
أطلقت مؤسسة الشارقة للفنون الدورة الخامسة من مهرجان "عروض الشارقة" خلال الفترة من 11 أكتوبر (تشرين الأول) إلى 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026، بمشاركة فنانين ينتمون إلى تجارب وخلفيات ثقافية مختلفة. ويضم برنامج الدورة 16 عرضًا تتنوع بين المسرح والرقص والأداء المعاصر، وتجمع بينها محاولات لاستكشاف العلاقة بين الجسد والذاكرة والمكان، وإعادة النظر في موقع الجمهور من التجربة الفنية.
في السنوات الأخيرة، لم يعد حضور عرض أدائي معاصر تجربة يمكن توقع تفاصيلها مسبقًا. قد يجد المتفرج نفسه مطالبًا بالمشاركة في الأداء، أو أمام حركة بطيئة تكاد تصل إلى السكون، أو داخل مكان لم يُصمم أصلًا لاستضافة العروض الفنية. هذه التحولات لا تتعلق فقط برغبة الفنانين في التجريب، وإنما تعكس تغيرًا أوسع في فهم العلاقة بين العمل الفني ومن يشاهده، ويبدو هذا التحول حاضرًا في عدد من الأعمال التي اختارها المهرجان لدورته الجديدة، وإن اختلفت الطرق التي يتعامل بها كل فنان مع جمهوره.
الجمهور على خشبة المسرح
من بين الأعمال اللافتة في برنامج الدورة "وورك. تكست" للكاتب المسرحي البريطاني ناثان إليس، الذي يُعرض في 18 أكتوبر (تشرين الأول)، ويعتمد بشكل أساسي على مشاركة الجمهور في أداء العمل بالكامل، من دون ممثلين محترفين. يتناول العرض علاقتنا بالعمل، لكنه يفعل ذلك من خلال تجربة يصبح فيها المتفرجون أنفسهم مسؤولين عن تقديم النص، وهكذا، تتغير العلاقة المعتادة بين من يؤدي ومن يشاهد، ويصبح حضور الجمهور شرطًا أساسيًا لوجود العرض، وليس مجرد عنصر مكمل له.
تستدعي هذه التجربة مفهوم الوساطة الثقافية، الذي تطور داخل المؤسسات الثقافية والمتاحف وغيرها من فضاءات الفنون، انطلاقًا من الحاجة إلى تجاوز العلاقة التقليدية القائمة على نقل المعرفة من المؤسسة إلى الجمهور. فالوساطة لا تعني بالضرورة شرح العمل الفني أو تبسيطه، وإنما تتيح للمتلقي فرصة بناء علاقته الخاصة به، اعتمادًا على خبراته ومعارفه وأسئلته، غير أن التفاعل مع الجمهور لا يجعل من العمل الفني بالضرورة ممارسة للوساطة الثقافية، وإن كان يتيح إعادة النظر في دور المتلقي، وإمكانية مشاركته في إنتاج المعنى بدلًا من الاكتفاء باستقباله.
الجسد خارج القوالب المعتادة
وفي افتتاح المهرجان، قدم الفنان محمد توكابري عرض "كل جسد يعرف ما يحمله الغد، وكلنا نعرف ما حدث بالأمس"، الذي يجمع بين الرقص المستمد من الشارع والممارسات المرتبطة بالمؤسسات الفنية. ومن خلال هذا الجمع، يتناول العمل الفوارق التي نشأت تاريخيًا بين أشكال التعبير الجسدي، والتصورات التي تحدد ما يستحق الاعتراف به بوصفه فنًا.
وتحضر أسئلة قريبة في عرض "إكس إكس إل" للفنان ومصمم الرقصات سفيان شلال، المقرر تقديمه في 29 نوفمبر (تشرين الثاني)، والذي ينطلق من الجسد نفسه لمواجهة الصور النمطية المرتبطة بالرقص. فالعمل يتعامل مع الأحكام المسبقة المتعلقة بأشكال الأجساد وقدرتها على الحركة، وهي أحكام لا تنفصل عن تصورات اجتماعية أوسع حول الجمال والقبول والاختلاف.
وقد يجد بعض المتفرجين في هذه الأعمال ما يتصل بتجاربهم الشخصية، حتى إن لم تكن لهم معرفة سابقة بالرقص المعاصر. وهنا تظهر إحدى المسائل المهمة في علاقة المؤسسات الفنية بجمهورها؛ فإتاحة الفنون لا تتوقف عند فتح أبواب قاعات العرض أو تقديم تذاكر مجانية، وإنما ترتبط أيضًا بمدى شعور الأفراد بأن هذه الأعمال تخاطبهم، وأن خبراتهم تصلح بدورها مدخلًا لفهم الفن والتفاعل معه.
حين تصبح المشاهدة مشاركة
لكن مشاركة الجمهور لا تشترط دائمًا تدخله المباشر في العرض. ففي عرض "نحن"، الذي تقدمه الفنانة ماريا حسّابي في 31 أكتوبر (تشرين الأول)، تحتل الحركة البطيئة والسكون مساحة أساسية من التجربة. ويضع العمل المتفرج أمام إيقاع مختلف عما اعتاده، ويترك له الوقت لملاحظة التفاصيل وتكوين انطباعاته الخاصة.
هذا النوع من الأعمال يطرح تحديًا مختلفًا، خاصة أمام الجمهور الذي يقترب من الفنون الأدائية المعاصرة للمرة الأولى. فقد لا يكون من السهل التعامل مع عرض لا يقدم حكاية واضحة أو تسلسلًا دراميًا مألوفًا. وفي مثل هذه الحالات، يمكن للوساطة الثقافية أن تلعب دورًا مهمًا، سواء من خلال لقاءات مع الفنانين أو نقاشات تسبق العروض وتليها، أو أنشطة تساعد الجمهور على الاقتراب من التجربة من دون أن تملي عليه طريقة محددة لفهمها.
الذاكرة الشخصية والتاريخ الجماعي
وتتسع اهتمامات الدورة لتشمل العلاقة بين الذاكرة الفردية والتاريخ الاستعماري، كما في عرض "الحنين، العودة" للفنانة سيم تشي ين، المقرر تقديمه في 22 نوفمبر (تشرين الثاني). يستعيد العمل جانبًا من تاريخ مالايا خلال فترة الحكم البريطاني، حين رحّلت السلطات الاستعمارية أكثر من 30 ألف شخص إلى الصين بين عامي 1948 و1960، معظمهم من أصول صينية. وتنطلق الفنانة من حكاية جدها، الذي كان من بين المُرحّلين وأُعدم بعد وصوله إلى الصين عام 1949، تاركًا خلفه عائلة أحاطت ذكراه بالصمت لعقود، ومن خلال عمل يجمع الأداء بالتجهيزات متعددة الوسائط، تتتبع الفنانة أثر هذا الغياب في الذاكرة العائلية، وتعيد النظر في جانب من التاريخ الاستعماري ظل بعيدًا عن الروايات الأكثر تداولًا، حيث تتقاطع حكاية شخصية مع تجربة جماعية من الاقتلاع والتهجير.
وفي سياق آخر، تعود الفنانة ماليكا تانيجا إلى الذاكرة من خلال الغناء والحكي في عرض "هل تعرفون هذه الأغنية؟"، المقرر تقديمه في 25 أكتوبر (تشرين الأول). تنطلق التجربة من محاولة استعادة صوت غائب، وتترك للأغنية مهمة وصل الحاضر بما انقطع من الماضي.
ورغم اختلاف التجربتين، فإنهما تطرحان مسألة تتجاوز حدود السرد الفردي، تتعلق بالطرق التي نحتفظ بها بالتاريخ، وما نختار تذكره أو نسيانه. وفي هذه المساحة بين التجربة الشخصية والذاكرة المشتركة، يجد الجمهور فرصة لقراءة الأعمال انطلاقًا من تجاربه الخاصة، حتى حين تتناول أحداثًا وقعت في أماكن بعيدة عنه.
المكان جزء من الحكاية
ولا يقتصر تنوع المهرجان على طبيعة الأعمال المشاركة، بل يشمل الأماكن التي تستضيفها. ففي الفترة من 6 إلى 8 نوفمبر (تشرين الثاني)، يعود برنامج "ربما هنا" إلى بيت السركال، بمجموعة من الأعمال الجديدة التي أُنتجت خصيصًا للموقع.
وتكتسب هذه التجارب خصوصيتها من العلاقة التي تنشأ بين العمل والمكان. فالمباني التي تحمل تاريخًا اجتماعيًا ومعماريًا لا تكون مجرد خلفية محايدة، وإنما تدخل بذاكرتها وتفاصيلها في تشكيل التجربة. وقد تدفع الجمهور إلى اكتشاف المكان من جديد، أو ملاحظة جوانب لم ينتبه إليها من قبل.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى المهرجانات الفنية باعتبارها فرصة لتوسيع علاقة الجمهور بالمؤسسات الثقافية، خصوصًا حين تتجاوز الأنشطة حدود قاعات العرض المعتادة. لكن نجاح هذه العلاقة لا يُقاس فقط بعدد الحاضرين أو تنوع العروض، وإنما بقدرة المؤسسات على التواصل مع جمهورها وفهم احتياجاته، وبناء علاقات تستمر بعد انتهاء الفعاليات.
ما الذي يبقى بعد انتهاء العرض؟
منذ انطلاقه، يسعى مهرجان "عروض الشارقة" إلى إتاحة مساحة للفنون الأدائية المعاصرة، واستضافة تجارب من خلفيات فنية وثقافية متنوعة. وفي دورته الخامسة، يتيح البرنامج فرصة للتفكير في طبيعة العلاقة التي يمكن أن تنشأ بين المؤسسات الفنية وجمهورها، وفي الدور الذي قد تؤديه هذه التجارب في توسيع المشاركة الثقافية.
وقد يكون أحد الأسئلة التي تستحق الاهتمام عند متابعة الدورة الجديدة هو مدى قدرة هذه الأعمال، بما تتضمنه من مشاركة وتفاعل وتجريب، على خلق علاقة أكثر استمرارًا بين الجمهور والفنون الأدائية المعاصرة.
فمشاركة الجمهور داخل عرض واحد، مهما كانت التجربة ثرية، تختلف عن بناء ممارسة مؤسسية تتيح له التعبير عن آرائه والمساهمة في تشكيل تجربته الثقافية. ومن هنا تأتي أهمية الوساطة الثقافية، ليس باعتبارها نشاطًا مصاحبًا للعروض فحسب، وإنما بوصفها طريقة للتفكير في علاقة المؤسسة بجمهورها، وفي إمكانات تطوير هذه العلاقة على المدى الطويل، ولا تقدم الأعمال المشاركة إجابة واحدة عن هذه الأسئلة، ولا يبدو أنها تسعى إلى ذلك. فلكل منها لغته الفنية واهتماماته الخاصة، ولكل متفرج تجربته التي تتشكل بحسب ما يحمله معه إلى قاعة العرض.
وربما تكمن قيمة هذه التجارب في أنها لا تفترض أن الجمهور كتلة متجانسة، أو أن الجميع سيخرجون بالانطباعات نفسها. بل تترك مساحة لاختلاف القراءات، ولعلاقة مع الفن لا تشترط المعرفة المسبقة بقدر ما تحتاج إلى الفضول والاستعداد للتجربة، وفي النهاية، قد لا يكون الأثر الأهم للعرض ما يحدث خلاله، وإنما ما يحمله المتفرج معه بعد مغادرته، حين تتحول تجربة المشاهدة إلى ذكرى أو سؤال أو رغبة في العودة مرة أخرى.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_6.jpg.webp?itok=sfXiAAhI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%862_1.jpg.webp?itok=NbYf02g7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_17.jpg.webp?itok=GjcpY4Fo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%88%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_3.jpg.webp?itok=xYnwoZOt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_9.jpg.webp?itok=Hcb3diFf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%84%D8%AC%D9%8A%D9%83%D8%A7.png.webp?itok=6YN5feSB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_7.jpg.webp?itok=C3_-cDzL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1_9.jpg.webp?itok=UTPKT8DU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%84_6.jpg.webp?itok=Dxmr0F8p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A97.png.webp?itok=zXaGxkqX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_18.jpg.webp?itok=vI_zXC6Y)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_5.jpg.webp?itok=gkINRwYB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%88%D9%83%D8%B3%D9%84.jpeg.webp?itok=GEMUsrl5)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132.jpg.webp?itok=XtB3llMF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B41_0.png.webp?itok=l1o-Vngl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A96.jpg.webp?itok=CMePW5Ll)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%A7%D9%83%D9%85%D9%8A%D8%A9_1.jpg.webp?itok=8TNniebr)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86-1_0_4_2_0_0.png.webp?itok=w3xvpROk)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_7.jpg.webp?itok=I6xdJcur)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_14.jpg.webp?itok=aSKivHsG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84%200.jpg.webp?itok=wkrtYvi9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A8%D9%8A_0.jpg.webp?itok=tBMyYKB8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_9.jpg.webp?itok=iP0-4sjy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)
