هل تضطر تركيا للحوار مع أوروبا خوفاً من بايدن؟

هل تضطر تركيا للحوار مع أوروبا خوفاً من بايدن؟

مشاهدة

25/11/2020

مع اقتراب تسلّم الرئيس الأمريكيّ المنتخب، جو بايدن، السّلطة في الولايات المتّحدة، يزداد قلق الرئيس التركيّ، أردوغان، من ساكن البيت الأبيض الجديد، الذي هدّده قبيل انتخابه بدعم المعارضة التركية ضدّه، ودعا إلى إعادة الدفء للعلاقات الأمريكيّة - الأوروبيّة، ما يعني دعم أوروبا ضدّ تهديدات أردوغان.

المحلّل السياسيّ التركيّ محمد عبيد الله، لـ "حفريات": أوروبا تدرك خطر تنظيم الذئاب الرمادية المتحالف مع أردوغان، والذي يتبنى خطاباً قومياً - إسلاموياً معادياً للغرب

ولذا يرى مراقبون أنّ أردوغان بدأ في التقرّب إلى أوروبا، لحلّ الخلافات بينهما، على خلفيّة توتّرات شرق المتوسّط، وأزمة اللّاجئين، والصّراع في ليبيا، والعداء التّركي لفرنسا، والدعوة لمقاطعتها تجارياً، لتخفيف نقمة بايدن عليه، عبر الدّرع الأوروبيّ، وتماشياً مع النهج الأمريكيّ الجديد نحو تهدئة الصّراعات العالميّة.

وفي هذا السياق؛ جاءت دعوة أردوغان إلى أوروبا بالحوار، في خطابه، السبت 21 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، وهو الأمر الغريب الذي يأتي بعد تصعيد حادّ من أردوغان ضدّ فرنسا واليونان في قبرص، وبالتزامن مع دعوات أوروبية لفرض عقوبات اقتصادية على تركيا.

دعوة تركيّة للحوار

دعا الرئيس التركيّ، رجب طيّب أردوغان، الاتّحاد الأوروبيّ إلى الحوار، محذّراً من "أنّ العلاقات بينهما لا يجب أنّ تتأثر بالنزاع في شرق المتوسط"، وذلك خلال فيديو مسجّل، بُثّ في انعقاد المؤتمر العام لحزب العدالة والتنمية، يوم السبت 21 من الشهر الجاري.

وقال :"نتوقّع من الاتحاد الأوروبيّ الإيفاء بوعوده وعدم التمييز ضدّنا، أو على الأقل، عدم التحوّل إلى أداة للعداوات المفتوحة التي تستهدف بلدنا".

اقرأ أيضاً: حظر توريد الصناعات العسكرية إلى تركيا يكشف زيف ادعاءاتها... ما علاقة قطر؟

وأردف أردوغان: "لا نرى أنفسنا في أيّ مكان آخر غير أوروبا، ونتطلّع إلى بناء مستقبل مشترك معها".

وفي الأسبوع السابق، قال الممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبيّ، جوزيب بوريل: "لا ترسل تركيا إشارات إيجابيّة، أو حاجة إلى تغيير من سياستها في قضيّة التنقيب عن الغاز مع دولتَي الاتّحاد؛ اليونان وقبرص، في شرق المتوسّط".

المفوضية الأوروبية دعت إلى فرض عقوبات اقتصادية على تركيا، تشمل قطاعَي السياحة والنقل، على خلفية انتهاك تركيا حرية التجارة، بدعم مقاطعة فرنسا، وأزمة شرق المتوسط.

تصريحات بوريل جاءت عقب تمديد الاتحاد الأوروبيّ عقوبات مفروضة على أنقرة لعام إضافيّ، تشمل حظراً على منح التأشيرات لأفراد مرتبطين بعمليات التنقيب غير القانونيّة عن الغاز في المتوسّط، وتجميد أيّة أصول تابعة لهم في الاتّحاد، وذلك في الرابع من الشهر الجاري.

وصدرت توصية عن المفوضية الأوروبيّة؛ بفرض حزمة عقوبات اقتصاديّة على تركيا، تشمل قطاعَي السياحة والنقل، على خلفيّة انتهاك تركيا لحريّة التجارة، ودعوتها إلى مقاطعة فرنسا اقتصادياً.

وتظلّ الموافقة على العقوبات الاقتصاديّة مرهونة بنتائج اجتماع الزعماء الأوروبيين، في كانون الأول (ديسمبر) المقبل، لكنّ ألمانيا لا تحبّذ اللّجوء إلى العقوبات الاقتصاديّة، بسبب ارتباط الاقتصاد الأوروبيّ بصناعة النقل التركيّة.

ويبحث اجتماع الزعماء مستقبل العلاقات بين تركيا والاتّحاد الأوروبيّ، وكانت المستشارة الألمانيّة، أنجيلا ميركل، قالت ردّاً على سؤال من محرّر، حول استمرار الاستفزازات التركيّة؛ بأنّهم سيراقبون التطوّرات خلال الأسبوعين المقبلَين، قبل مناقشة أيّة عقوبات محتملة.

دعوات أردوغان جاءت في وقت تشهد فيه الليرة التركية انهياراً في قيمتها أمام الدولار، بعد أن تخطّت عتبة 8.3 ليرة لكلّ دولار، إلى جانب المشكلات الاقتصاديّة الكبيرة، وفقدان الثقة في السّوق، عقب إقالة وزير المالية، بيرات ألبيرق، بشكل غامض.

اقرأ أيضاً: على خُطى داعش.. حزب الله وتركيا مستمران في نهب الآثار السورية

وتعليقاً على ذلك، يقول المحلّل السياسيّ التركيّ، محمد عبيد الله: "السفينة الاقتصادية في تركيا، بقيادة صهر أردوغان، تغرق نتيجة، فقد تحوّل أردوغان من المعسكر الغربي بقيادة واشنطن وبروكسل، إلى المعسكر الروسيّ - الصينيّ، وهذا التحوّل وليد أمرَين: إلغاء العمل بالقانون والدستور، والأزمة الاقتصاديّة".

ويردف عبيد الله، لـ "حفريات": "ليس بمقدور روسيا أو الصين أو إيران الإسراع إلى دعم اقتصاد المأزوم، ولا يملك أردوغان موارد طبيعيّة، من غاز ونفط، حتى يعتمد على نفسه؛ لذلك هو مضطر للتوجّه شطر الغرب مجدداً، شاء أم أبى، لإنقاذ نظامه المتهاوي؛ لأنّ أكثر من 80% من تجارة تركيا مع الغرب، وليس مع المعسكر الأوراسي".

ويرى المحلّل التركيّ؛ أنّ توجه أردوغان على الصعيد الخطابي إلى الغرب نابع من طمعه في الحصول على دعم ماليّ، واستقطاب الاستثمارات الأجنبيّة، لكنّ أوروبا، وعلى رأسها فرنسا، أعلنت أنّها تريد أفعالاً لا مجرد أقوال.

وكان أعضاء من البرلمان الأوروبيّ دعوا من قبل إلى قطع العلاقات الاقتصاديّة مع تركيا، في أكثر من مناسبة، من بينها دعوة عدد من المشرّعين البرلمانيّين إلى قطع التجارة، في 24 تشرين الأول (أكتوبر) العام الماضي، أثناء شنّ أردوغان عملية نبع السلام ضدّ الأكراد.

اقرأ أيضاً: مخططات تقسيم اليمن بين إيران وتركيا وقطر والإخوان

وعلى الرغم من عدم امتلاك المشرّعين رأياً مباشراً في العقوبات ذات الصلة بالتجارة؛ فإنّ لهم نفوذاً فيما يخصّ القدرة على خفض التمويل السنوي المقدم لأنقرة، في إطار عمليّتها المطوّلة للانضمام لعضوية الاتحاد الأوروبيّ، ويبلغ 250 مليون يورو، وهو خيار تؤيّده مجموعة يمين الوسط في المجلس الأوروبيّ، كما بوسع البرلمان كذلك عرقلة أيّ تمويل جديد للاجئين السوريين في تركيا.

أردوغان بين ترامب وبايدن

وفي خطابه في المؤتمر العام لحزبه؛ وجّه أردوغان حديثه إلى الولايات المتّحدة، مستنداً إلى العلاقات القويّة التي تجمعه مع ترامب، وطالبها بأن تقوم بدورها لتشارك في حلّ مشكلة شرق المتوسط.

ويرى كثيرون أنّ الرئيس الأمريكي الحالي، دونالد ترامب، يعتمد على التواصل الشخصيّ مع أردوغان في علاقاته مع تركيا، لا على العمل المؤسّسي، وهو ما جاء على حساب أوروبا.

إلا أنّ ترامب لا يهتمّ بشخص أردوغان، بل وظّفه لتخويف أوروبا، ودفعها لزيادة مشاركتها في نفقات حلف شمال الأطلسيّ، والالتزام بموقف مؤيّد لواشنطن في نزاعها مع روسيا والصين، وإلا ستترك أمريكا أوروبا وحدها في مواجهة أردوغان.

لكن لم يغفر ترامب لأردوغان صفقة "إس - 400" مع روسيا، وفرض عقوبات عسكريّة على أنقرة بسببها، وهناك أخرى مقبلة حال قيام تركيا بتشغيل أو استلام بقية الصفقة من موسكو.

اقرأ أيضاً: إخوان اليمن يمهدون لتصعيد قادم مع السعودية من تركيا

ومع بايدن سيتغير كلّ ذلك؛ فسياسته تعتمد على التقارب مع أوروبا، وحلّ المشاكل مع الصين، والحفاظ على حرية التجارة العالمية، وحرية رأس المال، ما يجعل وجود أردوغان مهدّداً لمشاريعه، وبالنسبة إليه يجب أن يرحل أردوغان، ولا يعني ذلك التخلّي عن الإخوان المسلمين.

فضلاً عن دعم بايدن للأكراد، وهو أشدّ ما يقلق أردوغان، وسبق أن حاول الديمقراطيون في الكونغرس فرض عقوبات على أردوغان، خلال تشرين الأول (أكتوبر) عام 2019، على خلفية عمليّة "نبع السلام"، والتي سحب ترامب القوات الأمريكيّة من مناطقها، في تفاهم مع أردوغان، عدّه الديمقراطيّون والأكراد خيانة من ترامب لحلفاء الولايات المتحدة.

وعقب فوز بايدن، لم يكن أردوغان من الزعماء الذين سارعوا لتهنئته، وهنّأه بعد ثلاثة أيام على إعلان فوزه، ما يعني أنّ أردوغان يودّ من ترامب التدخّل لصالحه ضدّ أوروبا، قبيل العشرين من كانون الثاني (يناير) العام المقبل.

هل يعاقب ترامب تركيا؟

للولايات المتّحدة مع ترامب خطوط حمراء انتهكها أردوغان، بصفقة منظومة الدفاع الجوي الروسية "إس - 400"، والتي بسببها تمّ طرد تركيا خارج مشروع تصنيع الطائرة "إف - 35"، إلى جانب التقارب الأمريكيّ مع قبرص واليونان الفترة الأخيرة، والتي شملت تدشين قاعدة جويّة أمريكيّة في اليونان، في 28 تموز (يوليو) الماضي.

وانتقلت واشنطن من موقف التغاضي عن سلوك أردوغان الاستفزازي في شرق المتوسط، إلى رفض إثارة التوترات في المنطقة، والتأكيد على الالتزام تجاه أمن قبرص واليونان، بشكل غير مباشر، وهو تحوّل يمثّل تهديداً لأردوغان، ويمثّل دعماً لأوروبا ضدّه.

وجاءت آخر إشارة أمريكية حول ذلك، في زيارة بومبيو إلى إسطنبول، في 17 من الشهر الجاري، للقاء شخصيات دينية، بما في ذلك البطريرك المسكوني بارثولوميو، الزعيم الروحي لنحو 300 مليون مسيحي أرثوذكسي حول العالم، دون أن يزور العاصمة أنقرة، أو يلتقي بمسؤولين أتراك.

اقرأ أيضاً: مقتل قائد في فيلق الشام المقرب من تركيا في سوريا.. تفاصيل

وشهد النصف الثاني من العام الجاري، زيارات متعددة لبومبيو إلى قبرص واليونان، ليؤكّد كلّ مرّة على ضرورة خفض التوتر في شرق المتوسط، وعلى أهمية اليونان وقبرص لواشنطن.

