
تتعامل التجربة الدستورية المعاصرة مع مسألة التشريع بوصفها جوهر السيادة وركيزة النظام العام، حيث تلتقي إرادة الأمة بمقتضيات استقرار الروابط القانونية بين الأفراد. غير أنّ الساحة الفكرية والسياسية في بلادنا ابتليت بتيار إيديولوجي عمد إلى نقل الصراع من مساره القانوني والحقوقي السليم إلى أفق عقائدي مغلق، رافعاً شعار الحاكمية في وجه الدستور، مدّعياً أنّ التشريع البشري يمثل خروجاً على سلطان السماء ومنازعة للذات الإلهية في حق الحكم. حين يقف القاضي أو رجل القانون المحترف أمام هذا الطرح، يكتشف على الفور أنّه لا يواجه اجتهاداً فقهياً يروم إصلاح المنظومة العدلية، بل يواجه التباساً مصطلحياً وبنيوياً خطيراً، يقوم على مصادرة مفهوم السيادة بمعناها الدستوري الحديث وإقحامها في سياق لاهوتي بهدف تجريد المجتمع من حقه الطبيعي والدستوري في إدارة شؤونه عبر قواعد قانونية قابلة للنقاش والتعديل والرقابة.
مفارقة السيادة: بين التجريد الأخلاقي وجهاز الإكراه الحديث
يقوم الفهم القانوني المتوارث في حضارتنا على حقيقة تاريخية لا تقبل الجدل: لم تكن الشريعة يوماً ما مدونة وضعية مركزية تفرضها سلطة بيروقراطية فوقية، بل كانت نتاج اجتهاد فقهي أهلي متعدد ومتنوع، يتسع لتباين الآراء ويتحرك في فضاء أخلاقي ومدني غير ملتصق بقوة الشرطة والجيش. أمّا الدولة الحديثة، فبنيتها تختلف جذرياً. إنّها جهاز احتكاري بالغ المركزية يملك وحده حق التشريع واحتكار وسائل الإكراه المادي، وفرض الولاء القانوني على كافة القاطنين داخل حدوده الجغرافية. وهنا تنكشف الخديعة البنيوية التي وقعت فيها التيارات الحركية، إذ توهمت أنّ بإمكانها الاستيلاء على هذه الماكينة البيروقراطية الحديثة لإقامة ما يسمّى الدولة الإسلامية، متناسية أنّ طبيعة الدولة الحديثة تبتلع أيّ مضمون أخلاقي وتفرغه من جوهره. فحين تتبنّى سلطة ما مقولة الحاكمية، فإنّها عملياً لا ترفع من شأن الحكم الديني، بل تضخم من سلطة الدولة القمعية، ذلك أنّ الحاكم أو الحزب الذي يحكم باسم النص المطلق يخلع على قراراته الإدارية وأجهزته الأمنية صفة العصمة والقداسة. والنتيجة الحتمية لهذا المسار ليست تطبيقاً للعدالة، بل ولادة كيان شمولي يستعير آليات الدولة الحديثة القمعية ليغلفها بغطاء لاهوتي يعطل كل مساءلة.
أكذوبة التقنين ومأزق التشريع الوضعي
تنكشف الهشاشة القانونية لمقولة الحاكمية بصورة جلية حين تضطر التيارات التي ترفعها إلى مواجهة استحقاقات الإدارة اليومية للدولة، فتلتجئ إلى ما يعرف بـ "تقنين الأحكام". والتقنين في تعريفه الفقهي والقضائي هو صياغة القواعد الإلزامية في نصوص ومواد قانونية مجردة ومرقمة يصدرها البرلمان أو الحاكم. إنّ التناقض الصارخ يبرز هنا، الذي يفضح وهم الحكم الإلهي في الفضاء التشريعي: إذا كان التراث الفقهي يزخر بعشرات الآراء المتباينة في المسألة الواحدة واختارت السلطة الحاكمة رأياً واحداً وصاغته في مادة قانونية ملزمة وعاقبت من يخالفها بالحبس أو الغرامة، فمن هو المشرع الفعلي في هذه الحالة؟ هل هو النص الديني المجرد، أم الموظف والنائب البشري الذي انتقى هذا الرأي دون سواه استجابةً لمقتضيات سياسية أو ظرفية؟ إنّ المشرع الوضعي في هذه اللحظة هو الذي يمارس التشريع بكامل بشريته ونقائصه ومصالحه، ولكنّه يمارس تدليساً قانونياً مفضوحاً حين يدّعي أنّ ما سُنّ في الجريدة الرسمية هو عين أمر الله. والنتيجة هنا بالغة الخطورة على استقرار المنظومة القضائية. لأنّ تحويل الظني إلى قطعي، وإلزام الناس برأي فقهي واحد بقوة السلاح، يقضي على روح الفقه التعددية، ويسقط في الوقت نفسه الصفة الدينية عن العمل التعبدي، محولاً إيّاه إلى مجرد إذعان مادي لأوامر السلطة الحاوية للجهاز التنفيذي.
