كيف تغيّر سيد قطب وغيّر الإخوان معه؟

كيف تغيّر سيد قطب وغيّر الإخوان معه؟

مشاهدة

19/01/2022

يؤسّس كتاب "هذا الدين" لسيد قطب لمرحلة جديدة في الإسلام السياسي، بدأت في منتصف الخمسينيات عندما قُدّم الصراع بين الدولة المصرية برئاسة جمال عبد الناصر وبين الإخوان المسلمين على أنّه صراع بين الإسلام وأعدائه، وبدأ يتشكّل فقه إسلامي سياسي جديد يستمدّ وجوده ومبرراته وأهميته من الصراع مع الدول والأنظمة السياسية الإسلامية على أنّها معادية للإسلام، ويجب إقامة نظام بديل لها على أساس الإسلام، وهو ليس الإسلام الذي تفهمه وتطبّقه الدول المعاصرة والتاريخية أيضاً، لكنّه إسلام جديد أو مختلف، وبمعنى آخر هو الإسلام الذي تقوم على تنفيذه وفهمه الحركة الإسلامية، أو كما يسمّيها سيد قطب "طلائع البعث الإسلامي"، وهكذا تشكّل صراع داخلي يرى أحد الأطراف فيه أنّه الإسلام، وأنّ الآخر عدو الإسلام، في حين كانت تعترف الأطراف المتصارعة في التاريخ الإسلامي لبعضها بعضاً بأنّها جميعها مسلمة.

اقرأ أيضاً: لماذا يعادي تيار الإسلام السياسي البيئات المستقرة؟

وقد تحوّل سيد قطب من فكرة التصوّر الإسلامي للحياة والنظام السياسي والاقتصادي، كما حرّره في كتابه المشهور "العدالة الاجتماعية في الإسلام"، إلى البديل الراديكالي أو الجذري للأنظمة السياسية القائمة في عالم العرب والمسلمين باعتبارها جاهلية يجب اقتلاعها من جذورها، بل إنّه وصف عمليات التنظير الإسلامي في الحكم والاقتصاد والسياسة على أنّها مثل استنبات البذور في الهواء، تزيّن الجاهلية، وتطيل بقاءها، وتعطيها غطاء إسلامياً.

  استطاع سيد قطب أن يحوّل الإخوان المسلمين من الإصلاح في ظلّ الأنظمة السياسية إلى العمل على تغييرها

واستطاع سيد قطب أن يحوّل الإخوان المسلمين من الإصلاح في ظلّ الأنظمة السياسية إلى العمل على تغييرها، وأسّس أيضاً مبادئ وقواعد تنظيرية قامت عليها أحزاب وجماعات أخرى غير الإخوان المسلمين، مثل حزب التحرير الإسلامي، وجماعة الجهاد، وحزب الدعوة الإسلامي (الشيعي)، وغيرها من الجماعات والأحزاب في منظومة الإسلام السياسي، بل إنّ جماعات وحركات ثورية غير إسلامية استلهمت أفكار ومقولات سيد قطب، وأعادت إنشاءها وصياغتها في خطاب ثوري احتجاجي غير إسلامي.

اقرأ أيضاً: هل يحتكر الإسلام السياسي تمثيل المسلمين في أوروبا؟

ألّف سيد قطب كتابيه: "هذا الدين"، و"المستقبل لهذا الدين"، ثمّ كتباً أخرى، أهمّها "معالم في الطريق"، وهو في السجن، وكان يجري نقلها وتداولها في صفوف الإخوان المسلمين على هيئة رسائل تتلقاها قطاعات واسعة من الجماعة في مصر وفي خارجها، وتشكّل حولها في (10) أعوام تقريباً جيل جديد من الإخوان المسلمين، وجماعات الإسلام السياسي، يختلف في أفكاره وقيمه عن الجيل السابق من الجماعة، بل إنّهما يتناقضان مع بعضهما بعضاً تناقضاً أساسياً وعدائياً.

اقرأ أيضاً: القرضاوي ينتقد سيد قطب: هل بدأت مناورات الإسلام السياسي الجديد؟

وعندما فطنت قيادة الإخوان المسلمين لما يجري في صفوفها، أصدر المرشد الثاني في جماعة الإخوان المسلمين كتاب "دعاة لا قضاة" ردّاً على بعض هذه الأفكار والمقولات، لكنّه كتاب ظلّ أقلّ تأثيراً من كتب سيد قطب، وتستقرّ اليوم على نحو راسخ وبديهي مقولات الاستعلاء والتميز والشعور بالامتلاء بصواب الذات، وبطلان الآخر مهما كان، ورفض العالم والحضارة الإنسانية وعدم تقبلها برغم التمتع بخيراتها وفوائدها، والمفاصلة الشعورية والجذرية مع المجتمعات والأنظمة السياسية برغم التعامل والتعايش معها.

 

اقرأ أيضاً: عام سقوط تنظيمات "الإسلام السياسي"

وتوقفت جماعة الإخوان المسلمين من كونها جماعة إصلاحية، تدعو إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، وتعمل في ظلّ الدول التي تعيش فيها وفق أنظمتها وقوانينها، وتعمل في الوقت نفسه على مواءمة أوضاع هذه الدول مع الشريعة الإسلامية، وصارت جماعة تقدّم بديلاً "إسلامياً" على أنقاض الدول والمجتمعات القائمة التي صارت تسمّيها "الجاهلية".

   يبدأ سيد قطب نظرية التغيير الجذري بمفاهيم وأفكار مثالية أنّ "المنهج الإسلامي" مايزال قادراً في كلّ حين

يبدأ سيد قطب نظرية التغيير الجذري بمفاهيم وأفكار مثالية مستمدة من أنّ "المنهج الإسلامي" ما يزال قادراً في كلّ حين كلما بذلت محاولة جادة في تطبيقه وتحكيمه في الحياة، على أن يقدّم التصورات والموازين في كلّ قطاعات الحياة الإنسانية، وأن ينظم حقوق الإنسان وواجباته وغاية الوجود الإنساني، ومكانه في هذا الكون ووظيفته، ولكنّ ذلك لا يتم إلّا بمواجهة شاملة وجذرية تتطابق مع المواجهة التي حدثت في صدر الدعوة الإسلامية مع الجاهلية المحيطة.

 

اقرأ أيضاً: 2022 عام سيئ آخر ينتظر الإسلام السياسي

يقول سيد قطب: ويوم جاء الإسلام أول مرّة، وقف في وجهه واقع ضخم من العقائد والتصورات والمصالح والعصبيات والأوضاع والقيم والموازين. كانت المسافة بين الإسلام وواقع الناس هائلة سحيقة، وكانت النقلة التي يريدهم عليها بعيدة، ولكنّ هذا الواقع الهائل الضخم سرعان ما تزحزح عن مكانه ليخليه للوافد الجديد، وسرعان ما تسلّم القائد الجديد قيادة البشرية ليخرجها من الظلمات إلى النور، ويقودها بشريعة الله تحت راية الإسلام. كيف وقع هذا الذي يبدو مستحيلاً في تقدير من يبهرهم الواقع ويسحقهم ثقله، وهم يزنون الأمور والأوضاع؟ يقول سيد قطب: إنّ الإسلام لم يقهر الواقع بمعجزة خارقة لا تتكرر، وإنّما وفق سُنّة دائمة تتكرر كلما أخذ الناس بها واستجابوا إليها، لقد انتصر لأنّه تعامل مع رصيد الفطرة المكنون، وهو رصيد ضخم هائل، لا يغلبه هذا الركام الظاهري.

 

اقرأ أيضاً: "الإسلام السياسي".. في ذكرى رحيل مبتدع المصطلح

فالإسلام، كما يقول، لم يقف مستسلماً عاجزاً مكتوف اليدين أمام هذا "الواقع"، ولكنّه ألغاه، أو بدّله، وأقام مكانه بناءه السامق الفريد، على أساسه القوي العميق، وما حدث مرة يمكن أن يحدث مرة أخرى، فقد حدث ما حدث وفق سُنّة جارية، لا وفق معجزة خارقة. وقد قام ذلك البناء على رصيد الفطرة المدخر لكلّ من يستنقذ هذا الرصيد، ويجمعه، ويوجّهه، ويطلقه في اتجاهه الصحيح.

والبشرية اليوم قد تكون أقدر على هذا الاتجاه الصحيح، بما استقرّ في تاريخها وفي حياتها من آثار ذلك المدّ الأول، الذي واجه أقسى المعارضة، ثمّ مضى في طريقه، وخلّف من بعده أعمق الآثار، فإذا كانت الدعوة إلى الإسلام في المرّة الأولى، لم تجد إلّا رصيد الفطرة تواجه به واقع البشرية، فإنّها اليوم تجد إلى جانب رصيد الفطرة المكنون، رصيد الموجة الأولى لهذا المنهج الإلهي في حياة البشرية جمعاء -من آمن بالإسلام، ومن دخل في حكم الإسلام، ومن تأثر على البعد بالمدّ الإسلامي العريض- كما تجد رصيد التجارب البشرية المريرة، التي عانتها في التيه، حين بعدت عن الله، وعانت في ذلك التيه مرارة الحياة.

اقرأ أيضاً: كيف حول أردوغان الإسلام السياسي لأداة توسع؟

والمبادئ والتصورات، والقيم والموازين، والنظم والأوضاع، التي واجه بها الإسلام البشرية أول مرة، وليس معه إلّا رصيد الفطرة، فأنكرتها أشدّ الإنكار؛ وتنكرت لها كل التنكر، وقاومتها كل المقاومة، لأنّها، يومذاك، كانت غريبة كل الغرابة، وكانت المسافة  بينها وبين واقعها سحيقة هائلة ...، هذه المبادئ والتصورات، والقيم والموازين، والأنظمة والأوضاع، قد استقرت في حياة جماعة من البشر -وهي في صورتها الكاملةـ فترة من الزمان، ثمّ استقرت في حياة العالم الإسلامي العريض -في مستويات متفاوتة- فترة طويلة أخرى، ثمّ عرفت في حياة الجماعة البشرية كلها تقريباً، خلال نيف وثلاثمئة وألف عام....، عرفت على الأقل دراسة ورؤية وفرجة! إن لم تعرف مزاولة وعملاً وتجربة، ومن ثمّ لم تعد غريبة على البشرية كما كانت يوم جاءها بها الإسلام أول مرة، ولم تعد منكرة في حسّها وعرفها كما كانت يومذاك.

هذه الظاهرة الكونية، التي تجلّت على هذا الكوكب الأرضي، وتمّت في حياة هذه البشرية؛ وهي ظاهرة هذا الدين، لم تدع جانباً واحداً من حياة البشرية منذ ذلك التاريخ، إلّا وتجلّت فيه، وتركت فيه تأثيراً تتفاوت درجاته، ولكنّه واقع لا شكّ فيه. وإنّ كل حركة من حركات التاريخ الكبرى قد استمدت مباشرة أو غير مباشرة من ذلك الحدث الكبير؛ أو -بتعبير أصح- من هذه الظاهرة الكونية الضخمة.

اقرأ أيضاً: ما بعد الإسلام السياسي: الطموحات الأيديولوجية الكبيرة إذ تنكمش

لكن يستدرك سيد قطب أنّ هناك حقيقة أولية عن طبيعة هذا الدين وطريقة عمله في الحياة، وينشأ عن نسيانها أو عدم إدراكها خطأ جسيم في النظر إلى هذا الدين، حقيقته الذاتية وواقعه التاريخي، حاضره ومستقبله كذلك، إنّ البعض ينتظر من هذا الدين ما دام منزلاً من عند الله أن يعمل في حياة البشرية بطريقة خارقة ودون اعتبار لطبيعة البشر وطاقاتهم الفطرية وواقعهم المادي، في أيّ مرحلة من مراحل نموهم، وفي أيّ بيئة من بيئاتهم، وحين يرون هذا، فإنّهم يصابون بخيبة أمل لم يكونوا يتوقعونها. 

إنّ هذا الدين منهج إلهي للحياة البشرية يتمّ تحقيقه في حياة البشر بجهد البشر أنفسهم في حدود طاقتهم البشرية، وفي حدود الواقع المادي للحياة الإنسانية في كل بيئة.

لكن ما ميزة المنهج الإسلامي على المناهج البشرية طالما أنّه يعمل في حدود طاقة البشر وواقعهم؟ يقول: "نحن ملزمون بمحاولة تحقيق المنهج الإسلامي لنحقق لأنفسنا صفة الإسلام التي ندّعيها، ونحن ملزمون بمحاولة تحقيق المنهج الإسلامي، لأنّه وحده المنهج الذي يحقق كرامة الإنسان، ويمنحه الحرية الحقيقية، ولأنّه المنهج الوحيد المبرأ  من نتائج الهوى والضعف الإنساني. 

 مثالية المقولات القطبية تجعلها متقبلة برغم مثاليتها بل إنّها تمنحها جاذبية وتجعلها حيوية وديناميكية

وقد يقال إنّه منهج مثالي غير واقعي، إنّه ليس صحيحاً أنّ المنهج الإلهي يكلف النفس البشرية فوق طاقتها، وأنّها لن تصبر عليه طويلاً، إنّ العمل والإيجابية صورة أخلاقية في هذا المنهج، فالتبطل والسلبية كما يصورها الإسلام غير أخلاقية تتنافى مع الوجود الإنسانيما هي الضمانات التي تجعل الجماعة المسلمة تحقق ما يدعوها إليه الله وما يأمرها به؟ الضمانة الحقيقية للمنهج الإسلامي كامنة في ضمير المسلم، منبعثة من إيمانه. 

لقد تقدّمت الحضارة الغربية في عالم الصناعة والإنتاج إلى ما يشبه الخوارق، وما تزال في طريقها صعداً في هذا المجال. ولكنّها لم تتقدم في تصور أهداف الحياة الإنسانية وغاية الوجود الإنساني، فالحضارة الراهنة تنحطّ بالشعور الإنساني إلى الحضيض، وتصغر من اهتماماته وأشواقه وإنسانيته".

اقرأ أيضاً: عن سقوط "الإسلام السياسي" في المغرب

إنّها مقولات تبدو متقبلة برغم مثاليتها، بل إنّ مثاليتها تمنحها جاذبية، وتجعلها حيوية وديناميكية، وتصلح للتعاطي معها في الفكر والإعلام والمدارس والمساجد والتجمعات، وقابلة للانتشار والتداول بين المتدينين، بمن فيهم القائمون على المؤسسات الدينية والتعليمية الرسمية الذين يختلفون سياسياً مع سيد قطب والإخوان المسلمين، لكنّها كرّست في الوقت نفسه المفاصلة مع المجتمعات والأنظمة السياسية القائمة، والنظر إليها على أنّها "غير إسلامية"، وجعلت مفاهيم جديدة مثل "الدولة الإسلامية"، و"المجتمع الإسلامي"، و"الجاهلية"، تأخذ فهماً متداولاً برغم عدم تحديدها أو تأصيلها، لكنّها جعلت معظم المسلمين، بمن فيهم غير المتدينين، ينظرون إلى أنفسهم على أنّهم خطأ وباطل، وأنّ "الإسلام السياسي"، حتى برغم العداء معه، حق وصواب، وأنّ الخلاف معه ليس في المحتوى، ولكن في الملاءمة والتدرج والواقعية.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية