فشل أحاديث "النهايات"

فشل أحاديث "النهايات"

فشل أحاديث "النهايات"


12/10/2026

عبدالله بن بجاد العتيبي

منطقة الشرق الأوسط من أكثر مناطق العالم تقلباتٍ واضطراباتٍ، سياسياً واجتماعياً؛ ثقافياً وإعلامياً، ومن أغزرها في تضارب المصالح وتناقض التحالفات، فالأفكارُ هنا قد تُوصِّل إلى عكسها، والتوجهاتُ قد ترتدّ إلى الجهة المقابلة... هكذا كانت، وهكذا هي الآن، والرجاء ألا تبقى كذلك طويلاً.

سادت بشكلٍ غريبٍ وعجيبٍ في السنوات الأخيرة الأحاديثُ عن نهايات بعض المشكلات المزمنة في منطقتنا؛ فحديثٌ عن «نهاية الصحوة»، وثانٍ بشأن «نهاية العنف»، وثالثٌ حول «نهاية الإرهاب»... ونهايات لكل المشكلات من كل شكلٍ ولونٍ، كأنَّما نريد أن نتجاوز مشكلاتِنا القديمة وعُقَدَنا العميقة عبر تجاهلها ونسيانها كأنها لم تكن. وهذا، كما هو معروف في التراث العربي، حديثُ «النعامة» التي تدفن رأسَها في الرمال لتجاوز المخاطر.

مروّجو وداعمو أحاديثِ النهايات هذه معروفون، ومعروفةٌ أهدافهم، فهم إما تعبوا من مواجهة الحقائق، وإما عجزوا عن تحقيق الغايات، فأصبحوا يستعيضون عن الوعي الصلب والحقائق الناصعة بالأحلام والأوهام، خصوصاً أنّ مفاهيم نهاية الأزمان، ونهاية العالم، ونهاية الكون، وجدت لها في كثير من الأديان والفلسفات تنظيراتٍ شتى ومتعددةً؛ فيها العلميُّ الواقعي، وفيها كثيرٌ من الخرافي الوهمي.

الذين لا يعرفون يخدعهم العارفون حين لا يبصرونهم بالتاريخ والواقع؛ بالآيديولوجيات والصراعات، بتناقض السياسات وتعارض العقائد، ويخدعهم الوضعُ العام عبر منع المعلومة، وطمس التاريخ واستحقاره والتقليل من شأنه ومن مكانة حكمته ومنطقه في قراءة الحاضر واستشراف المستقبل.

الإرهابيون المعاصرون فئةٌ حديثةٌ من فئات جماعة «الخوارج» المعروفة في صدر الإسلام، مع اختلافاتٍ وتمايزاتٍ يمكن رصدها وبيانها، فـ«الخوارج القدماء» و«الخوارج المحدثون» متفقون على الخطاب وإن اختلفوا في التنفيذ، فخطاب الخوارج القديم معروفٌ في صدر الإسلام، وقد جاءت فيهم الأحاديث النبوية والآثار والقصص والروايات، فهم «يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية»، وهم «يقاتلون أهل الإسلام ويتركون أهل الأوثان»، وهم مرتكبو «الشَّنَعِ» كما هو تعبير ابن حزم في كتابه الشهير «الفِصَل في الملل والأهواء والنحل»، وهم من بقروا بطون النساء الحوامل، واغتالوا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وحاولوا اغتيال معاوية بن أبي سفيان وفشلوا، وكذلك عمرو بن العاص الذي نجا من الاغتيال حين كَلَّف الصحابيَّ خارجة بن حذافة إمامةَ الناس في الصلاة نيابة عنه، فقال الخارجي الذي قتله: «أردتُ عَمْراً وأراد الله خارجة» فصار القول مثلاً.

وكما تخبرنا التواريخ المتواترة، فقد انقسم الخوارج قديماً فرقاً وجماعاتٍ يكفّر بعضها بعضاً ويلعن بعضها بعضاً، وقد تلاشت عبر التاريخ الإسلامي، ولم تبق منها سوى فرقة.

هذا في القديم. أما حديثاً؛ فالخوارج هم «جماعات العنف الديني» المتفرعة عن «جماعات الإسلام السياسي»، حيث نبعت بتنظير كاملٍ وتنظيمٍ مدروسٍ من جماعة «الإخوان المسلمين» والتنظيمات المتفرعة عنها. ومن نماذجها الأوضح تنظيما «القاعدة» و«داعش»... وغيرهما كثيرٌ؛ من قبل ومن بعد.

حادثة طائرة «فلاي دبي» تطرح أسئلة مستحقة، مع كل التأني والعناية والتمحيص والتدقيق في أي إجابةٍ تُطرح، وكل حلٍ يُقترح؛ لأن هذه الأسئلة وتلك الإجابات والتفتيش الملحّ عن الحلول، لا يمكن أخذها بارتياحٍ مريبٍ، بل هي خطرٌ حقيقيٌ محدقٌ، ويمكن لـ«الصحوة» أن تعود جذعةً لا قدّر الله، ويمكن للإرهاب أن يشتعل تحت هذا الاسم أو ذاك؛ وبواسطة هذه الحادثة أو غيرها، ولا يأمن مكرَ الأيام والليالي ومكرَ التاريخ إلا من لا يدرك قوة التاريخ ولا يفهم منطقه.

أخيراً، فلئن كان التاريخ قد علَّمنا شيئاً؛ فهو أنَّ «الأفكار لا تموت»، وهي قادرةٌ دائماً على الانتعاش وإعادة الكَرّة ما لم تتغير الظروف الزمكانية التي تدعمها وتؤدي إليها. وكم هدأت من تنظيماتٍ وجماعاتٍ واختبأت تحت الأرض حتى أتى وقتٌ ظهرت فيه من جديدٍ، والشواهد كثيرةٌ.

الشرق الأوسط




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية