الدعم الإيراني لتركيا في ليبيا: تحالف مشبوه على ثروات المتوسط

الدعم الإيراني لتركيا في ليبيا: تحالف مشبوه على ثروات المتوسط

مشاهدة

07/07/2020

في ظل الأحداث المتلاحقة بالملف الليبي، وتعقيداتها السياسية والميدانية، فإنّ رصد مواقف الدول المتباينة من الأزمة، ومتابعة حضورها، سواء الخفي أو المعلن، يعكس توجهات متفاوتة في ظل حالة الاستقطاب المحتدمة بين الفرقاء واللاعبين الإقليميين والدوليين، كما يكشف عن مصالح متجددة، لا سيما في ظل تهديد الأمن الإقليمي والعربي، عبر تقاسم النفوذ والهيمنة بين أطراف محددة، والسعي نحو خلق نظام شرق أوسطي جديد.

يرى الباحث في العلاقات الدولية، الدكتور إبراهيم عامر في تصريح لـ"حفريات" أنّ اصطفاف تركيا وإيران في ليبيا يعكس مصالح سياسية واقتصادية مشتركة

تواجد إيران إلى جانب تركيا في ليبيا، ودعمها لحكومة الوفاق، المدعومة من أنقرة، يثير، للوهلة الأولى، الخلاف والتناقض بينهما في سوريا، من ناحية، وطبيعة العلاقة المتينة بين طهران ونظام معمر القذافي، لمدة أربعة عقود، من ناحية أخرى، وقد دعم الأخير نظام الولي الفقيه في الحرب العراقية الإيرانية ضد بغداد، بالإضافة إلى اصطفاف النظام السوري والجيش الوطني الليبي لجهة دعم حل سياسي في ليبيا.

إيران وتركيا.. ما وراء اصطفافهما؟

بيد أنّ تساؤلات عديدة تتحرى أهمية ليبيا السياسية والإستراتيجية لدى طهران، وذلك في ظل عدة محاور، سياسية وأمنية واقتصادية، خاصة، في ظل التباعد الجغرافي بين البلدين، وكذا، عدم وجود أقلية شيعية تكون بمثابة حامل أيدولوجي لأفكارها السياسية والعقائدية، وتشكل لها حاضنة اجتماعية، لكن ثمة تقديرات أخرى ترى وجود دوافع جيوسياسية وإستراتيجية لهذا التقارب والتفاعل الإقليمي، باعتبار أنّ ليبيا نقطة عبور مهمة وحيوية نحو شمال أفريقيا، كما أنّ التنسيق بين أنقرة وطهران يتقاطع وطموح كل منهما حول غاز المتوسط، وأهميته المتزايدة، حيث تعد الأخيرة ثاني مصدر تتكئ عليه الأولى للحصول على الغاز الطبيعي بعد موسكو.

وبينما ظلت التكهنات السياسية وتحليلات الخبراء والمراقبين، تتبع وترصد دور طهران السياسي والعسكري في الأزمة الليبية، والذي ظل غامضاً وغير معلن، علاوة على عدم وضوحه ومباشرته، وذلك بفضل مجموعة من الملاحظات والتأويلات الخاصة، كمثل ظهور بعض الأسلحة المماثلة لما بحوزة الحوثيين في اليمن، جاء تصريح رسمي من مستشار المرشد الإيراني العسكري، العميد حسين دهقان، نهاية الشهر الماضي، يؤكد دعم طهران لحكومة الوفاق الليبية.

اقرأ أيضاً: تركيا تقود أطفال سوريا إلى رحلة الموت في ليبيا

كما أكد وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، أثناء مؤتمر صحفي مشترك في أنقرة مع نظيره التركي، مولود تشاووش أوغلو، أنّ طهران تدعم "الحكومة الشرعية في ليبيا وهي قادرة على إنهاء الحرب الدائرة، حيث لدينا وجهات مشتركة مع الجانب التركي حول سبل إنهاء الأزمة في ليبيا واليمن".

