كيف شكّل الحنابلة صورة الإمام أحمد؟

الحنابلة

كيف شكّل الحنابلة صورة الإمام أحمد؟

مشاهدة

02/05/2019

الاشتغال على نقد الخطاب الديني، وعلاقته، وتقاطعاته مع حقول معرفية أخرى، فلسفية وثقافية، واجتماعية، وسياسية، في العصر الحديث، ليس بالأمر الجديد، فالإسهامات التي قدمها مفكرون عرب، مثل: محمد عابد الجابري، عبد الله العروي، جورج طرابيشي، الطيب تيزيني، نصر حامد أبو زيد، على سبيل المثال لا الحصر، أسهمت في إثراء المكتبة العربية في هذا المجال.

بات الدافع لمتابعة الحفر في تاريخ الخطاب الديني وتفكيكه ضرورة في هذه المرحلة التي نعيشها

إلا أنّ صعود الحركات الإسلامية الراديكالية في المنطقة العربية، والتي تزامن صعودها مع بداية الثورات العربية، نهاية العام 2010 ومطلع 2011، كان لها تأثير على مسار بعض الثورات، كما حدث في مصر مع استلام الإخوان المسلمين للسلطة، والجماعات الإسلامية المسلحة، التي تشكّلت أواخر العام 2011 وبداية العام 2012؛ كتنظيم جبهة النصرة، ومن بعده "داعش" في سوريا؛ لذلك بات الدافع لمتابعة الحفر في تاريخ الخطاب الديني، وتفكيكه، ضرورة في هذه المرحلة التي نعيشها؛ لفهم كيف تعمل تلك الجماعات الراديكالية في تطويع الموروث، لأهداف سياسية تقصي وتقتل كلّ مختلف عنها، حتى من المسلمين أنفسهم.
يأتي كتاب "صورة الإمام في الخطاب الإسلامي الحديث، الإمام أحمد بن حنبل أنموذجاً"، للباحثة التونسية سعاد التميمي، والصادر عن دار مصر العربية 2019، في هذا السياق من البحث والتأمل، في نقد الخطاب الإسلامي السائد والمُكرس، المكبِّل لحرية التفكير، والانفتاح على متغيّرات العصر الحديث، في الماضي القريب، والحاضر، والمستقبل.

يأتي كتاب الباحثة التونسية سعاد التميمي في سياق البحث والتأمل بنقد الخطاب الإسلامي
ترجعنا التميمي للعصر العباسي، وتحديداً إلى أحداث "المحنة"، وصراع الإمام أحمد بن حنبل مع سابع الخلفاء العبّاسيين، المأمون (170-218هـ)، والذي تولى الخلافة "بعد حرب طاحنة بينه وبين أخيه الأمين (170- 198هـ)، انتهت بانتصار المأمون بمساعدة جيوش الفرس، فتراجع نفوذ العرب وقوتهم، وأعاد المأمون الاعتبار لغير العرب؛ لما وجده منهم من مساندة ولتفوقهم العلمي الذي لم يتوفر آنذاك لدى العرب، وقد خرق المأمون بذلك المألوف واستعان بغير العرب في إدارة خلافته وفي تسيير شؤون الدولة".

اقرأ أيضاً: موقف أحمد ابن حنبل من الدولة
والعلاقة المتوترة بين أحمد بن حنبل والمأمون، كانت قد بدأت مع بداية الخلاف بين أهل الرأي وأهل الحديث، وفي تلك الفترة قرَّبَ المأمون رجال المعتزلة حوله، وجعلهم يحضرون مجالسه ومناظراته، ويعود ذلك إلى تبنّيه المذهب المعتزلي، كونه كان تلميذاً لأبي هذيل العلاّف، وأبو هذيل هذا أحد رؤوس المعتزلة، "وقد أثر هذا الأستاذ في المأمون إلى درجة حملت المأمون على تبنّي مقالات المعتزلة في العقائد تحت إطار سياسي يضمن إذعان العامّة، ويطرح تلك العقائد للجدل والتحاجج".
ونتيجة ذلك؛ بات المعتزلة هم "أهل المشورة والتدبير في "المحنة"، وقد كان المأمون حريصاً على الإنصات المطلق لهم"، وهذا ما أفضى عملياً إلى استبعاد أهل الحديث وعدم الأخذ برأيهم في الشؤون العامة.
فـ "محنة" أحمد بن حنبل التي بدأت في عهد المأمون، كانت في المسألة التي تعرّض لها حول مقولة خلق القرآن؛ إذ تقول سعاد التميمي في كتابها: "تبنى المعتزلة مقولة خلق القرآن، تبعاً لتقديمهم العقل على النقل في تفسير الشريعة الإسلامية، واحتجوا على الخلق بوحدة الذات الإلهية، ونفي الصفات عنها، وربطها فقط بما جاء في النص القرآني، وما جاد به التأويل العقلي في خصوصها. لم يتوقف المعتزلة في مخالفة أهل الحديث عند خلق القرآن؛ بل امتد الأمر إلى نفي الإعجاز عنه، وردّ كل ما لا يقبله العقل".

مسند الإمام أحمد بن حنبل
ستلعب "محنة" أحمد بن حنبل، دوراً مهماً في تكريس صورته كإمام، من بداية سجنه في عهد المأمون، وتمسّكه برأيه، حتى بعد أن يدرك الموت المأمون، العام 218هـ، وتولّي المعتصم (179-227هـ) الخلافة، والواثق (200- 232هـ)، وخاصة مع تعرض الإمام أحمد للتعذيب والتنكيل في عهد المعتصم، نظير تمسّكه برأيه من مسألة خلق القرآن، كما أنّ مواقفه السياسية، وتعاطف أهل الحديث مع ما حدث له، ستمهد الطريق لبناء المذهب الحنبلي؛ إذ تقول التميمي: "قوبل موقف ابن حنبل من مسألة خلق القرآن بضرب من التعويض الرمزي عمّا لقيه من الساسة من تنكيل نصرة له ولأهل السنّة، وقد وظَّف في خلافه مع أهل الرأي العامّة، الذين كانوا سلاحه ضدّ الخليفة، وحدّد موقفه في الامتحان موقعه لدى العامة، وإدراكه مدى تأثيرهم في السلطة السياسية؛ فهم المعارضة الخفية للخلافة العباسية".

اقرأ أيضاً: عقلنة المذهب: دور العوامل المذهبية في تشكيل المنهج العقلي للاستدلال في الإسلام
يلقي الكتاب الضوء أيضاً على دور أتباع أحمد بن حنبل (الحنابلة) في بلورة المذهب الحنبلي، وتوظيف قصة محنته في الصراع مع أهل الرأي، حتى بعد وفاة أحمد بن حنبل؛ "فقد انتقلت سلطة المذهب من ابن حنبل، صاحب المذهب، إلى تلاميذه الحنابلة، وقد كان بعد "المحنة" العَلَم الأشمّ المقصود من كلّ البقاع الإسلامية يجيئون من كلّ فجّ عميق ليتبركوا به ويأخذوا من حديثه ويستفتوه"(…)
فتبلور المذهب الحنبلي على يد الحنابلة الذين وسّعوا دائرة التكفير والتشدّد حتى أصبح التشدّد من مميزات المذهب الحنبلي".
ولم يكن هناك اشتغال فكري من قبل الحنابلة على المذهب الحنبلي، وكان السبب يعود إلى "عمل الحنابلة على استيفاء السبل للثأر من أهل الرأي، فاتجهوا إلى تبرئة الإمام والارتفاع به فوق المرتبة الإنسانية، ولعله ردّ رمزيّ على الفراغ الذي عرفه المذهب الحنبليّ في ظلّ ندرة الفتاوى، وكثرة الأحاديث".

اقرأ أيضاً: ماذا قال الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي عن المذهب الشيعي؟
تقول التميمي في هذا الصدد: بدا المذهب الحنبلي مؤسَّساً على جمع شتات الأقوال والروايات المنقولة عن ابن حنبل. وقد انتهى المذهب الحنبليّ إلى التعصب المتجسد في إقصاء المخالف وفي الدعوة إلى استباحة دمه، وتضيف؛ "ذلك يُعلّل تبنيهم لمقولة الفرقة الناجية التي صارت شائعة عقدياً، وتتجاذبها المذاهب والتيارات الفكرية، كما ترى التميمي أنّ هذا الزعم طوّر لديهم الأحقيّة في الوصاية الدينية والثقافية على الناس، وغذّى لديهم الإحساس بعقدة الاضطهاد، فقمْع إمامهم ولّد لديهم ربما انتماءً لامشروطاً إلى الحقّ، وقد حقق المذهب بذلك انتشاراً واسعاً، نتيجة ما نالته "محنة" الإمام من اهتمام، و"محنة" بعض أتباعه.

لعبت "محنة" ابن حنبل دوراً مهماً في تكريس صورته كإمام واستغلها أتباعه إلى أبعد مدى

وتخلص التميمي إلى القول: إنّ هذه المكونات أدّت إلى جملة من الوظائف حدّدت فيما بعد ملامح المذهب والعناصر التي ساهمت في إخراجه على الهيئة التي بلغتنا اليوم.
كما أنّ التميمي تشكّك في بعض المرويات التي تم تداولها بعد وفاة أحمد بن حنبل، وتم تكريسها في المتخيل الشعبي، كالقصة التي جاءت على لسان الوركاني، في قوله: "يوم مات أحمد بن حنبل وقع المأتم والنوح في أربعة أصناف من الناس: المسلمون واليهود والنصارى والمجوس"، فتقول التميمي: "لماذا لم يعلنوا إسلامهم وهو في أصفاده؟ أو بعد خروجه من سجنه؟ وإذا ما قارنا وفاته بوفاة الرسول محمّد، صلّى الله عليه وسلّم، نجد أنّ المسلمين بعد وفاة الرسول ارتدوا عن إسلامهم، ولم يذكر أنّ طرفاً من اليهود أو النصارى قد دخل الإسلام، فمثلت إذاً الترجمة لأحمد بن حنبل ضرباً من المغالاة في شخصه، لعلها حاكت مغالاة الشيعة في أئمتهم والانكفاء على تمجيدهم، حتّى أضحى عقيدة ساهمت في تفرع المذهب إلى تيارات داخل الإمامية".
قدمت سعاد التميمي في بحثها لوظائف تكوين صورة الإمام، مادة وافية عن دور المذهب الحنبلي، و"الحنابلة" في تشكيل هذا الصورة، ومحاولة لتفكيكها، عبر سرد متغيراتها حتى يومنا هذا.

الصفحة الرئيسية