وبالنسبة إلى أردوغان فإنّ الحلّ لهذا المأزق، هو تقليص  خلافاته مع أوروبا بنفسه، لقطع الطريق على دعم واشنطن لأوروبا. وامتصاص الغضب الأمريكي على خلفية صفقة "إس - 400"، وتجاوز الخطوط الحمراء في ليبيا وسوريا، والعلاقات مع إيران، وقضية بنك خلق التركي، المتهم بتسهيل عمليات لصالح إيران، لقاء رشاوى لعائلة أردوغان.

وربما تنعكس التحركات الأمريكية الأخيرة لتشديد العقوبات على إيران، قبيل انتهاء حكم ترامب على أردوغان، نتيجة علاقاته القوية مع إيران.

ما جدوى الحوار؟

علاوةً على الخلافات السابقة؛ تشهد أوروبا تحركاً جماعياً في مواجهة الإسلام السياسي في أوروبا، والإرهاب الناتج عنه، والجمعيات القومية المرتبطة بأردوغان، مثل الذئاب الرمادية.

وتجعل كلّ هذه الخلافات دعوة أردوغان للحوار لا قيمة لها، إذ لم تتحسّن سياسته نحو أوروبا، في وقت تشهد القارة تنامي دعوات فرض العقوبات على تركيا.

ويرى المحلّل السياسيّ التركيّ، محمد عبيد الله؛ أنّ أوروبا بدأت تدرك خطر تنظيم الذئاب الرماديّة القوميّ، المتحالف مع أردوغان، والذي يتبنّى خطاباً قومياً - إسلاموياً معادياً للغرب، يستطيع بفضله تحريك العناصر المتطرفة التابعة للتنظيمات القومية التركية والجماعات الإسلامية، بما فيها جماعة الإخوان المسلمين؛ لذلك بدأت عدّة دول أوروبية حظر هذا التنظيم، وتقليص العمل الديني التركي.

اقرأ أيضاً: مطالبات أوروبية بحظر بيع السلاح إلى تركيا... ماذا سيكون رد أنقرة؟

وتعليقاً على اتجاه أردوغان لامتصاص الغضب الأوروبي، يقول المحلل السياسي التركي، جودت كامل: "تركيا في موقف حرج جداً بسبب سياسة أردوغان الفاشلة، فقد أفلس في الداخل، اقتصادياً واجتماعياً، وكذلك في السياسة الخارجية، وفقدت تركيا مصداقيتها مع الغرب، لتذبذب أردوغان بين الغرب والشرق، حيث صفقة "إس - 400" مع موسكو، رغم عضويّة تركيا في الناتو".

ويتابع كامل، لـ "حفريات": "أردوغان في موقف ضعيف بعد خسارة ترامب، وحسم بايدن الانتخابات الرئاسية الأمريكيّة؛ لذلك بدأ في التراجع عن سياسة تصعيد الأزمات مع أوروبا، خوفاً من التداعيات الاقتصاديّة والسياسيّة، نتيجة المواجهة مع الاتّحاد الأوروبيّ، وتجنباً لإثارة واشنطن".

ويبدو أنّ وضع أردوغان من سيّئ إلى أسوأ؛ بسبب المشاكل الاقتصادية الداخلية، وفقدان حزب العدالة والتنمية الشعبية. وخارجياً هو مُهدّد بعقوبات اقتصادية أوروبية، ومهدّد من حلف الناتو بسبب زعزعة أمن الحلف، ومخاوف من خطوات تصعيدية من ترامب ضدّه، فضلاً عن التهديد الأكبر من الرئيس الأمريكي المنتخب، جو بايدن.

وتشير بيانات صادرة من معهد الإحصاء التركي، ووزارة التجارة التركية، إلى أنّ حجم الصادرات التركية بلغ حوالي 171 مليار دولار، في العام 2019 بزيادة بنسبة 2.1٪ مقارنة بالعام السابق، في حين بلغ حجم الواردات 202 مليار دولار، بانخفاض بنسبة 9.1٪ مقارنة بالعام 2018.

ويشكّل التبادل التجاري بين الاتحاد الأوروبي وتركيا نسبة 40%، من التجارة الخارجية التركية، ويبلغ حجمه 200 مليار يورو.

الصفحة الرئيسية