تعطيل الرقابة الدستورية وتقويض مبدأ الشرعية
لا يستقيم مبدأ سيادة القانون دون خضوع كافة القرارات والمراسيم والتشريعات لمبدأ تدرج القواعد القانونية، حيث يتربع الدستور على قمة الهرم، تليه القوانين العامة ثم اللوائح والقرارات الإدارية. وشرط بقاء هذا الهرم الدستوري سديداً هو وجود رقابة قضائية مستقلة تتولاها محكمة دستورية عليا تملك الحق في إبطال أيّ نص تشريعي ينتهك حقوق المواطنين وحرياتهم الأصيلة. غير أنّ إقحام الحاكمية يدمر هذا البنيان من أساسه، فإذا كانت النصوص الصادرة عن السلطة تحظى بصفة التشريع الإلهي، فبأيّ معيار يملك القاضي الدستوري ممارسة رقابته؟ إنّ الرقابة القضائية تقوم على فحص دستورية النصوص وفق معايير موضوعية وإنسانية توافق عليها المجتمع في عقده الاجتماعي. فإذا تحول النص التشريعي إلى نص مقدّس معصوم، فإنّ أيّ طعن فيه بعدم الدستورية سيعدّ في منطق الفكر الحركي ضرباً من التجديف والردة، لا مجرد خلاف قانوني مشروع.
وبذلك تعزل المحاكم عن دورها الرقابي، ويضرب مبدأ فصل السلطات في مقتل، لتنتقل السلطة التشريعية والقضائية معاً إلى أيدي لجان فقهية أو هيئات دينية غير منتخبة ولا خاضعة لأيّ مساءلة شعبية، ممّا يطيح بضمانة المحاكمة العادلة وبالمبدأ الجنائي الراسخ: لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني صادر عن سلطة شرعية معلومة.
في ضرورة الحياد الدستوري لحماية الإنسان والضمير
إنّ مآل التحليل الدستوري الهادئ يضعنا أمام حقيقة قاطعة: لا وجود لما يُسمّى تشريعاً إلهياً يدير تفاصيل الدولة الحديثة المعقدة؛ فالقانون في نهاية المطاف ليس إلا حيلة بشرية نبيلة، تواضع عليها العقل الإنساني لدرء الفوضى وتنظيم المعاملات وردع المظالم. إنّ قوة مبدأ سيادة القانون لا تنبع من كونه معصوماً بل على النقيض تماماً، تنبع من اعترافه بنسبيته وقابليته للخطأ والمراجعة المستمرة تحت رقابة الرأي العام واستقلال القضاء. أمّا مقولة الحاكمية، فليست سوى استعارة مشوهة لمفهوم السيادة الشمولية في القرن العشرين، أُريد بها انتزاع حق الشعب في تقرير مصيره ومصادرة سلطته التأسيسية لحساب فئة تدّعي احتكار الوصاية على الإيمان. إنّ صيانة كرامة الإنسان وحفظ السلم الأهلي وحماية الضمير الديني من الانحطاط في حمأة التنازع الحزبي، تتطلب جميعاً التمسك الحاسم بالدولة الدستورية ذات السيادة الوطنية المحايدة، حيث يقف الجميع أمام نصوص القانون متساوين دون تمييز، وتظل نصوص الدساتير عقداً اجتماعياً حراً بين مواطنين يشرعون لأنفسهم ما يصلح دنياهم، وتترك للضمائر الفردية حريتها المطلقة في التوجه إلى بارئها بلا وصي ولا رقيب.
المصادر والمراجع:
1 ـ وائل حلاق، الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، 2014.
2 ـ د. عبد الرزاق أحمد السنهوري، فقه الخلافة وتطورها لتصبح عصبة أمم شرقية، دار الشروق، القاهرة، 1993.
3 ـ د. سليمان محمد الطماوي، السلطات الثلاث في الدساتير العربية المعاصرة وفي الفكر الإسلامي: دراسة مقارنة، دار الفكر العربي، القاهرة، 1996.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%84_5.jpg.webp?itok=X2IbcfVa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%84_9.jpg.webp?itok=KGlliuVz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%88%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_2.jpg.webp?itok=ABIqH62X)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%860_1.png.webp?itok=L2H8EuWq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84%200_1.jpg.webp?itok=EbJT_cKR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A_2.jpg.webp?itok=P3ihZFtL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D9%88%D8%AD%D8%A9_2.jpg.webp?itok=qyNSW9Pk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_6.jpg.webp?itok=vWlGvHUp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%86%D9%8A%D8%B1%20%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A8_1.jpg.webp?itok=Xh_lxKeo)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A96.jpg.webp?itok=CMePW5Ll)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_4.jpg.webp?itok=Gl7LLx_y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132.jpg.webp?itok=XtB3llMF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B41_0.png.webp?itok=l1o-Vngl)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_8.jpg.webp?itok=KjWK4U2t)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B1%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86.png.webp?itok=aRRUufMC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86-1_0_4_2_0_0.png.webp?itok=w3xvpROk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%A7%D9%83%D9%85%D9%8A%D8%A9_1.jpg.webp?itok=8TNniebr)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_14.jpg.webp?itok=aSKivHsG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84%200.jpg.webp?itok=wkrtYvi9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_7.jpg.webp?itok=I6xdJcur)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_129.jpg.webp?itok=aju99hfl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A8%D9%8A_0.jpg.webp?itok=tBMyYKB8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_9.jpg.webp?itok=iP0-4sjy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)
