الثقافة فى مواجهة الإرهاب والتطرف

الثقافة فى مواجهة الإرهاب والتطرف

الثقافة فى مواجهة الإرهاب والتطرف


21/09/2026

عمرو الليثي

حين نتحدث عن مواجهة الإرهاب والتطرف، فإن الحديث لا ينبغى أن يقتصر على المواجهة الأمنية وحدها، على أهميتها وضرورتها، لأن الإرهاب يبدأ قبل أن يتحول إلى رصاصة أو قنبلة؛ يبدأ بفكرة مغلوطة، ووعى مشوه، وعقل مغلق يرفض الآخر ويستسلم للكراهية والتعصب. ومن هنا يأتى الدور بالغ الأهمية لوزارة الثقافة باعتبارها إحدى أهم مؤسسات الدولة المعنية ببناء الإنسان وحماية وعيه وهويته.

إن وزارة الثقافة تمتلك أدوات متعددة تستطيع من خلالها الوصول إلى مختلف فئات المجتمع، خاصة الشباب والأطفال، عبر قصور الثقافة والمكتبات والمسارح والسينما والكتاب والفنون التشكيلية والموسيقى والندوات والفعاليات الثقافية. وهذه الأدوات ليست مجرد وسائل للترفيه، وإنما هى أسلحة حقيقية فى مواجهة الفكر المتطرف.

فالفن بطبيعته يفتح أبواب العقل والوجدان، ويعلم الإنسان قبول الاختلاف واحترام التنوع، بينما يقوم التطرف على فكرة واحدة ورؤية واحدة ورفض كل ما عداها. وكلما نجحنا فى تقديم المسرح والسينما والكتاب والموسيقى إلى الشباب، خاصة فى القرى والمناطق الحدودية والأكثر احتياجاً، ضيَّقنا المساحة التى يمكن أن تتسلل منها أفكار التعصب والكراهية.

ومن هنا، فإن مواجهة التطرف ثقافياً تتطلب استراتيجية واضحة لا تعتمد فقط على الفعاليات الموسمية، بل على وجود ثقافى مستمر فى كل ربوع مصر. يجب أن تتحول قصور الثقافة إلى مراكز حقيقية لصناعة الوعى واكتشاف المواهب، وأن تصل القوافل الثقافية إلى القرى والنجوع والمناطق الحدودية، وأن تتوسع المكتبات المتنقلة، وأن نقدم للشباب محتوى معاصراً قادراً على مخاطبتهم بلغتهم وأدوات عصرهم.

كما أن السينما والدراما والمسرح يمكن أن تقوم بدور بالغ التأثير فى كشف خطورة الفكر المتطرف، ليس من خلال الخطاب المباشر والوعظ، وإنما عبر أعمال فنية قوية تناقش جذور التطرف النفسية والاجتماعية والفكرية، وتقدم نماذج إيجابية لقيم التسامح والمواطنة والانتماء وقبول الآخر.

ولا يقل الكتاب أهمية عن بقية أدوات المواجهة. فدعم النشر، وإتاحة الكتب بأسعار مناسبة، وتشجيع القراءة بين الأطفال والشباب، وتنظيم المسابقات والنوادى الثقافية، كلها خطوات تساهم فى بناء عقل نقدى قادر على التمييز بين الحقيقة والزيف، وبين الدين الصحيح والمتاجرة بالدين، وبين الاختلاف المشروع والتحريض على الكراهية.

وأرى أن وزارة الثقافة تستطيع أيضاً أن تعزز شراكاتها مع وزارات التربية والتعليم والتعليم العالى والأوقاف والشباب والرياضة، ومع المؤسسات الإعلامية، لإطلاق مشروع وطنى متكامل لبناء الوعى ومواجهة الفكر المتطرف، لأن هذه المعركة لا يمكن أن تتحملها مؤسسة واحدة.

لقد دفعت مصر ثمناً غالياً فى مواجهة الإرهاب، وقدمت أرواحاً عزيزة من أبنائها دفاعاً عن أمن الوطن. وإذا كانت قواتنا المسلحة والشرطة قد واجهتا الإرهاب بشجاعة على الأرض، فإن الثقافة تخوض معركة لا تقل أهمية: معركة حماية العقل المصرى.

فالإرهاب قد يُهزم أمنياً، لكن التطرف لا يُهزم إلا بالفكر، والجهل لا يُهزم إلا بالمعرفة، والكراهية لا تُهزم إلا بالفن والجمال والتسامح. ولهذا فإن الاستثمار فى الثقافة ليس ترفاً، بل هو استثمار فى أمن مصر ومستقبل أبنائها.

الوطن




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية