جماعة الإخوان بين الإنجاز الفكري والحركي

جماعة الإخوان بين الإنجاز الفكري والحركي

جماعة الإخوان بين الإنجاز الفكري والحركي


04/01/2026

تنطلق جماعة الإخوان من فكرة شمولية الإسلام التي تعني بالتبعية، من وجهة نظرها، شمولية التنظيم؛ ولذلك تعددت أنشطة الجماعة وتنوعت بدرجة كبيرة حتى شملت العديد من مناحي الحياة، فما بين الدعوة والسياسة والاقتصاد والثقافة والعمل الخيري والعمل العسكري المسلح، قضت الجماعة عقودًا من الزمن استطاعت خلالها الانتشار في المجتمع والتأثير فيه بدرجة كبيرة، فما الذي قدمته الجماعة من خلال مساهمتها في تلك الأنشطة؟ وهل كان دورها سلبيًا أم إيجابيًا؟ سوف نحاول الإجابة عن هذا السؤال من خلال التعرض لـ (5) مستويات للعمل:

أوّلًا: على المستوى الفكري

يردد الإخوان، إلى جانب البعض ممّن لا ينتمون للجماعة، أنّ البنا هو مجدد الإسلام في القرن العشرين، وذلك انطلاقًا من حديث نبوي معناه أنّ الله يبعث على رأس كل مئة عام لهذه الأمة من يجدد لها دينها، فهل بالفعل أفكار الإخوان تجديدية؟ وهل قدمت أفكار البنا جديدًا للأمّة أسهم في محاولة نهضتها وخروجها من كبوتها؟ 

إنّ من أبرز الأمور التي تُنسب إلى البنا، والتي من أجلها عدّه البعض مجددًا للإسلام في القرن العشرين، أنّه أعاد الروح للإسلام بأن لفت الأنظار إلى شموليته وتصدى لنمط التدين الصوفي وما به من بدع وخرافات. والحقيقة أنّ البنا قد سبقه كثير من روّاد الإصلاح الديني من أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ممّن رأوا أنّ الإسلام دين شامل، وحاربوا كذلك البدع والخرافات التي أُضيفت إلى الدين، فلم يكن البنا أوّل من دعا إلى فهم الإسلام بهذا الشكل كما يدّعي الإخوان، ومن الأحداث التي وقعت قبل تأسيس جماعة الإخوان، والتي تؤكد ذلك، أنّه عندما صدر كتاب "الإسلام وأصول الحكم" للشيخ علي عبد الرازق في العام 1925 بعد سقوط الخلافة العثمانية، انعقدت هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف لمناقشة الكتاب وتقرير ما يجب فعله بشأن مؤلفه، وكانت من ضمن التهم الـ (7) التي وجهتها الهيئة للشيخ علي عبد الرازق أنّه "جعل شريعة الإسلام روحية محضة لا علاقة لها بالحكم والتنفيذ في أمور الدنيا" وجاء ردّ الهيئة على هذا الادعاء الذي قال به الشيخ علي في كتابه مؤكدًا على أنّ الإسلام دين شامل لا يقتصر على العلاقة بين الإنسان بربه فقط، حيث قالت: "وهل في استطاعة الشيخ علي أن يشطر الدين الإسلامي شطرين ويلغي منه شطر الأحكام المتعلقة بأمور الدنيا، ويضرب بآيات الكتاب العزيز وسنّة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عُرض الحائط!"، ويتضح من هذا أنّ مفهوم الشمولية كان واضحًا لدى علماء الدين ولم يكن بجديد وقتها، لكنّ ما أنجزه البنا بالفعل وتميز به هو أنّه كوّن تنظيمًا تجسدت فيه تلك الشمولية، فامتزاج الفكر بالحركة هو ما أعطى فكرة الشمولية حيويةً وتأثيرًا مثّل إضافة قام بها البنا لم تتوافر لمن سبقه، وبذلك كان إنجاز البنا تنظيميًا حركيًا ولم يكن فكريًا، هذا مع الوضع في الاعتبار أنّ هذا التنظيم الشمولي به العديد من العيوب وأسهم في العديد من الأضرار.

مؤسس جماعة الإخوان المسلمين: حسن البنا

وبجانب فكرة الشمولية فإنّ أفكار البنا عمومًا لا تُمثل تجديدًا، وإنّما هي في أغلبها مستقاة من الفقه التقليدي ومن اجتهاداته، فأفكاره الخاصة بالخلافة ومفهوم الدولة والجهاد والمرأة وغير المسلمين ووضعهم في الدولة، كلها لم تخرج عن إطار ذلك الفقه، ثم بعد البنا لم يقدّم الإخوان فكرًا ولا اجتهادًا جديدًا، وإنّما كانت أفكارهم تكرارًا واستنساخًا وشروحات لما قاله البنا لا أكثر، وخلاصة ذلك أنّ البنا والإخوان لم يقدّموا على مستوى الأفكار ما يُسهم في تقدم الأمّة والوطن إلى الأمام، ولكن على العكس فقد تسببت بعض أفكارهم في المزيد من الجمود والاستقرار على حالة التراجع التي تحياها الأمّة الإسلامية منذ قرون. 

ثانيًا: على المستوى الدعوي

كان للسياق الاجتماعي والسياسي الذي ظهرت فيه جماعة الإخوان المسلمين دور في نشأتها، فقد بدأ المجتمع المصري يحتك ويتعرف على الثقافة الغربية وينبهر بها محاولًا تقليدها في كثير من العادات والسلوكيات وأنماط الحياة المختلفة، والأخذ من نظمها وتطبيقها في مختلف المجالات السياسية والإدارية والاجتماعية، وكانت هناك أيضًا حركة التبشير التي بدأت تزداد داخل المجتمع؛ كل ذلك لاقى جهودًا عديدةً من عدة تيارات داخل المجتمع حاولت مقاومة رياح التغريب والحد من تأثيرها، وكان ذلك من بين أهداف جماعة الإخوان حينها، وقد أثر بالفعل النشاط الدعوي الإخواني في المجتمع قديمًا من حيث العمل على نشر بعض القيم الإسلامية وزيادة نسبة التدين داخل المجتمع، وكان ذروة ذلك في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي، وأيضًا في السبعينات والثمانينات بعد الخروج من السجون، لكنّ هذا الدور الدعوي قد تأثر نتيجة خطأ الجماعة في أمرين؛ الأوّل هو أنّه، بسبب تركيز الجماعة على بناء تنظيم قوي تنبع قوته من احتوائه على عدد كبير من الأفراد يمكن لقيادات الجماعة تحركهم وتوجيههم بسهولة، فإنّ ذلك كان سببًا في أن يكون هدف الجماعة الأساسي من العمل الدعوي هو ضم أفراد جدد بشكل مستمر إلى التنظيم دون الاهتمام بالوظيفة الدعوية ذاتها، فقد كان العمل الدعوي في مجمله، ونظرّا لارتباطه بالعمل التنظيمي، مجرد باب يدخل منه الناس إلى الجماعة.

والخطأ الثاني يتعلق بالدور السياسي المتزايد الذي مارسته الجماعة وانخرطت فيه بشكل كبير على حساب الدور الدعوي، كما أنّه كان لظهور الأغراض السياسية للجماعة بعد نشأتها التي كانت دعوية خالصة، وبسبب خطورة بعض أفكارها وأهدافها بالنسبة إلى الدولة والسلطة السياسية؛ فإنّها دخلت في العديد من الصراعات والأزمات، ممّا أثر على دورها الدعوي، هذا بالإضافة إلى بعض النتائج السلبية التي ترتبت على العيوب الموجودة في فكر وخطاب الجماعة الديني، فهي لم تستطع أن تقدّم الإسلام بشكل صحيح للناس، ولم تقدر على تقديم نموذج عصري للإسلام يكون مقنعًا للكثيرين، لكنّها حملت بعض الأفكار المشوهة وقدمت خطابًا منفرًا، وجاءت ممارستها وسلوكياتها مؤكدة على ذلك، وعلى عكس موجة التدين المتزايدة قبل ذلك، فإنّ هناك موجة من البُعد عن الدين، بل الخروج منه، آخذة في الازدياد والتي طالت حتى العديد من شباب الإخوان، وبالطبع فإنّ لذلك أسبابًا عديدةً، ولكنّ جزءًا رئيسيًا منها يرجع إلى أفكار وممارسات الجماعة وباقي مكونات الحركة الإسلامية. 

كان للسياق الاجتماعي والسياسي الذي ظهرت فيه جماعة الإخوان المسلمين دور في نشأتها

ثالثًا: على مستوى العمل الخيري

كان من صور النشاط الذي قامت به الجماعة ذلك المتمثل في الجانب الإنساني الذي يستهدف مساعدة المحتاجين من الفقراء والأرامل الذين كانت تعمل الجماعة عبر الكثير من المؤسسات لتقديم يد العون والمساعدة إليهم بتوفير الطعام والشراب والمساعدة في التعليم أو توفير العلاج وغير ذلك، وقد كان من الأهداف التي يضعها الإخوان للعمل الخيري، والتي كان يتم شرحها للقائمين عليه، ما تسمّيه بــ "المردود الدعوي"، فقد كانت فلسفة الجماعة في ممارسة ذلك العمل تتمثل في أنّها لا تهدف إلى إطعام ومساعدة المحتاجين فقط، ولكنّها تعمل على أن يكون عملها الخيري مرتبطًا بالدعوة وخادمًا لها، فلا يكفي أن تقوم بإيصال الطعام أو الملابس للمحتاجين فقط، ولكن يجب أن يكون هناك وسائل دعوية تُمارَس معهم أثناء ذلك، وكان ضم الأفراد من خلال تلك الأنشطة هدفًا رئيسيًا خاصة مع الأطفال الأيتام، فالعمل الخيري كان بوابة للتنظيم كذلك.

رابعًا: على المستوى السياسي

من ضمن النتائج التي ترتبت على الانخراط في العمل السياسي بأفكار وقناعات وممارسات خاطئة أنّها كانت من ضمن أسباب غلق المناخ السياسي العام وإنهاء تجربة وليدة لم تتمكن من النمو، وماتت في مهدها، فكان طمع الإخوان السياسي وإعطاؤهم الأولوية للتنظيم على حساب المصلحة العامة ودخولهم في منافسات سياسية غير محسوبة من أهم الأسباب التي أدت إلى حالة إرباك عامة كانت لها تداعياتها المحلية والإقليمية والدولية، والتي أدت في النهاية إلى فشل تلك التجربة.

خامسًا: على المستوى التنظيمي

أوجدت الجماعة تنظيمًا يضم أعدادًا كبيرةً من الأفراد، إلا أنّهم لا يُمثلون ثقلًا نوعيًا، فقد طبعتهم الجماعة على هيئة واحدة ووضعتهم في قوالب متماثلة، وعملت على إزالة ما يميزهم عن بعضهم بعضًا، وجعلتهم مجرد أتباع تأمرهم وتنهاهم وتحركهم كيفما شاءت، ظنًا منها أنّ ذلك هو ما يجعل التنظيم قويًا، وهو وإن جعل التنظيم قويًا بالفعل، إلا أنّها قوة جسمانية تتمثل في هيكل تنظيمي قوي لكنّه يحمل عقلًا ضامرًا غير قادر على الإبداع والتطوير، ممّا جعل هذا التنظيم عبئًا ليس فقط على أصحابه ولكن على الوطن والأمّة كلها، فقد نجح في تجميع الكثير من أبناء الأمّة وقيّدهم بأفكار وتصورات، ولم يعمل على الاستفادة منهم ولا توجيههم التوجيه السليم، فأصبحوا قوة معطَلة ومعطِلة في الوقت نفسه.   

إنّ جماعة الإخوان قد حققت خلال تاريخها بعض المنجزات، كان البعض منها بهدف تقوية التنظيم من خلال ضم أفراد جدد إليه عبر الأنشطة التي تقوم بها في المجتمع، وكان ظاهرها خدمة الدين والناس، لكنّ هذه المنجزات قد تحولت، بسبب عيوب الجماعة وأخطائها، إلى مشكلات أدت إلى إخفاقات متكررة وصدامات وصراعات على مدار تاريخها الطويل، ورغم عدم قدرة الجماعة على تحقيق أهدافها الرئيسية؛ إلا أنّه يظل إنجازها الحقيقي يتمثل في التأثير الفكري، والذي لم يكن تجديديًا، ولكنّه كان تقليديًا أدى إلى مزيد من الجمود.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية