم، وضمان سلامتهم وحقوقهم، فوقف إطلاق النار لا ينهي الالتزامات القانونية تجاه المحتجزين، ولا يمنح أيّ جهة حق إبقائهم خارج الحماية والرقابة القانونية".
ويواصل أنّ "عزل المعتقل عن العالم الخارجي وحرمانه من الضمانات القانونية يضاعفان مخاطر التعذيب وسوء المعاملة، ويجعلان التحقق من سلامته أكثر صعوبة، كما أنّ منع الزيارات المستقلة يحرم العائلات من الاطمئنان على أبنائها، ويستوجب ضمان الوصول الإنساني والرقابة الفعالة على أماكن الاحتجاز".
ويكمل: "تبدأ الخطوة بتوثيق واقعة الاعتقال وشهادات الشهود، وتقديم طلبات رسمية لتحديد مكان الاحتجاز عبر محامٍ ومؤسسات حقوقية مختصة، ويمكن اللجوء إلى الآليات الأممية المعنية بالاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي، وأيّ إنكار للاحتجاز يجب توثيقه ومتابعته قانونياً، وصولاً إلى كشف الحقيقة وضمان المساءلة".
ويؤكد عليان أنّ " المساءلة تتطلب توثيق حالات الاعتقال والإنكار، وجمع شهادات المفرج عنهم وأسر المعتقلين، وإحالة الأدلة إلى الجهات القضائية والحقوقية المختصة، ولا تتحقق العدالة بمجرد معرفة مكان المعتقل، بل بالكشف عن مصيره، والتحقيق في الانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين، وإنصاف الضحايا وعائلاتهم بعد معاناة الانتظار والخوف".

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_9.jpg.webp?itok=Hcb3diFf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1_9.jpg.webp?itok=UTPKT8DU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%88%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_3.jpg.webp?itok=xYnwoZOt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%84_6.jpg.webp?itok=Dxmr0F8p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_6.jpg.webp?itok=sfXiAAhI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_17.jpg.webp?itok=GjcpY4Fo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_11.jpeg.webp?itok=0Rx6X1YL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_7.jpg.webp?itok=C3_-cDzL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%862_1.jpg.webp?itok=NbYf02g7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A97.png.webp?itok=zXaGxkqX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_18.jpg.webp?itok=vI_zXC6Y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_5.jpg.webp?itok=gkINRwYB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%88%D9%83%D8%B3%D9%84.jpeg.webp?itok=GEMUsrl5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B41_0.png.webp?itok=l1o-Vngl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A96.jpg.webp?itok=CMePW5Ll)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_4.jpg.webp?itok=Gl7LLx_y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132.jpg.webp?itok=XtB3llMF)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%A7%D9%83%D9%85%D9%8A%D8%A9_1.jpg.webp?itok=8TNniebr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86-1_0_4_2_0_0.png.webp?itok=w3xvpROk)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_14.jpg.webp?itok=aSKivHsG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_7.jpg.webp?itok=I6xdJcur)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84%200.jpg.webp?itok=wkrtYvi9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A8%D9%8A_0.jpg.webp?itok=tBMyYKB8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_9.jpg.webp?itok=iP0-4sjy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)
