
كانت صورة الجزائري حامد ياسين المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي مؤلمة، الكاتب الذي بكي أمام الكاميرا لعدم حضور أيّ ضيف حفلة توقيع كتابه. ذكّرني هذا الحادث بمقولة نزار قباني "كل مُبدع يتيم"، وخاصة في بلادنا العربية التي تتعامل مع الثقافة وفاعلياتها كترفٍ ليس له مكان في قائمة أولوياتها، والتي ترى في مُثقفيها كائنات منفصلة عن الواقع تعيش في أبراج الفكر العاجية البعيدة، منفصلة عن قصص الكفاح اليومي. فهل فعلاً المثقف العربي منفصل عن الواقع، لهذا بادله الواقع انفصالاً بانفصال؟.
إنّ ظاهرة احتقار الثقافة هي ظاهرة تدعو للأسى، لأنّ الثقافة مظهر من مظاهر البقاء قيد الإنسانية، فالذي يفرّق الإنسان عن الدواب، هو حضور وجدانه في الحياة، والثقافة تكثيف لذلك الإحساس العميق بالحياة، فالشعوب الحية الوجدان تتزاحم على بؤر الإبداع كما يتزاحم النحل على الرحيق. إلّا أنّ الواقع غير ذلك، لكن هل يكفي إلقاء اللوم كله على جماهير أعادت ترتيب أولوياتها وحاجاتها في ظل أعباء اقتصادية وسياسية وظروف حرب تجعل "التثاقف" ترفاً لا يحتمله الواقع!. أليس الإبداع وسيلة الإنسان لكسر قساوة الحياة من حوله، أليست الثقافة فعل مقاومة وفعل نجاة؟.
غياب التفسير
لا أجزم بتفسير سوء الحظ الذي صاحب حامد ياسين؟ هل هو سوء دعاية أم سوء تخطيط، أم قلة علاقات؟ أم أنّ الجمهور انصرف لأنّ له شواغل أكبر من حفل ثقافي بعيد عن همومه اليومية. وهل الجمهور الذي سيُقبل على روايته بعد دموعه سيكون حلاً للمشكلة؟ هل يحتاج كلّ كاتب ليُقرأ حادثة أليمة؟.
إنّ تاريخ الأدب والثقافة حافل بأسماء كُتّاب كبار، جلسوا خلف مناضد لم يقبل عليها أحد، وقد عبّر كثير منهم عن ألم الكاتب المهجور؛ فقد ذكر ستيفن كينغ أنّ قارئاً واحداً هو من حضر حفل توقيعه لرواية "Salem’s Lot"، وكان يبحث عن كتب عن النازية، لا عن توقيعه.
أيضاً "مارغريت أتوود" الروائية والشاعرة الكندية ذكرت أنّه لم يحضر حفل توقيعها أحد، باستثناء رجل أراد شراء شريط لاصق وظن أنّها إحدى العاملات في المتجر.
جودي بيكولت الكاتبة الأمريكية الشهيرة، تروي عن عدد المرات التي جلست فيها خلف طاولة التوقيع وحيدة، حتى اقترب منها أخيراً شخص، ليتضح أنّه يريد أن يسألها عن مكان الحمّام.
وقبل أن تصبح سلسلة "هاري بوتر" ظاهرة عالمية، واجهت "ك. رولينغ" صعوبات مادية وشخصية كثيرة، فقد كانت تكتب في المقاهي بينما ترعى ابنتها الصغيرة. وبعد الانتهاء من مخطوط روايتها الأولى احتاجت إلى وقت حتى تجد ناشراً يقبل نشرها.
رفض عدد من الناشرين الرواية، قبل أن توافق دار "بلومزبري" على نشرها عام 1997. وتذكر تقارير صحفية أنّ مخطوط الرواية واجه نحو اثني عشر رفضًا من الناشرين قبل قبول نشره.
أمّا المثقف العربي، فإنّ له آلاماً وتحديات أخرى، قد تكون الطاولات المهجورة أهونها، فأديب "نوبل" نجيب محفوظ تعرّضت كتاباته للمنع من النشر وأحياناً للتشويه، فيجد أنّ مخطوطه الذي قضى شهوراً وربما سنوات في كتابته، وانتقى مفرداته كلمة كلمة ورتب جمله بعناية مهدد بأن يصل إلى جمهوره مشوّهاً. فنشر أعمال الكاتب نفسه لا تعني أنّه فلت من التجاهل، هناك طرق عدة لاغتيال الكتابة والكاتب. وهو ذاته ما حدث مع صنع الله إبراهيم وروايته "تلك الرائحة" التي لم تنشر كاملة إلا بعد عشرين عاماً من تشويه النص.
أديب وصحفي وسياسي مثل "غسان كنفاني" كان على موعد مع الاغتيال لأنّه تجرأ وكتب، كان ضدّ كيان كامل، وكان وحيداً وأعزل في مواجهة آلة قتل، لم يتركه الكيان إلا جسداً منثوراً على الأرض، لأنّه ظل يكتب بقهر لاجئ: عائد.. عائد.. عائد.
ماذا كان مصير "حنظلة" أو ناجي العلي؟ وماذا كان مصير مئات الصحفيين الذين تولوا نقل حقيقة سلوكيات جيش الاحتلال الإسرائيلي؟ وما مستقبل الكثير من المبدعين العرب الذين لا يوفر لهم إبداعهم ثمن الخبز؟ إنّ الإبداع في بلادنا العربية "مهنة خطر".
دموع المهمشين
ولا بدّ أن نقف عند الكتابة الإبداعية النسائية، التي لا يحكم فيها على النص الأدبي من قبيل الإبداع أو الجودة، وإنّما من قبيل الأخلاق والشرف، فالمرأة المبدعة في الوطن العربي، هي دوماً وحتماً ولا بدّ أنّها تكتب قصتها، وهي محل دفاعٍ وشكٍ حول كل جملة في عملها، فلماذا يُقرأ النص الذي تكتبه امرأة أحياناً باعتباره اعترافاً شخصياً، بينما يُمنح الرجل مساحة أكبر للفصل بين حياته الخاصة وعمله الأدبي؟
أمّا قديماً، فقد كان ينظر إلى الأدب والاشتغال بالثقافة عموماً بأنّه استرجال كريه على المرأة، حتى جاءت مي زيادة، وجعلت من الأدب والثقافة حلية من حلي النساء، غير أنّها الحلية التي لا تصدأ، لكن مع هذا لم تفلت فراشة الأدب، فقد احترقت أجنحتها بواقع الوحدة والاكتئاب، ولم تجد الدعم من المجتمع الثقافي الذي وهبته حياتها، وانفضّ عنها رجال الفكر والأدب الذين كانت وحي أعمالهم ومهبط أفئدة كثيرين منهم. فلماذا التناقض بين احتفاء الوسط الثقافي بالمرأة بوصفها ملهمة، وقدرته على التخلي عنها حين تصبح هي صاحبة الصوت لا مجرد مصدر إلهام للآخرين.
إنّ دموع حامد ياسين هي دموع كل مثقف عربي في مكان بعيد لا تصل إليه أضواء الدعاية، هي قصة كل أديب جائع وشاعر مديون وصحفي غير مُقدّر، هي قصة كل كاتب الرقيب فوق رأسه، والزنزانة تخايل أحلامه، حامد ياسين هو كل صحفي عربي عاش أهوال الحرب على غزة وجنون الطائفية في سوريا ولبنان. حامد ياسين هو كل مبدع عربي... اختلفت الأسباب والهشاشة واحدة.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B41_1.jpg.webp?itok=XaqXO8ey)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%B1%D9%86%D8%AA_2.jpg.webp?itok=1yhMGfhe)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_11.jpg.webp?itok=E8KESZoX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A91.jpg.webp?itok=-awBS3MS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_31.jpg.webp?itok=ARGpqJ1L)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%88%D9%83%D8%B3%D9%84_1.jpeg.webp?itok=pTvggI8p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D8%A7%D8%A7%D9%86_3.jpg.webp?itok=4_vawLrR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%88%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_5.jpg.webp?itok=6IJwpPQn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%84_8.jpg.webp?itok=-GVNPmEf)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%861_7.jpeg.webp?itok=K8Lv-QOz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%84%D8%B9%D8%A7%D8%A8_3.jpg.webp?itok=t9lBWJnB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B40_2.jpg.webp?itok=h-BqKSyo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%A7%D9%83%D9%85%D9%8A%D8%A90.jpg.webp?itok=HldHn2Z_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_15.jpg.webp?itok=Ga6cwSOY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%86.png.webp?itok=HVlsID-q)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%865_4.jpg.webp?itok=kPFtr5y3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B3%D8%AC%D8%AF_0.png.webp?itok=km0ltUK9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-10-29%20105658.png.webp?itok=KHsHX29B)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%82%D9%84_4.jpg.webp?itok=492DLhgK)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A72_1.png.webp?itok=YYGzHrYP)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_136.jpg.webp?itok=CrSbMw9-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_13.jpg.webp?itok=BSEQt7fN)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%860_3.jpg.webp?itok=nAqwYt3Q)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_7.jpg.webp?itok=wRDX_4Wm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_9.jpg.webp?itok=iP0-4sjy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)
