
ي كل صباح تستيقظ نسرين حمدان (36 عاماً) في خيمتها بمخيم النصيرات وسط قطاع غزة، على أسئلة لم تكن جزءاً من حياتها قبل الحرب: من أين ستأتي مياه الشرب اليوم؟ هل تكفي الكمية الموجودة؟ وأين يمكن تخزينها بعيداً عن الحرارة والغبار؟
نسرين نزحت من مخيم جباليا شمال قطاع غزة في 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2023، ومنذ ذلك الوقت أصبحت المياه جزءاً من تفاصيل حياتها اليومية، لا باعتبارها مورداً متاحاً بصورة طبيعية، وإنّما ضرورة ينبغي البحث عنها والانتظار من أجلها وتدبير استخدامها حتى اليوم التالي.
ووفق تقرير OCHA بتاريخ 14 آب/أغسطس 2026 يستند إلى مسح WASH أجري في أوائل تموز/يوليو، يقول: إنّ 90% من السكان يعانون من انقطاعات متكررة وغير متوقعة في الوصول إلى مياه آمنة ونظيفة وموثوقة للشرب والطبخ والنظافة.
وبحسب OCHA، فإنّ نحو 75% من سكان غزة يعتمدون على نقل المياه بالشاحنات كمصدر رئيسي للحصول على مياه الشرب في نهاية تموز/يوليو 2026، وكانت الجهات الإنسانية تنقل 20850 متراً مكعباً يومياً إلى 2634 نقطة.
وفي تقرير OCHA بتاريخ 19 آذار/مارس 2026 ورد أنّ خط مياه "ميكوروت" الذي يغذي مدينة غزة كان يعمل عند نحو 65% من طاقته، وينتج قرابة 15 ألف متر مكعب يومياً، لكنّ نحو 70% من المياه كانت تفقد بسبب تضرر شبكات التوزيع، وأنّ ملوحة بعض مصادر المياه الجوفية كانت مرتفعة جداً ولا تصلح للشرب والطبخ.
الماء... هاجس يومي
تقول نسرين: "قبل الحرب لم نكن نفكر بالمياه بهذه الطريقة، كان الماء متوفراً في البيت، ونستخدمه للشرب والطبخ والغسيل من دون أن نفكر كثيراً في مصدره أو في المدة التي سيبقى فيها داخل الخزان، أمّا الآن فقد أصبحت المياه هاجساً يومياً".
لكنّ وصول المياه إلى مكان النزوح لا يعني بالنسبة إلى نسرين انتهاء الرحلة، إذ تبدأ بعدها مرحلة التخزين والاستخدام داخل الخيمة. تقول: "عندما نحصل على المياه، نحاول أن نضعها في عبوات نظيفة ونغلقها جيداً، لكن في الخيمة لا توجد ظروف مثالية للتخزين، فالمكان ضيق، والغبار موجود، والحرارة مرتفعة، وأحياناً لا يكون لدينا مكان بارد نضع فيه العبوات".
ولا تعرف نسرين في كل مرة مصدر المياه أو ما إذا كانت خضعت لفحص حديث قبل وصولها إليها، وتوضح: "نحن نرى المياه تصل، لكن لا نرى ما يحدث قبل ذلك، ولا نعرف إذا كان هناك فحص للمياه، ولا نعرف إذا كان الصهريج يتم تنظيفه بشكل منتظم".
وتعيد الأسرة استخدام العبوات بسبب محدودية الموارد، وتحاول تنظيفها وإغلاقها وتخزينها في المكان الأقلّ تعرّضاً للشمس، لكنّ ظروف الخيمة تجعل الحفاظ على المياه مهمة شاقة، خصوصاً مع وجود الأطفال وارتفاع درجات الحرارة.
وتكمل نسرين: "لو كان عندي إمكانية أن أشتري عبوة جديدة كل مرة، ربما أفعل ذلك، لكن في النزوح هناك أولويات كثيرة، والمياه نفسها أهم شيء".
وبينما تحاول الأسرة حماية المياه بما هو متاح، يبقى القلق الأكبر بالنسبة إليها ما لا تستطيع رؤيته أو التحقق منه، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأطفالها. وتواصل نسرين: "الطفل لا يعرف إذا كان الماء آمناً أم لا، وعندما يعطش يشرب، ونحاول أن ننتبه إلى كل شيء، لكن في النهاية لا نستطيع أن نعرف إذا كانت المياه نظيفة فعلاً إلا إذا كان هناك فحص".
وفي خيمتها، تعود نسرين إلى ترتيب العبوات، وتغلق إحداها بإحكام وتنقل أخرى إلى مكان أقلّ تعرّضاً للشمس، ثم تضع كوباً بجوارها، وبالنسبة إليها، تبدو المياه صافية، لكنّ ذلك لا يجيب عن السؤال الذي لا تستطيع رؤيته: ماذا يوجد داخل هذه القطرة؟
بين التعبئة والوصول... أين تفحص المياه؟
وعند السادسة صباحاً يبدأ خليل شاهين يومه من محطة تعبئة المياه في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، في ذلك الوقت يكون صهريج شاحنته قد اصطف بانتظار التحميل، لتبدأ رحلة جديدة نحو الأسر التي تترقب وصول المياه في مناطق النزوح، حيث تحول الحصول على بضعة لترات إلى جزء من معركة البقاء اليومية.
