
في بغداد القرن السادس الهجري؛ حيث كانت حلقات الحديث ومجالس العلماء جزءاً أساسياً من الحياة العلمية والثقافية للمدينة، برز اسم شُهدة بنت أحمد بن الفرج الإبَرِي، المعروفة بـ "فخر النساء"، بوصفها واحدة من النساء اللواتي بلغن منزلة رفيعة في رواية الحديث وإسناده.
ولم تكن شهرتُها محصورةً في السَّماع والرواية؛ فقد عُرفت كذلك بالكتابة وحُسن الخط، حتى غلب عليها لقب "الكاتبة"، وتكشف سيرتُها عن مسار علمي بدأ في بيتها منذ الطفولة المبكرة، ثم اتّسع عبر مجالس المحدّثين، قبل أن تصبح هي نفسها مقصداً لعلماء جاؤوا بعدها.
المادة الأوسع التي تُتيح تتبّع سيرتها ومرويّاتها في هذه المرحلة هي كتاب "العمدة من الفوائد والآثار الصحاح والغرائب في مشيخة شهدة"، الذي حقّقه وعرّف به الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب اعتماداً على مخطوط محفوظ في مكتبة كوبريلي بتركيا يقع في 36 لوحة، ويبدأ المحقق حديثه عنها بملامح من حياتها وتكوينها، قبل أن ينتقل إلى دراسة مشيختها ومرويّاتها ومكانتها في سلسلة الإسناد.
التكوين والنشأة
وُلدت شُهْدة في بغداد سنة 482هـ، في أسرة كان لها اتصال وثيق بالعلم والحديث؛ فقد كان والدها أبو نصر أحمد بن الفرج بن عمر الإبري الدينوري من أهل الحديث، ويبدو أنّ حضور العلم في بيتها كان جزءاً من نشأتها؛ فقد اصطحبها والدها إلى مجالس الحديث، وأسمعها الرواية وهي صغيرة، لتبدأ بذلك صلتها المبكّرة بعلم الحديث، قبل أن تتّسع لاحقاً لتشمل عدداً كبيراً من شيوخ عصرها.
كانت شهدة، بحسب ما تنقله المصادر التي جمعها المحقق، ذات عناية بالعلم، إلى جانب اتّصافها بالدين والصلاح
هذه النشأة المبكّرة مفتاح أساسي لفهم سيرتها؛ فشهدة لم تدخل عالم الحديث في مرحلة متأخرة؛ بل نشأت في مجالسه، واستمرت صلتها بالرواية نحو تسعين عاماً، ويظهر أثر ذلك بوضوح في طبيعة مرويّاتها؛ فقد سُمعت عليها كتب في صغرها في مجالس شيوخها الأوائل، ثم قُرئت عليها بعد عقود طويلة، بما يعكس امتداد حضورها في مجال الرواية عبر أجيال متعاقبة.
وكانت شهدة، بحسب ما تنقله المصادر التي جمعها المحقق، ذات عناية بالعلم، إلى جانب اتّصافها بالدين والصلاح، ويورد في عرضه لسيرتها شهادات من معاصريها ومن جاء بعدهم تصفها بالدين والورع والعبادة والعمل الصالح، وتكشف هذه الشهادات عن شخصية لم يكن علم الحديث فيها مجالاً للتلقّي والرواية فقط، وإنّما كان جزءاً ممتداً من حياتها وبيئتها العلمية.
مشيختها والقيمة الإسنادية
ولم تكن هذه المكانة قائمة على مجرد طول العمر وكثرة السماع؛ فقد تلقّت شهدة الحديث عن عدد من المحدّثين، وتضم مشيختها سبعة وعشرين شيخاً، وهو عدد يكشف اتّساع شبكة الاتصال العلمي التي دخلت فيها منذ صغرها في بغداد.
ومن بين هؤلاء الشيوخ: أبو الخطاب نصر بن أحمد بن عبد الله بن البطر، وأبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن طلحة النعالي، وأبو الفوارس طراد بن محمد الزينبي، الذي برز في مشيختها بصورة خاصة؛ إذ كان له النصيب الأكبر من الروايات في مشيختها.
برز اسم شُهدة بنت أحمد بن الفرج الإبَرِي، المعروفة بـ "فخر النساء"، بوصفها واحدة من النساء اللواتي بلغن منزلة رفيعة في رواية الحديث وإسناده
ومن مشايخها أيضاً: ثابت بن بندار، وأبو الحسين بن أيوب، وأحمد بن عبد القادر بن يوسف، وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أحمد الشاشي، ومنصور بن حيد، وجعفر السراج، وغيرهم من رجال الحديث.
وتكشف كثرة الشيوخ وتنوّعهم عن طبيعة العالم الذي دخلته شهدة: عالم يقوم على السَّماع، وتعدُّد طرق التلقّي، ودقة اتصال الرواية من شيخ إلى تلميذ.
ويتّضح ذلك في مثال كتاب "الأموال" لأبي عبيد القاسم بن سلام؛ فقد سمعته شهدة من الشيخ طراد الزينبي في صباها، ثم دارت الأيام ليُقرأ عليها الكتاب نفسه بعد ذلك بعقود.
وتعكس عبارات الأئمة والعلماء مكانة شهدة في الرواية والإسناد؛ فقد قال عنها الشيخ الموفق ابن قدامة إنّها امرأة "انتهى إليها إسناد بغداد"، ووصفها الذهبي بـ "المعمّرة، الكاتبة، مسندة العراق، فخر النساء"، ونقل المحقق عن ابن نقطة قوله بصحّة سماعها وضبطه.
وقد روى عنها عدد كبير من أعلام الحديث والفقه، منهم: الحافظ ابن عساكر، وأبو سعد السمعاني، وابن الجوزي، والحافظ عبد الغني المقدسي، والموفق ابن قدامة، والشيخ العماد، والشهاب بن راجح، والبهاء عبد الرحمن، وعبد القادر الرهاوي، وابن الأخضر، وغيرهم.
وتكشف هذه "المشيخة"، التي حققها الدكتور رفعت عبد المطلب، حجم المادة التي بقيت من هذا التراث؛ فقد بلغ عدد الروايات التي اشتملت عليها 114 رواية، يغلب عليها المرفوع، مع وجود روايات موقوفة، كما تضمنت سماعات لأجزاء وكتب حديثية وأدبية وأخلاقية متعددة، منها؛ كتب لأبي عبيد، وابن أبي الدنيا، وإسماعيل القاضي، إلى جانب أجزاء من أمالي بعض المحدّثين، وكتب في الدعاء والآداب وفضائل الأولياء.
ومع امتداد مسيرتها، انتقلت شهدة من موقع المتلقّية في مجالس شيوخها الأوائل إلى مكانة الشيخة التي يُقصد إليها للسماع، وتُقرأ عليها الكتب والأجزاء الحديثية، وأسهم طول عمرها في اتصالها بطبقات من الرواة، فكانت مرويّاتها وسيلة لانتقال الأسانيد من طبقات أقدم إلى من جاء بعدها، وأكسبها ذلك مكانة في الإسناد لا تنفصل عن طول ملازمتها للرواية.
خطاطة في المشهد الثقافي لبغداد
ولم تقتصر شهرة شهدة على علم الحديث والرواية؛ إذ عُرفت أيضاً بجودة الخط وإتقانه، حتى غلب عليها لقب "الكاتبة"، وتشير مصادر تاريخية إلى أنّ كتابتها كانت على طريقة علي بن هلال بن البواب، وأنّها أخذت هذه الطريقة عن تلميذه محمد بن منصور بن عبد الملك، بما يضع مهارتها في الكتابة ضمن سلسلة تعليمية متصلة بتقليد ابن البواب في الخط.
واشتهرت بإتقان "الخط المنسوب"، وهو الخط الذي ارتبط بضبط أبعاد الحروف وفق نسب وقواعد دقيقة، وقد أرسى ابن مقلة أسسه وطوّر ابن البواب تقاليده، وتكتمل صورة مكانتها في هذا الفن بما ينقله السيوطي من أنّه لم يكن في زمانها من يكتب مثلها، وبما يذكره الموفق ابن قدامة من جودة خطها، الذي ظل شاهداً على براعتها حتى تغيّر في أواخر عمرها بسبب الكِبَر، كما تذكر بعض المصادر أنّها أسهمت بدورها في نقل هذا الفن إلى تلاميذ لاحقين، ومنهم أمين الدين ياقوت الموصلي.
قال عنها الشيخ الموفق ابن قدامة إنّها امرأة "انتهى إليها إسناد بغداد"، ووصفها الذهبي بـ "المعمّرة، الكاتبة، مسندة العراق، فخر النساء"، ونقل المحقق عن ابن نقطة قوله بصحّة سماعها وضبطه
وهنا تتقاطع في شخصية شهدة مساحتان متكاملتان: علم الحديث والرواية من جهة، وإتقان الكتابة والخط من جهة أخرى، وعلى الرغم من أنّ الخط يمثل جانباً بارزاً من صورتها كخطاطة في المصادر، فإنّ مركز ثقل سيرتها، وفق ما يورده كتاب "العمدة"، يظلّ في علم الحديث والرواية؛ ويضيف لقب "الكاتبة" بُعداً آخر إلى صورتها العلمية والثقافية.
وعلى الصعيد الاجتماعي، عاشت شهدة في قلب البيئة العلمية والاجتماعية لبغداد؛ إذ تذكر كتب التراجم أنّها تزوجت من الأديب والوجيه البغدادي علي بن محمد بن يحيى الدريني الأنباري، الملقّب بثقة الدولة، وكان من خاصّة الخليفة المقتفي لأمر الله، وبنى مدرسة على شاطئ دجلة للشافعية ورباطاً للصوفية، ووقف عليهما، وينقل كتاب "العمدة" عن ابن الجوزي إشارات إلى مخالطتها دور الخلافة والعلماء، ووصفها بأنّها كانت صاحبة برّ وخير وأعمال صالحة.
امتدّت حياة شهدة حتى تجاوزت التسعين عاماً، لتختتم هذه العالمة مسيرتها في بغداد في 14 محرم سنة 574هـ، وأُقيمت الصلاة عليها في جامع القصر، وحضر جنازتها خلق كثير من العلماء والعامة، وتورد المصادر التاريخية أنّ شباك المقصورة أُزيل لأجل جنازتها إكراماً وتسهيلاً لمرورها، ثم دُفنت في مقبرة باب أبرز.
إنّ ما يجعل شهدة الإبري جديرة بالاستعادة اليوم اجتماع ثلاثة أبعاد في سيرتها: حضورها العلمي في عصر هيمن فيه الرجال على غالبية مؤسّساته العلمية، وإتقانها الخط، ثم مسارها العلمي الذي بدأ بالسماع والملازمة المبكرة وأفضى إلى مكانة راسخة في الرواية والإسناد.
وفي هذه المسافة الطويلة، بين طفولة كانت تجلس فيها في مجلس أبيها وشيخوخة انتهى إليها فيها إسناد بغداد، تتشكّل قصة "فخر النساء" التي ترسّخ اسمها بوصفها "مسندة العراق" و"الكاتبة"، وظلّ أثرها حاضراً في أسانيد من حملوا عنها العلم.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_5.jpg.webp?itok=fQ7K9UFg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%B4%D9%8A%D9%83_0.jpg.webp?itok=QyIoPlYz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_4.jpg.webp?itok=2RRiRBF7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%84_6.jpg.webp?itok=eSfdrlGf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A74_0_1_1.jpg.webp?itok=KCqrLm1I)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_13.jpg.webp?itok=F7crQRMb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A70_0.jpg.webp?itok=pVX3ecu_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%86_11.jpg.webp?itok=UtDk0GlP)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_36_2.jpg.webp?itok=xF6fvhqn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A9_2.jpg.webp?itok=LGVwvYZl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%88%D8%A8%D9%8A%D8%A7_1_0_0_0.jpg.webp?itok=5mo65lfc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_46.jpg.webp?itok=GedD_6a2)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%88%D9%83%D9%88_7.jpg.webp?itok=DHjHljD0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_86.jpg.webp?itok=_c0O7obq)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_5.jpg.webp?itok=ay3bIxpD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B1%D8%B6%D8%A7%D9%88%D9%8A_15_0_0_4.jpg.webp?itok=6X3JWcbO)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%B1%D9%85%D8%B2_4.jpg.webp?itok=t1TsOP4-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%B5%D8%A7%D9%85.png.webp?itok=yvnstWJC)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_4.jpg.webp?itok=hVI6UEOO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9_6.jpg.webp?itok=W3HmVWTo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%A7%D8%B5%D9%85%D8%AA%D8%A7%D9%86.jpg.webp?itok=Kmx-TQ6p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A71.jpg.webp?itok=uIWaxHOJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)