كذبة اسمها الثورة

كذبة اسمها الثورة

كذبة اسمها الثورة


26/10/2026

تظل "الثورة" واحدة من أكثر المفردات سحراً وإثارة للجدل في القاموس الإنساني. إنّها الكلمة التي اختزلت عبر التاريخ آمال الشعوب المقهورة، وتكثفت فيها أحلام العدالة والحرية والكرامة. غير أنّ التأمل في مآلات الحركات الثورية عبر العصور يضعنا أمام مفارقة صادمة؛ فبين لحظة الانفجار الشعبي العفوي البهي، ولحظة استقرار النظام الجديد، تفصل هوة سحيقة غمرت دماء، وتبددت فيها وعود، حتى بات البعض يصف الثورة بأنّها أكبر كذبة تبيعها النخب للجماهير.

ومن الأبعاد الفكرية التي تعزز هذا الشعور بالغرابة تجاه المفهوم، أنّ مفردة "الثورة" بدلالتها المعاصرة تُعدّ مصطلحاً دخيلاً على الفضاء التداولي والثقافة الإسلامية الكلاسيكية. فلم يُعرف هذا اللفظ في التراث الفقهي والسياسي الإسلامي كأداة للتغيير الإيجابي، بل كانت المادة اللغوية للفعل "ثَارَ" ترتبط في الأذهان بالهيجان، والفتنة، واضطراب أحوال الناس، وخروج الناقة عن عقالها. وبدلاً من "الثورة"، استخدمت الأدبيات الإسلامية مصطلحات ذات أبعاد قيمية وتشريعية محددة مثل "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، أو "الخروج"، أو "الإصلاح". هذا التباين الاصطلاحي يوضح أنّ نقل المفهوم الغربي للثورة ـ القائم على الهدم الجذري وإعادة بناء المجتمع وفق عقود اجتماعية جديدة ـ إلى البيئة الإسلامية أحدث نوعاً من الارتباك المفاهيمي؛ حيث جرى إسقاط دلالات حداثية وافدة على واقع تحكمه مرجعيات تراثية ترى في الاستقرار وحقن الدماء أولوية قصوى، ممّا جعل التغيير الثوري يصطدم ببنادق الفتاوى الجاهزة وموروث طاعة ولي الأمر.

تبدأ الثورات دائماً كعملية طهارة جماعية؛ حيث تذوب الفوارق الطبقية والاجتماعية في الميادين، ويتوحد الهتاف تحت راية مطالب كبرى وبسيطة. في هذه اللحظة  يبدو التغيير قابلاً للمس، ويسيطر شعور جارف بالقدرة على إعادة بناء العالم من الصفر. هذه الرومانسية الثورية هي الوقود الذي يدفع الآلاف للتضحية بأرواحهم، وهي اللحظة التي وصفها الفلاسفة بالخروج من زمن الخنوع إلى زمن الفعل البشري الحر. لكنّ الأزمة تكمن في أنّ الثورات تُصنع بالعواطف الجياشة.

تتلحف الثورة بالدين تارة، وبالحرية تارة أخرى، وتلتحف بألحفة كثيرة ومزركشة كلما دعت الحاجة الإيديولوجية؛ فتراها حيناً ترتدي عباءة القومية الجاذبة، وحيناً آخر تتلفع بوشاح المظلومية والعدالة الاجتماعية الفضفاض. لكنّ الأزمة الكبرى تكمن في أنّ هذه الألحفة والشعارات، على تنوعها وبريقها، ليست في حقيقتها سوى أدوات تخديرية تُصنع لمداعبة غرائز الجماهير وعواطفهم، وتُستخدم كأقنعة مرحلية تخفي وراءها الوجوه الحقيقية لصراع النفوذ والمصالح الضيقة. وحين ينقشع غبار المعركة وتستقر النخب الجديدة على كراسي الحكم، تُلقى هذه الألحفة جانباً ليظهر الوجه العاري للسلطة؛ وجهٌ لا يختلف كثيراً عمّا سبقه، ليتأكد للمواطن المخدوع أنّ الشعارات البراقة لم تكن سوى جسر عبرت فوقه دماء الأبرياء نحو استبداد متجدد.

ينبغي النظر إلى التغيير كمسار تاريخي تراكمي معقد وممتد عبر العقود، وليس بالضرورة أن يقتدي هذا المسار بالثورة الفرنسية؛ فبالرغم من أننا نراها اليوم أصلاً للديمقراطية الحديثة، إلا أنّها مرت بعد سقوط الباستيل بنصف قرن من الديكتاتورية، والإرهاب، والحروب النابليونية، قبل أن تستقر كجمهورية، وقد كانت تبدو كذبة وخديعة كبرى لمعاصريها في أواخر القرن الثامن عشر. كما أنّ الثورة البلشفية أتت بوعود العدالة الاجتماعية وإنصاف الطبقة الكادحة، لكنّها سرعان ما آلت إلى نظام شمولي قمعي صادر الحريات واستبدل استبداد القياصرة بديكتاتورية الحزب الواحد.

من هنا، تظل الثورة السياسية الخاطفة أشبه بوهم أو كذبة كبرى إذا اعتقدنا أنّها قادرة على بناء مجتمع فاضل بضربة واحدة؛ إذ إنّها تحرق الحاضر باسم مستقبل لا يجيء، وتستبدل مستبداً بآخر تحت مسمّيات براقة ما دامت العقلية الجمعية لم تتغير. إنّ النهوض الحقيقي لا تصنعه الفوضى في الميادين، بل يشيّده التحول البطيء والعميق في ذهن المجتمع وثقافته؛ فالشعوب لا تحررها الشعارات العاطفية، بل يحررها نضجها الفكري وبناؤها المعرفي الذي ينقلها من مرحلة الهدم الحماسي إلى مرحلة البناء العقلاني الرصين.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية