خطورة الخلط بين التديّن والتطرّف

خطورة الخلط بين التديّن والتطرّف

مشاهدة

25/09/2018

تحت وطأة الشعور بخطر التطرّف في مجتمعاتنا، تلجأ بعض الحكومات، تحت مبرّرات سدّ الذرائع، إلى مكافحة كلّ أشكال التدين، متمثلة المثل الشعبي "الباب الذي تأتيك منه الريح سده واستريح"، وتحت وهم ومخافة أن يكون هذا التدين هو المقدمة الطبيعية للتطرف والإرهاب، تسود مقولات كادت تبلغ درجة المسلّمات لدى البعض؛ أنّ التدين هو الحزام الناقل للتطرف، والمقدمة الطبيعية له، وأنّ المتدين هو شخص أغراه إدمان الشعائر والمداومة عليها بالشعور بالفوقية والتزكية الضمنية، التي تصنع العزلة الشعورية، ومن ثم الانفصال عن الواقع، لحساب الخيال، وإعادة تشكيل العالم على مقاس أفكاره، أو مقاس الجماعة التي ينتمى إليها.

كما تشكّل فئة المتطرفين الخطر على الدين والحياة وخلافة الإنسان في الأرض، يشكّل المتدين ضمانة لبقاء الخير بفعله وسلوكه

للأسف الشديد؛ بعض الأجهزة الأمنية تخلط المتطرف، وبين المتديّن الطبيعي، الذي يمارس لوناً من ألوان الصداقة والانسجام مع الفطرة والعالم، ولديه إقبال على الشعائر والهدى الظاهر، لكنّه يبقى دوماً مشدوداً نحو الكمال، الذي يدرك أنّه لن يبلغه، وأنه سيبقى دوماً بين الخوف من غضب الله، والرجاء في مغفرته، مدركاً أنّ الحياة هي ساحة يختلط فيها الخير والشرّ، والحقّ والباطل، وأنّ الإنسان يمضي فيها محروساً بعناية الله، مستعيناً بمكارم الأخلاق، وأداء ما فرض عليه من طقوس وواجبات، دون أن يطغيه الزهوّ بما يفعل من طاعات، أو يقتله اليأس بما يرتكب من المعاصي والموبقات.

حيث يبقى مقتنعاً بأنّ الإنسان هو هذا الكائن من طين الأرض ونفخة السماء النورانية، وسيبقى كذلك؛ فلا هو ملاك، ولا هو شيطان، بل تختلط في فعله أحوال الإثنين.

وكما تشكّل فئة المتطرفين الخطر على الدين والحياة وخلافة الإنسان في الأرض، يشكّل المتدين ضمانة لبقاء الخير بفعله وسلوكه؛ حيث يبقى كتاباً مفتوحاً، ودعوة غير مباشرة للخير، بما ينفع الناس ويصلحهم.

اقرأ أيضاً: متى تخرج الأعمال الفنية من صندوق الصور السطحية للمتدينين؟

تشكو مجتمعاتنا من الكثير من الظواهر التي تبدو أعراضاً لغياب أيّ شكل من أشكال التدين، أو حتى غياب سلطان أيّة منظومة قيمية في المجتمعات؛ سواء كانت ظلاً للدين أو القانون.

تأملوا في واقع العلاقة بين الرجل والمرأة، ليس فقط فيما تحفل به بعض شوارعنا من مظاهر العنف ضدّ المرأة، أو حتى في بيوتنا، بين الرجل وزوجته، أو مظاهر العنف بين الأب وأبنائه، أليس من المؤشرات الكارثية؛ أنّ نسب الطلاق وصلت في بعض مجتمعاتنا العربية إلى أكثر من نصف عدد حالات الزواج؟ ألا يعدّ ذلك مؤشراً على وجود خلل قيمي واسع يعكس تقلّص رقعة المتمسكين بالفضيلة والأخلاق، مقابل اتساع واضح في المتحللين منهما معاً، مع إهدار واضح لأهمية التنشئة الصحيحة؟

غياب نموذج المتدين في السينما والإعلام يكرّس اليقين بأنّ التدين هو جسر نحو التطرف

إنّ غياب نموذج المتدين في السينما ووسائل الإعلام، يكرّس اليقين بأنّ التدين هو جسر نحو التطرف، وأنّ من الأفضل للأسرة أن يكون أبناؤها بعيدين عن سلطان الدين مخافة، أن يكونوا فريسة سهلة للتطرف.

وأعتقد أنّ هذه القناعة من أهم القناعات التي تتغذى عليها جماعات التطرف، وتقدم لها دعاية مجانية؛ حيث تقدم نفسها باعتبارها من يدافع عن الدين في مواجهة حكومات ومجتمعات تناصبه العداء، وهو ما يدفع البعض إلى اعتبار التدين أحد السلوكيات السرية، وهذا من أخطر الأشياء على أمن المجتمعات؛ أن يتحول التدين فيها إلى نشاط مجرم، أو نشاط سرّي.

التديّن الصحيح لا يزدهر إلا في الشمس والهواء، وتحت رعاية الحكومات ومؤسسات الدولة المعنية.

الإنسان المتدين تديناً صحيحاً بمنأى عن التطرف، أكثر من أيّ شخص آخر، حيث يهتدي بالفطرة والعقل الراجح إلى التدين، الذي يعني صياغة شخص صالح نافع لمجتمعه، ينتصب في الواقع عنواناً مناسباً لسماحة الدين وبهائه، أما الشخص صاحب التدين المغلوط أو الناقص، فسيبقى معرّضاً لكلّ أشكال التطرف، ويسهل التعرف إليه دون خلط.

اقرأ أيضاً: من الأسلمة إلى التدين.. كيف نفهم الحالة الدينية؟

الإشكال يكمن في ضرورة التمييز بين التدين والتطرف، والتعرّف إلى قسمات كلّ منهما بالشكل الذي يدعم دائرة الأول ويحاصر الثاني.

إنّ دور مؤسسات التربية، من مدرسة أو مسجد أو أسرة أو إعلام، أو مؤسسات كالثقافة والتعليم والأوقاف والأزهر والكنيسة؛ هو في أن تصوغ هذا الإنسان المتديّن، الذي يحمي مواطنته سياجان: الأول: هو مكارم الأخلاق التي يستقيها من دينه، والثاني: الوطنية، التي يصنعها انتماؤه للوطن واعتزازه بخصائصه وقيمه.

التديّن الصحيح لا يزدهر إلا في الشمس والهواء، وتحت رعاية الحكومات ومؤسسات الدولة المعنية

نريد للإعلام أن يتصالح مع المتدين، فيقدم نماذج لتلك الفئات من النابهين والناجحين، الذين جمعوا إلى جانب التفوق العلميّ التفوق الأخلاقيّ والدينيّ، نريد أن نقدم نماذج للنشء لا تقدّم وعظاً مباشراً؛ بل تقدم نماذج لفعل الدين الصحيح في الواقع وفي الضمائر.

لا نريد أن نسخر من المتديّن في السينما أو المسرح؛ عبر إبرازه كشخص يتقيد بالهدي الظاهر، بينما هو، في حقيقته، نسخة من راسبوتين؛ ذلك الراهب الروسي الذي أصبح مضرب الأمثال في النفاق والتناقض، بين الهدي الظاهر والباطن، وأصبح التيمة الرئيسة التي يلجأ لها صنّاع الدراما، حين يشيرون إلى المتدين تصريحاً أو تلميحاً.

نريد أن يحتل مقام القدوة في مجتمعاتنا النابهون، في كلّ مجال، وقد جمعوا إلى جانب التفوق في مجالات أعمالهم، التميز في الأخلاق والسلوك، وهو أمر نحن في حاجة إليه؛ لاستعادة القدر الكافي من الأمن والسلام في مجتمعاتنا، التي تجاوزت فيها معدلات الجرائم الأخلاقية كلّ المعدلات البشرية.

إنّ حصار العنف لا يأتي فقط عبر سيف القانون وقوة الردع الأمنية؛ بل من دائرة أعمق في عقل وضمير كل مسلم؛ هي دائرة الإلزام الأولى التي تسبق المسموح والممنوع في القانون، إلى الحلال والحرام في الدين؛ ما يرضي الله وما يغضبه.

اقرأ أيضاً: بين التدين النفعي واقتصاديات الكنيسة المصرية

إنّ تربية هذه الملَكَة التي هي التقوى؛ هي الضمانة الأولى لمكافحة التطرف والإرهاب، إنّ كلّ مؤسساتنا معنية بالانتصار للتدين الصحيح عبر الاحتفاء بالمتدين، دون خوف من أن يتحوّل إلى متطرف، سيبقى التطرف ما بقيت الحياة؛ الفكرة في حجمه، وطريقة التعاطي معه، دون أن ننسى أنّ التطرف في الدين له وجهان: الأول؛ في التحلل تماماً من سلطانه، أو الثاني؛ التشدّد في الالتزام به، ومحاولة دفع الناس للمساحة نفسها، والخطر كلّ الخطر في أن نسمح بالأول ونتسامح معه، بينما نتشدّد فقط في مواجهة ومجابهة الثاني، وهذا مكمن آخر للخطورة، لا يخدم في النهاية سوى دواعي التطرف.

الصفحة الرئيسية