غاز المتوسط والمعارك حوله

وبالتزامن مع تلك التحركات الدبلوماسية والسياسية التي تبرز توافقاً بين أنقرة وطهران فيما يخص الأزمة الليبية، أشار موقع "شانا" الإخباري، التابع لوزارة النفط الإيرانية، بأنّ صادرات غاز إيران إلى تركيا، قد جرى استئنافها، مطلع الشهر الجاري، وذلك في مخالفة للعقوبات الأمريكية التي تستهدف قطاع النفط والغاز في إيران؛ حيث توقفت صادرات الغاز الإيرانية لأنقرة، منذ نهاية شهر آذار (مارس) الماضي، على خلفية انفجارات في أجزاء من خط الأنابيب داخل تركيا.

اقرأ أيضاً: أطفال سوريا..ضحايا أطماع أردوغان في ليبيا

وبحسب تقرير لوكالة "مهر" للأنباء الإيرانية، فإنّ أنقرة تعد أحد الطرق الرئيسية لوصول الغاز الإيراني إلى القارة الأوروبية، كما أنّ بين أنقرة وطهران صفقة غاز تنتهي بعد نحو خمس سنوات، بينما تصل قدرة إيران على تصدير الغاز إلى تركيا لنحو 10 مليارات متر مكعب سنوياً، غير أنّ صادرات الغاز ظل تتراوح بينهما ما بين 7 و9 مليارات متر مكعب في السنة.

اقرأ أيضاً: سوريا وليبيا واليمن.. سياسات تركيا التخريبية وأطماعها التي لا تنتهي

ومن جانبه، أوضح بابك تقوائي، الخبير الإيراني في مجال الدفاع، بأنّ طهران تؤدي دوراً، غير معلن، لجهة دعم مليشيات حكومة الوفاق الليبية، منذ سنوات، من أجل تحقيق أهداف أنقرة، ولفت في تعقيب سياسي بمحطة "إيران إنترناشونال"، ومقرها لندن، إلى أنّ الأزمة الليبية التي تخطت مراحلها السابقة وظروفها السياسية القديمة، ظلت تكشف عن دور طهران الذي تمارسه بمواربة شديدة، حيث قامت سفينة شحن إيرانية، تسمى "جلبن" بنقل أسلحة من السودان إلى ليبيا وتحديداً ميناء مصراتة، وقد غادرت السفينة الإيرانية السودان، في 20 آب (أغسطس) العام 2018، ووصلت إلى الميناء الليبي، في 3 أيلول (سبتمبر) من العام ذاته.

المعارضة الإيرانية

ووفقاً للتحليل ذاته، فلم تكن المرة الأولى التي تحمل سفينة إيرانية على متنها أسلحة متجهة إلى ليبيا، ومن ثم، تقديم الدعم العسكري واللوجستي لحكومة الوفاق؛ حيث تؤكد بيانات عدة صادرة عن الجيش الوطني الليبي، بأنّ هناك أسلحة باعتها إيران لتركيا على متن إحدى سفنها، بينها رادار للإنذار المبكر، كما قامت سفينة أخرى، في نيسان (أبريل) العام الماضي، وتسمى "شهر كرد" بتنفيذ المهمة ذاتها في الميناء ذاته، وقد غادرت بعدها السفينة من ليبيا إلى تركيا، في غضون عدة أيام، بينما يلفت الخبير الإيراني في مجال الدفاع، إلى أنّ الشركة المالكة للسفية الأخيرة، أدرجت على قائمة العقوبات الأمريكية.

ودانت المعارضة الإيرانية تورط إيران في دعم الكيانات المصنفة على قائمة التنظيمات الإرهابية، حيث أكدت قيام النظام الإيراني بـ"إمداد ميليشيات مسلحة في ليبيا بالسلاح، لتحقيق أهداف ومصالح حلفائها الإقليميين في أنقرة والدوحة، حيث وضعت سفينة "شهر كرد" العابرة للمحيطات شحنة من الصواريخ قصيرة المدى في ميناء مصراتة"، فضلاً عن إرسال مستشارين عسكريين إلى مدينة طرابلس الليبية، بغية تدريب العناصر المسلحة على استخدام الصواريخ التي أرسلتها.

اقرأ أيضاً: تركيا تنصب منصات صواريخ جديدة في ليبيا.. ما القصة؟

إلى ذلك، حذر الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية، حسام زكي، من الدور التركي والإيراني المتنامي في المنطقة، بوجه عام، وفي ليبيا، بوجه خاص؛ حيث أكد على ضرورة إيقاف تركيا تدخلاتها في دول المنطقة، مشيراً إلى أنّ "تركيا وإيران لا تراعيان مبادئ حسن الجوار مع الدول العربية، وتذكيان نار الفتنة".

حصار ضد حكومة الوفاق

كما قال الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية عمرو موسى، في مقابلة مع قناة "العربية"، بأن خرق تركيا لقرارات مجلس الأمن بحظر السلاح على ليبيا، إنما يتم جهاراً نهاراً أمام المسؤولين عن الأمن العالمي، معتبراً أنّ هذا التهديد لا يمثل ليبيا، فقط، إنما يشمل الأمن الإقليمي والعربي؛ إذ يهدد مصر وتونس والجزائر وتشاد والنيجر.

عمرو موسى: عبور الآلاف من عناصر داعش والنصرة البحر المتوسط بأسلحتهم إلى ليبيا يؤكد أنّ التدخل التركي في ليبيا كان مرتباً ومدروساً

وتابع: "إنّ عبور الآلاف من عناصر داعش والنصرة البحر المتوسط بأسلحتهم إلى ليبيا يؤكد أنّ التدخل التركي في ليبيا كان مرتباً ومدروساً، وعلى العالم العربي أن يتحمل مسؤولياته ويحترم نفسه وتاريخه ويتوحد ضد التدخلات التركية والإيرانية في المنطقة".

ويرى الباحث في العلاقات الدولية، الدكتور إبراهيم عامر، أنّ اصطفاف تركيا وإيران في ليبيا يعكس مصالح سياسية واقتصادية مشتركة، خاصة، في ظل أهمية النفط بعد ترسيم الحدود البحرية على خلفية غاز المتوسط، وبنفس درجة الأهمية، يظهر حضور طهران بعد سلسلة إخفاقات متتابعة من جانب حكومة الوفاق، المدعومة من أنقرة، منذ العملية العسكرية "طوفان الكرامة" التي تبرز انتصارات ميدانية للجيش الوطني الليبي، وقد ترتب عليها مواقف دولية وإقليمية، شكلت حصاراً ضد فائز السراج وحكومته، وقد فشل الأخير بعد زياراته في أوروبا الأخيرة، في أيار (مايو) الماضي، أن يحقق تقدماً على أي مستوى، بل دعمت كافة الأطراف العربية والغربية الحل السلمي، وإنهاء التصعيد العسكري، وبدء مسار التفاوض السياسي، وتجميد دعم الميلشسات المسلحة.

اقرأ أيضاً: من سوريا والعراق إلى ليبيا.. التدخل التركي "عرض مستمر"

ويضيف عامر لـ"حفريات": "بدأت المواقف الإقليمية والدولية ترفض تقديم مزيد من الدعم إلى حكومة الوفاق، الأمر الذي يفرض ضدها حصاراً يجعلها تبحث عن مصادر دعم مختلفة، خاصة، في ظل الضغط الفرنسي المتواصل؛ إذ عاد السراج بعد زيارته لعدد من عواصم أوروبا، دون أن ينجح في تثبيت رؤيته السياسية، بل احتشدت الاتجاهات جميعها خلف ضرورة وقف إطلاق النار، بينما قدمت فرنسا مقترحاً بتقييم المجموعات المسلحة في ليبيا بالتعاون مع الأمم المتحدة، كما سبق وقدمت مقترحاً آخر، يستهدف ضرورة وضع بند إضافي في بيان الاتحاد الأوروبي بهدف الإدانة الواضحة لمشاركة ميليشيات مسلحة إلى جانب حكومة الوفاق الوطني".


الصفحة الرئيسية