ويحمل الصهريج 10 آلاف لتر من المياه في الرحلة الواحدة، ويقوم شاهين برحلتين يومياً، أي نحو 20 ألف لتر ينقلها خلال يوم عمل واحد، أرقام تبدو كبيرة على الورق، لكنّها تتقلص سريعاً أمام أعداد الأسر التي تنتظر، واتساع الحاجة في مناطق النزوح، وغياب شبكة مياه مستقرة يمكن الاعتماد عليها.
لكن بالنسبة إلى شاهين، فإنّ الرحلة لا تبدأ بسؤال عن جودة المياه، وإنّما بسؤال أكثر بساطة وخطورة في آنٍ واحدٍ: إلى أين ستذهب هذه الكمية؟.
فكل رحلة تحمل آلاف اللترات، لكنّها تحمل معها أيضاً سلسلة من الأسئلة التي لا تظهر على سطح الصهريج: من أين جاءت المياه؟ هل خضعت للفحص قبل تعبئتها؟ متى كان آخر فحص لمصدرها؟ هل جرى تعقيم الخزان؟ وهل بقيت المياه آمنة خلال الطريق والتفريغ والتخزين؟.
وفي غزة، لم تعد قطرة الماء مجرد حاجة للشرب، أصبحت جزءاً من سلسلة إمداد معقدة، تبدأ من مصدر مائي مضغوط وتنتهي داخل كوب طفل نازح، وبين النقطتين تمرّ المياه عبر محطات تعبئة وصهاريج وخزانات وعبوات، وكل مرحلة منها قد تفتح باباً جديداً لاحتمالات التلوث.
ويعرف شاهين أنّ المياه التي ينقلها مخصصة للشرب، لكنّه لا يستطيع تحديد طبيعة معالجتها، ويكمل: "أعرف أنّها مخصصة للشرب، لكن لا أستطيع أن أعرف إذا كانت المياه مُحلاة أم لا".
هذه المعلومة لا يحددها شاهين بنفسه، ولا يعتمد في تحديدها على فحص يجريه داخل الصهريج، وبحسب إفادته، فإنّ الجهة التي تموّل المياه العذبة هي التي تحدد أنّها مخصصة للشرب.
لكن عند سؤال شاهين عن الفحص، تظهر فجوة أخرى في رحلة المياه، إذ يعتقد أنّ المياه لا تخضع للفحص أثناء التعبئة أو خلال نقلها بالصهريج.
وهنا تنتقل القصة من مجرد رحلة نقل إلى سؤال يتعلق بالرقابة، فالمياه التي تصل إلى الصهريج تكون مخصصة للشرب، وفق الجهة الممولة، لكنّ السائق لا يملك معلومات حول طبيعة معالجتها، ولا تجري أمامه عملية فحص أثناء التعبئة أو النقل.
أمّا الصهريج نفسه، فيخضع للتنظيف ثلاث مرات أسبوعياً، لكنّ عملية التنظيف تبقى رهينة بما هو متاح في ظل ظروف الحرب ونقص مواد التعقيم، ويقول شاهين: "أنظف الصهريج ثلاثة أيام في الأسبوع باستخدام المياه الجارية فقط".
وإذا كانت عملية تنظيف الصهريج تقتصر على الشطف بالمياه الجارية، فمن يضمن أن يظل الخزان آمناً لنقل مياه الشرب، وألّا تتحول عملية التنظيف نفسها إلى حلقة غير كافية لمنع إعادة التلوث؟
وهذه المعلومة لا تعني بحدّ ذاتها أنّ الصهريج ملوث أو أنّ المياه التي ينقلها غير صالحة للشرب، لكنّها تفتح سؤالاً يحتاج إلى إجابة من مختصين في سلامة المياه: هل تكفي عملية التنظيف بالمياه الجارية وحدها لضمان النظافة الصحية لصهريج مخصص لنقل مياه الشرب؟.
وهنا يبرز سؤال: إذا كان الصهريج الذي يحمل آلاف لترات مياه الشرب لا يخضع للتعقيم، فمن يضمن أنّ الرحلة من مصدر المياه إلى المستهلك لا تتحول إلى طريق مفتوح للتلوث؟
ولا تصل مياه الشرب إلى سكان غزة عبر منظومة واحدة، فهناك مياه تنتجها محطات تحلية، وأخرى تستخرج من الآبار، ويعتمد جزء كبير من السكان على مياه تنقلها الصهاريج، بعضها ضمن برامج WASH الإنسانية، وأخرى يوفرها القطاع الخاص أو مبادرات محلية.
هذا التعدد في المصادر والجهات يفتح سؤالاً أكثر تعقيداً من مجرد معرفة ما إذا كانت المياه تُفحص: من يضمن أنّ المياه التي تصل إلى النازح خضعت للفحص، وأنّ نتيجتها قابلة للتتبع، وأنّ جهة ما تتدخل عندما تظهر نتيجة غير مطابقة؟
ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (UN OCHA)، ففي نهاية تموز/يوليو 2026 كان 65 شريكاً يضخون مياه الشرب بالصهاريج إلى 2634 نقطة توزيع، وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى وجود إمدادات من القطاع الخاص إلى جانب مياه ينقلها شركاء WASH.
وتعاني 82% من الأسر في غزة انعداماً في الأمن المائي، وما يصل إلى 70% من الأسر لا تستطيع الوصول إلى 6 لترات من المياه للفرد يومياً، وفق تحديث اليونيسف في تموز/يوليو 2026.
ويعتمد أكثر من 70% من سكان غزة على المياه المنقولة بالصهاريج، وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) في حزيران/يونيو 2026.
وانخفض إنتاج المياه في غزة بنحو 20% خلال أيار/مايو 2026 مقارنة بشهرين سابقين، ويرتبط ذلك بنقص المواد الكيميائية وقطع الغيار، وفق OCHA.
الماء يكشف المستور
ولأنّ العين لا تستطيع أن تحدد سلامة المياه، لم يتوقف التحقيق عند ما يمكن رؤيته أو سماعه من الأسر النازحة، كان لا بدّ من إخضاع المياه نفسها للفحص.
وفي 10 آب/أغسطس 2026 أخذت عينتان مصنفتان في تقرير المختبر على أنّها مياه شرب من غزة، وحملت العينة الرقم ANL-260811-048، من صهريج المياه، والعينة رقم ANL-260811-049، من عبوة مياه أحد النازحين أثناء تعبئتها من الصهريج نفشه، وجرى تحليلها في 11 آب/أغسطس 2026 لدى مختبر النور لفحص جودة المياه.
ولم تكن العينة ملونة أو موصوفة في التقرير بأنّها غير صالحة ظاهرياً، بل سُجلت حالتها عند وصولها إلى المختبر بأنّها "مقبولة" للتحليل.
لكنّ المقارنة بين العينتين كشفت أنّ مؤشرات جودة المياه لم تكن مطابقة لما يفترض أن تكون عليه مياه الشرب، ففي العينة رقم 48، أظهر الفحص وجود بكتيريا Escherichia coli بواقع 18 وحدة مكونة للمستعمرات لكل 100 مل، مقابل قيمة مرجعية قدرها صفر، وصنفت النتيجة على أنّها "غير مطابقة"، أمّا البكتيريا القولونية الكلية (Total Coliform Bacteria) فسجلت 42 وحدة مكونة للمستعمرات لكل 100 مل، مقابل قيمة مرجعية صفر، وصنفت كذلك "غير مطابقة".
وفي المؤشرات الفيزيائية والكيميائية، بلغت العكارة في العينة رقم 48 نحو 7.4 NTU، متجاوزة القيمة المرجعية البالغة 5 NTU، بينما سجل الرقم الهيدروجيني pH نحو 8.6، متجاوزاً الحد الأعلى للنطاق المرجعي البالغ 8.5، وبلغ الكلور الحر المتبقي 0.05 ملغم/لتر، وهو أقلّ من النطاق المرجعي الوارد في التقرير، الذي يتراوح بين 0.2 و0.5 ملغم/لتر، في المقابل جاءت المواد الصلبة الذائبة الكلية (TDS) عند 820 ملغم/لتر، والتوصيل الكهربائي عند 1280 ميكروسيمنز/سم، ضمن القيم المرجعية المذكورة في التقرير.
لكنّ اللافت أنّ العينة رقم 49، التي جُمعت من جالون مياه تابع لأحد النازحين، أظهرت مستويات أعلى قليلاً من العينة رقم 48، فقد ارتفع تركيز E. coli إلى 24 وحدة مكونة للمستعمرات لكل 100 مل، مقابل 18 في العينة الأولى، بينما سجلت البكتيريا القولونية الكلية 55 وحدة مكونة للمستعمرات لكل 100 مل، مقارنة بـ42 وحدة في العينة رقم 48، وفي الحالتين كانت القيمة المرجعية المذكورة في التقرير صفراً.
وامتد الفارق إلى بعض المؤشرات الأخرى، إذ ارتفعت العكارة في العينة رقم 49 إلى 9.1 NTU، مقارنة بـ7.4NTU في العينة رقم 48، وسجل الرقم الهيدروجيني 8.8، مقابل 8.6 في العينة الأولى، أمّا الكلور الحر المتبقي فبلغ 0.07 ملغم/لتر في عينة الجالون، وهو أعلى قليلاً من 0.05 ملغم/لتر في العينة رقم 48، لكنّه ظل أدنى من النطاق المرجعي الوارد في التقرير.
وفي المقابل، سجلت عينة الجالون 870 ملغم/لتر من المواد الصلبة الذائبة الكلية و1350 ميكروسيمنز/سم من التوصيل الكهربائي، مقارنة بـ820 ملغم/لتر و1280 ميكروسيمنز/سم على التوالي في العينة رقم 48، مع بقاء القيمتين ضمن الحدود المرجعية المذكورة في التقرير.
وهكذا، لا تكشف المقارنة عن وجود مؤشر غير مطابق في عينة واحدة فقط، بل تظهر أنّ العينتين معاً حملتا مؤشرات بكتيرية وفيزيائية وكيميائية غير مطابقة، مع تسجيل العينة المأخوذة من جالون النازح مستويات أعلى قليلاً في عدد من المؤشرات، ولا سيّما E. coli والبكتيريا القولونية الكلية والعكارة والـpH.
وفي خانة الخلاصة، صنفت كلتا العينتين على أنّهما "غير آمنتين لأغراض الشرب" وفق ما ورد في تقارير الفحص، بسبب عدم مطابقتهما للقيم المرجعية المذكورة فيهما، غير أنّ هذه النتائج، بحد ذاتها، لا تكفي لإثبات أنّ التلوث حدث داخل الصهريج أو أثناء تعبئة الجالون، فهي تثبت حالة العينتين وقت الفحص.
وتكتسب المقارنة أهمية خاصة لأنّ العينة رقم 49 لم تكن مجرد عينة أخرى من المصدر نفسه، بل عينة من المياه بعد وصولها إلى جالون أحد النازحين، وبما أنّ العينة رقم 48 أخذت من الصهريج نفسه وفي الفترة الزمنية ذاتها أو من الدفعة ذاتها، فإنّ ارتفاع بعض المؤشرات في عينة الجالون قد يفتح سؤالاً تحقيقياً إضافياً: هل حدثت مستويات أعلى في التلوث خلال مرحلة النقل أو التعبئة أو التخزين أو التعامل مع المياه بعد مغادرتها الصهريج؟
وهذه عينة واحدة، مأخوذة في مكان ووقت محددين، ولا يمكن استخدامها وحدها للقول إنّ جميع مياه الشرب في غزة تحمل النتائج نفسها.
والسؤال الأهم الذي تطرحه العينتان هو شيء آخر: كيف وصلت هذه المياه إلى الحالة التي أظهرتها نتائج المختبر؟ وهل المشكلة في المصدر؟ أم في المعالجة؟ أم في عملية التعبئة؟ أم في الصهريج؟ أم في التخزين؟ أم أنّ التلوث حدث في مرحلة لاحقة؟ ولا تستطيع العينة وحدها الإجابة عن هذه الأسئلة، لكنّها تفعل شيئاً أكثر أهمية بالنسبة إلى التحقيق: تنقل النقاش من الاحتمال إلى دليل مخبري يتعلق بعينة حقيقية.
ولو وضعت هذه المياه أمام شخص داخل خيمة، فقد لا يستطيع أن يعرف من خلال النظر إليها أنّها حملت هذه النتائج، ولا يمكن للعين المجردة أن تكشف هذه النتائج، وهنا تتضح المفارقة التي يعيشها النازحون: المياه التي تبدو آمنة ليست بالضرورة مياهاً ثبتت سلامتها.
من الماء إلى المرض
وإذا كانت المياه قد تحمل مؤشرات ميكروبية، فالسؤال التالي يصبح صحيّاً، ماذا يمكن أن يعني ذلك بالنسبة إلى الإنسان الذي يشربها؟
ويُحذّر الدكتور شريف نبهان، اختصاصي الصحة العامة، من أنّ "وصول المياه إلى الأسرة لا يعني بالضرورة بقائها صالحة للشرب، إذ يمكن أن تتغير جودتها نتيجة ظروف التخزين والتداول، خصوصاً في بيئة النزوح".
ويؤكد أنّ "إعادة استخدام العبوات لا تعني تلقائياً تلوث المياه، لكنّ مستوى الخطر يرتبط بنوع العبوة ونظافتها وطريقة غسلها وتجفيفها وإغلاقها ومدة التخزين وطريقة التعامل معها".
ويشير نبهان إلى أنّ "بعض الملوثات الميكروبية لا يمكن اكتشافها بالعين أو الرائحة أو الطعم، لذلك فإنّ صفاء المياه لا يمثل دليلاً كافياً على سلامتها، موضحاً أنّ الفحص المخبري هو الوسيلة الأكثر موثوقية للتحقق من مؤشرات محددة لجودة المياه، بحسب نوع الفحص والإمكانات المتاحة".
ويلفت إلى أنّ "ملامسة فوهة العبوة بالأيدي، أو استخدام أدوات غير نظيفة، أو تركها مفتوحة، قد يزيد فرص انتقال الملوثات، وقد تؤثر نظافة خزانات التخزين وأغطيتها في جودة المياه، خصوصاً إذا كانت مُعرضة للغبار أو الحشرات أو الأوساخ، أمّا ارتفاع الحرارة، فلا يعني وحده أنّ المياه أصبحت غير صالحة للشرب، لكنّه يصبح عاملاً يستدعي مزيداً من الحذر عندما يقترن بسوء التخزين أو تكرار فتح العبوة".
ويُحذّر نبهان من تحميل الأسر النازحة وحدها مسؤولية سلامة المياه، موضحاً أنّ "إعادة استخدام العبوات قد تكون نتيجة لنقص الموارد، وأنّ الوقاية تتطلب توفير مياه آمنة، ووسائل تخزين مناسبة، وخدمات صرف صحي ونظافة جيدة، إلى جانب الفحوصات المنتظمة".
وفي الجانب الصحي، يشدد نبهان على ضرورة تجنب الربط المباشر بين أيّ مرض ومصدر مياه محدد من دون دليل طبي ومخبري، موضحاً أنّ الإسهال والعدوى المعوية قد تنتج عن المياه أو الغذاء أو سوء النظافة أو الازدحام أو عوامل بيئية أخرى، ويؤكد أنّ جودة المياه تظل عنصراً أساسياً في الوقاية من الأمراض، خصوصاً في أماكن النزوح المكتظة.
ويختصر نبهان جوهر المشكلة في أنّ "الحصول على المياه لا يكفي، فالمستهلك يحتاج إلى معرفة هل المياه آمنة، وكيف خزنت ونقلت، وهل توجد رقابة مستمرة على جودتها، وبالنسبة إلى نتائج الفحص التي توصل إليها التحقيق، فهي تثبت حالة العينات وقت أخذها وتحليلها، لكنّها لا تحدد وحدها النقطة التي حدث فيها التلوث أو المسؤول عنه، وهو ما يتطلب تتبع رحلة المياه وفحص حلقاتها المختلفة".
من يتحمل مسؤولية القطرة؟
بدوره، يقول المدير العام للتخطيط والمياه والصرف الصحي، المهندس ماهر سالم: إنّ "المياه قد تتعرض للتلوث في أيّ مرحلة من رحلتها، من المصدر والمعالجة والتعبئة والنقل بالصهاريج، وصولاً إلى التخزين والاستخدام المنزلي".
ويضيف سالم أنّ "النقل والتخزين والتداول عند نقطة الاستهلاك من أكثر الحلقات حساسية، خصوصاً في ظروف النزوح، إذ قد تصل المياه آمنة من المصدر ثم تتلوث بسبب صهريج غير نظيف، أو خزان مكشوف، أو أدوات سحب ملوثة".
ويشدد سالم على أنّ "سلامة المياه لا تقاس بفحصها عند المصدر فقط، بل بسلامتها من المصدر حتى كوب المستهلك، موضحاً أنّ أيّ خلل في إحدى الحلقات قد يحوّل مياهاً آمنة إلى مصدر محتمل للخطر، مبيناً أنّ لكل مرحلة مسؤولية محددة وموثقة، تشمل الجهة المشغلة للمصدر، ومالكي الصهاريج، وإدارات مواقع النزوح ونقاط التوزيع، والبلديات، ووزارة الصحة، ومصلحة مياه الساحل، والجهات الداعمة، مع توثيق كل عينة وتاريخها ونتيجتها والجهة المسؤولة عنها.
ويشير إلى أنّ "الفحوصات يجب أن تكون منتظمة وتشمل نقاط الخطر على امتداد سلسلة الإمداد، لا أن تقتصر على المصدر، لافتاً إلى أنّ الواقع قد يشهد فحوصات عشوائية أو غير منتظمة، ممّا يطرح تساؤلات حول إمكانية تتبع جودة المياه من مصدرها حتى المستهلك، مشيراً إلى ضرورة وجود رقابة صحية مستقلة، وآلية واضحة للتوثيق والمساءلة، وقدرة على وقف التوزيع عند ظهور نتائج غير آمنة".
ويؤكد سالم أنّ "خزانات المياه والعبوات المنزلية قد تشكل نقاطاً لإعادة التلوث، خصوصاً في مخيمات النزوح المكتظة التي تعاني ضعف خدمات الصرف الصحي والنظافة، ويوصي بأن تكون الخزانات مغلقة ومحكمة وقابلة للتنظيف والتطهير، وأن تنظف أوعية التخزين المنزلية بانتظام، مع تقليل ملامسة الأيدي والأدوات للمياه، لأنّ تكرار التعبئة والنقل والتخزين في ظروف صعبة يزيد احتمالات فقدان المياه لسلامتها".
وفي حالات الطوارئ، يضع سالم المخاطر الميكروبيولوجية في مقدمة الأولويات، موضحاً أنّ الإشريكية القولونية (E. coli) مؤشر مهم على التلوث البرازي ويستدعي التحقيق الفوري عند اكتشافها، إلى جانب متابعة الكلور الحر المتبقي، والعكارة، ودرجة الحموضة، وغيرها من المؤشرات الكيميائية التي يحددها مصدر المياه والظروف المحلية، مشيراً إلى أنّ وجود E. coli لا يعني خطر هذه البكتيريا وحدها، بل قد يكون إنذاراً لاحتمال وجود مسببات مرضية أخرى ومؤشراً على فشل أحد حواجز السلامة.
ويخلص سالم إلى أنّ "تعدد مصادر المياه في غزة، من الصهاريج ومحطات التحلية والآبار والشبكة المحدودة، يجعل فحص المصدر وحده غير كافٍ للحكم على سلامة المياه عند نقطة الاستهلاك، وإذا ثبت تلوث المياه، فيجب تحديد المرحلة التي حدث فيها الخلل، وعزل المصدر أو الخزان المشتبه به، ووقف التوزيع عند الضرورة، وإعادة التطهير وسحب عينات تأكيدية".
ويؤكد سالم أنّ جوهر "خطة سلامة المياه" هو الوقاية من التلوث قبل وصولها إلى المستهلك، وأنّ معيار نجاح منظومة المياه ليس كمية المياه الموزعة، بل كمية المياه الآمنة التي تصل إلى فم الإنسان.
وفي شباط/فبراير 2026 كان شركاء قطاع المياه والصرف الصحي والنظافة (WASH) يضخون نحو 19969 متراً مكعباً من مياه الشرب يومياً عبر 2146 نقطة توزيع في مختلف أنحاء القطاع، وفق بيانات WASH التي نقلها OCHA.
وبحسب اليونسيف فإنّهم يوفرون مع الشركاء المياه النظيفة لأكثر من 1.6 مليون شخص، بينهم أكثر من 600 ألف طفل، في أجزاء من مدينة غزة والوسط والشمال.
وتشير بيانات اليونيسف إلى أنّ نحو نصف الأسر في غزة كانت تحصل على أقلّ من الحد الإنساني الأدنى البالغ 6 لترات للفرد يومياً للشرب والطهو في تشرين الأول/أكتوبر 2025.
وباتت منظومة المياه موزعة بين عشرات الجهات، وبعض المياه تصل عبر برامج إنسانية منظمة، بينما تصل أخرى عبر مبادرات أو متبرعين أو موردين.
ووثقت الأمم المتحدة في حزيران/يونيو أنّ شركاء WASH اضطروا إلى تنظيم ورش عملية لـ 62 موظفاً من الجهات العاملة في نقل المياه بسبب تكرار انخفاض مستويات الكلور، وجرى تدريب عاملين على إجراءات الكلورة الصحيحة.
رقابة من المصدر إلى المستهلك
يقول المهندس محمد العبويني، مدير توزيع المياه في مصلحة مياه بلديات الساحل: إنّ "قطاع غزة يعمل ضمن منظومة لفحص ومتابعة جودة مياه الشرب في إطار مجموعة المياه والصرف الصحي والنظافة (WASH Cluster)، التي تديرها اليونيسف بمشاركة أكثر من 52 مؤسسة دولية ومحلية، إلى جانب مصلحة مياه بلديات الساحل".
ويضيف العبويني أنّ: "وفق المواصفات المعتمدة، يجب أن تكون مياه الشرب خالية تماماً من بكتيريا الإشريكية القولونية (E. coli)، وتبدأ آلية الفحص بقياس الكلور الحر، فإذا تجاوز 0.2 ملغم/لتر، لا يجرى وفق الآلية المتبعة فحص بكتيري إضافي، بينما يستدعي انخفاضه عن هذا الحد إجراء فحوص للتلوث الميكروبي".
ويشرح أنّ "الفحص يتم عبر ثلاث مراحل رئيسية: مصدر الإنتاج، والصهاريج الناقلة، وأوعية التخزين لدى المستفيدين، وتجري المصلحة فحوصات يومية لمصادر الإنتاج والصهاريج تشمل الملوحة والكلور الحر، للتأكد من بقائه بين 0.2 و0.5 ملغم/لتر، إلى جانب فحوص أسبوعية أشمل للتحقق من التلوث البكتيري".
ويؤكد أنّ "نتائج الفحوصات موثقة ومحددة المصدر والإحداثيات، وترفع إلى قاعدة بيانات مشتركة مع WASH Cluster واليونيسف ووزارة الصحة ومنظمة الصحة العالمية، وفي حال اكتشاف تلوث، توقف المحطة أو الصهريج المعني، وتباشر الفرق المختصة تحديد مصدر الخلل وإجراء التعقيم والمعالجة والفحوصات التأكيدية، ولا يعاد التشغيل قبل التأكد من سلامة المياه".
ويشير العبويني إلى أنّ "التلوث قد ينشأ من مصادر متعددة، من تلوث المياه الجوفية قرب الآبار، إلى النقل إذا تعرّض الصهريج لمياه الصرف الصحي أو لم يخضع للتنظيف والتعقيم الدوري، أو التخزين نتيجة عدم تنظيف الجالونات والخزانات، لذلك، تتحدد المسؤولية بحسب مكان حدوث الخلل وسببه، وقد يرتبط التلوث بإهمال أو تقصير، مثل عدم انتظام الكلورة أو تعقيم الصهاريج أو ضعف إجراءات تخزين المياه".
ويضيف أنّ "المصلحة تستقبل شكاوى مياه الشرب عبر قنوات مخصصة، وتحيل بلاغات التلوث إلى دائرة المختبرات للتحقق والمتابعة، وتتمثل الإجراءات الوقائية، وفق العبويني، في كلورة المياه، وتعقيم الصهاريج والخزانات دوريا، والفحص المنتظم، والاستجابة السريعة للشكاوى والنتائج غير المطابقة، مع اتخاذ إجراءات تصحيحية تتناسب مع مصدر الخلل وحجمه".
ويؤكد العبويني أنّ "ظهور التلوث لا يعني بالضرورة تعمدا، لكنّ ثبوت الإهمال يستوجب اتخاذ الإجراءات وفق الأنظمة المعمول بها، وبذلك، فإنّ السؤال لا يقتصر على ما إذا كانت المياه تفحص، بل على ما إذا كان نظام الفحص قادراً على اكتشاف الخلل، وتحديد موقعه، ووقف مصدر المياه قبل وصولها إلى المستهلك".
بعد المصدر تبدأ المخاطر
ويؤكد فادي أبو شنب، مدير دائرة المختبرات في مصلحة مياه بلديات الساحل، أنّ المصلحة كثفت خلال العام الجاري عمليات فحص مياه الشرب، مشيراً إلى أنّه "منذ بداية العام حتى الآن، جرى جمع وفحص أكثر من 2500 عينة من محطات التحلية وصهاريج نقل المياه"، ووفقاً لنتائج الفحوصات التي أجرتها المصلحة، جاءت العينات مطابقة للمواصفات المعتمدة، ولم تسجل، بحسب سجلاتها، حالات تلوث مثبتة ببكتيريا E. coli أو القولونيات، وتراوحت مستويات الكلور الحر بين 0.2 و0.5 ملغم/لتر.
وتظهر صور عينات من ملفات مصلحة مياه بلديات الساحل، اطلع عليها التحقيق، نتائج فحوصات مخبرية لعينات عشوائية من شهري 1,8/2026 مأخوذة من صهاريج مياه، بينت خلوها من الملوثات وفق النتائج المسجلة في تلك العينات، بما يشير إلى مطابقة المياه المفحوصة للمواصفات المعتمدة وقت إجراء الفحص.
ويشير أبو شنب إلى أنّ "المشكلات التي تظهر في بعض العينات لا تتركز بالضرورة عند مصادر إنتاج المياه، بل تظهر بصورة أكبر في مراحل لاحقة من سلسلة الإمداد، ولا سيّما عند وصول المياه إلى المستهلك"، موضحاً أنّ "أغلب العينات التي تظهر فيها مشكلات على مستوى قطاع غزة تكون مرتبطة بحاويات المياه لدى المستهلك أو بمرحلة النقل عبر الصهاريج، ممّا يجعل سلامة المياه مرتبطة ليس فقط بجودة المصدر، وإنّما أيضاً بظروف النقل والتخزين والتعامل معها حتى نقطة الاستهلاك".
ويؤكد أنّ "المصلحة تمتلك سجلات لفحوصات المياه تشمل المصادر والصهاريج وخزانات المياه ونقاط التوزيع، ضمن منظومة المتابعة والرقابة التي تنفذها فرق المختبرات، بما يتيح تتبع نتائج العينات ورصد أيّ تغيرات في جودة المياه خلال مراحل وصولها إلى السكان".
وفي حال ظهور نتيجة تشير إلى وجود تلوث ميكروبي أو انخفاض غير آمن في مستوى الكلور الحر، يوضح أبو شنب أنّ "التلوث تتم معالجته فوراً، من خلال اتخاذ الإجراءات المناسبة وفق طبيعة الحالة، التي قد تشمل غسل محطات المياه أو كلورة خزانات المياه، إلى جانب رفع جرعة الكلور بما يتناسب مع حجم التلوث ومستوى التلوث، ثم إعادة المتابعة والفحص للتأكد من استعادة جودة المياه".
ويضيف أبو شنب أنّ "المصلحة تتعامل كذلك مع أيّ صهريج تظهر فيه مؤشرات تلوث أو اختلاف في الخصائص الفيزيائية للمياه، إذ يتم غسيل الصهريج قبل إعادة استخدامه، مؤكداً أنّ "تنظيف الصهاريج وخزانات المياه لا يقتصر على الحالات التي تظهر فيها نتائج غير مطابقة، بل يجري بصورة دورية ضمن إجراءات الوقاية والحفاظ على سلامة المياه، موضحاً أنّ المصلحة تنفذ عمليات غسيل دورية للصهاريج وخزانات المياه التابعة لها".
حين تصبح القطرة مصدر خطر
ويرى الأستاذ الدكتور عبد الفتاح عبد ربه، أستاذ العلوم البيئية والبحرية في قسم الأحياء بكلية العلوم في الجامعة الإسلامية بغزة، أنّ "الخطر في مياه الشرب لا يقتصر على التلوث الذي يمكن اكتشافه بسهولة، إذ إنّ بعض الملوثات لا تظهر في اللون أو الرائحة أو الطعم، ممّا يجعل المظهر الصافي للمياه غير كافٍ للحكم على سلامتها".
ويُحذّر عبد ربه من أنّ "الظروف البيئية المحيطة بمصادر المياه وخزانات التخزين قد تفتح مسارات للتلوث، خصوصاً مع احتمال اختلاط مياه الصرف الصحي بمصادر المياه، أو تسرب المياه المالحة إلى مصادر الشرب، الأمر الذي قد يضيف إلى المخاطر الميكروبية مخاطر كيميائية مرتبطة بارتفاع الملوحة والنترات وغيرها من الملوثات، بحسب طبيعة المصدر والبيئة المحيطة به".
ويشير إلى أنّ "الخطر لا يتوقف عند مصدر المياه، إذ يمكن أن تتغير جودتها خلال التخزين إذا كانت الخزانات أو العبوات غير محكمة الإغلاق أو تعرضت للرواسب والأوساخ، موضحاً أنّ سلامة المياه عند نقطة التعبئة لا تضمن بقاءها آمنة إذا تعرضت لاحقاً لظروف تخزين غير مناسبة".
ويؤكد عبد ربه أنّ "تقييم هذه المخاطر يتطلب فحوصاً مخبرية وميدانية مناسبة، لأنّ الحواس البشرية لا تستطيع الكشف عن كثير من الملوثات، ولا سيّما بعض الملوثات الكيميائية والميكروبية، مضيفاً أنّ تغير اللون أو الرائحة أو الطعم قد يكون مؤشراً يستدعي الفحص، لكنّ غياب هذه العلامات لا يعني خلو المياه من التلوث".
وفي ظل تضرر البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، يؤكد عبد ربه "أهمية حماية مصادر المياه من أيّ اختلاط بمياه الصرف الصحي أو المياه المالحة، ومراقبة جودة المياه على امتداد سلسلة الإمداد، إلى جانب تنظيف وتعقيم خزانات وعبوات التخزين وإبقائها مغلقة قدر الإمكان".
من الكوب إلى جسد الطفل
في المساء يعود سفيان نصار، 11 عاماً، إلى خيمة عائلته، يرفع كوب الماء إلى فمه ويشرب، ولا يرى محطة تحلية ولا صهريجاً ولا خزاناً، يرى فقط ماء يروي عطشه.
ولا يعرف سفيان من أين جاءت المياه، أو متى فحصت، أو ما إذا كانت العبوة والخزان اللذان مرّت بهما نظيفين، ويراقبه والده تيسير (38 عاماً) ويقول: "نحاول أن نوفر له مياهاً نظيفة، لكننا في كثير من الأحيان لا نملك إلا الماء المتاح أمامنا، وأخشى أن يشرب ابني شيئاً يؤذيه، لكن ماذا يمكننا أن نفعل؟ لا نستطيع أن نتركه يعاني من العطش".
وتختصر هذه الكلمات معضلة النازحين: الحصول على المياه لا يعني القدرة على معرفة سلامتها، فقد تبدو المياه صافية، فيما تحمل ملوثات لا تراها العين، ويظل المستهلك عاجزاً عن معرفة ما جرى للمياه قبل أن تصل إلى كوبه.
ولكنّ هذا الكوب ليس نهاية رحلة المياه، بل هو مدخل إليها، فخلفه سلسلة من المراحل تبدأ بالمصدر والمعالجة، ثم الصهريج والنقل، فالخزان والعبوة، وصولاً إلى لحظة الشرب، وفي كل مرحلة يمكن أن تنكسر سلسلة السلامة.
وهنا يطرح التحقيق السؤال الذي لا يستطيع سفيان الإجابة عنه: أين حدث الخلل؟ ومن كان يفترض أن يكتشفه ويمنعه؟
فالطفل لا يملك مختبراً ليفحص مياهه، ولا يستطيع تتبع مصدرها أو معرفة آخر مرة خضعت فيها للفحص، ومسؤوليته الوحيدة هي أن يشرب، أمّا مسؤولية ضمان سلامة ما يشربه، فتقع على منظومة كاملة يفترض أن تراقب المياه من المصدر حتى نقطة الاستهلاك.
وفي خيمة سفيان ينتهي المسار الظاهر للمياه عند الكوب، لكنّه يبدأ بالنسبة إلى التحقيق من هناك.
وفي غزة، لم يعد السؤال فقط: هل توجد مياه؟ بل، هل نعرف قصتها قبل أن تصل إلى أفواه الناس؟ ومن يملك القدرة على أن يقول، بثقة ودليل، هذه المياه آمنة؟

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86%20%D9%8A%D9%85%D9%86_1_0.jpg.webp?itok=OF-DCOHk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%A8%D9%87%D8%A9%20%D9%85%D8%AD%D9%85%D9%88%D8%AF%20%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_0_4_1_0_1_0_0_0_1.jpg.webp?itok=iIuHGb7g)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D8%B3%D8%A7%D8%A6%D9%84%20%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%85_0_0.jpg.webp?itok=oMR1EA8x)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86_27_10_0.jpg.webp?itok=RfS1i6Qp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_10_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=aqh24jus)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_50_1_0_0.jpg.webp?itok=mMFRhA3r)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7_8_5.jpg.webp?itok=QtK4edK0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A4_3_0_0_2_1.jpg.webp?itok=sRuYxRsX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_4_0_0.jpg.webp?itok=1dOcehRK)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B7%D8%B1%D9%81_8_2_2.jpg.webp?itok=DOVRyzEA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D8%A9_3_1_0_1_0.jpg.webp?itok=OH1F3MZm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/188-160100-175426-0_700x400_0_0_1_1_2.jpg.webp?itok=VJeqzj3Z)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_10_0_0_1_0_1.jpg.webp?itok=gq1aLNFF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/XAqfmsK1bEo6l-Ge2Zhzelkz_JPw0ruqXBnr3YFu6p9zRNS_BEmdpEAMsxJz3y3jT2m-5yv8s5JHwMzMTrMrqbacdGtGyKN_QEyyVUQBnLN8V02lcEl_8N_JsRaofT3FWqv_niuH3FHHG8WYSjYvETCDsUxtYXvVVcZ57Zt9j00Yw-O7gG8XGzEqrvGgcvYH%20%281%29_0.jpg.webp?itok=geuxFFvT)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7_19_0_0_1.jpg.webp?itok=k2P5zLe4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D9%85%D8%A7%D8%B3_22_4_0.jpg.webp?itok=MvMKGF4p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%8A%D9%83%D8%AA%D9%88%D9%83_1_0_0.jpg.webp?itok=0mP0eL9Q)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HZqzmEM3wHkpGDbaSRAGBBQMhEa0hdlTTItgQp3YQ8vkDfD4RYKg23G5l2fLOzSA03MFwoRi3ZXf323e4nL3cGcgCtJZ1paZeCO0deQan3C9vbLdqv33J12rlbMXyvhrmx35wvn3PVmnqlgOasmOg-uxIOD0Ui5L3ldmqsEmQOVOc-DELTto2MSMQ5fvj8mD%20%281%29.jpg.webp?itok=wQ_c7z8P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_3.jpg.webp?itok=pHqrfLPb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_3_0.jpg.webp?itok=9i6zbI2S)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
