البابا في العراق: فلتصمت الأسلحة وليكن الدين في خدمة السلام والأخوّة

البابا في العراق: فلتصمت الأسلحة وليكن الدين في خدمة السلام والأخوّة

مشاهدة

08/03/2021

حظيت زيارة البابا إلى العراق التي استمرت ثلاثة أيام (5-7 آذار/مارس الجاري) باهتمام العالم ووسائل الإعلام خلال هذا الأسبوع لما تحمله من مضامين ورسائل مختلفة، ومن ضمن الرسائل الكثيرة التي حملتها ثمة جانب مهم يتعلق بأساس اهتمام البابا بالعراق، ولماذا تجشم عناء الزيارة رغم خطورة تفشي جائحة كورونا في هذا البلد، والفوضى السياسية والأمنية، واستمرار تهديد تنظيم داعش، والتوتر الشديد بين الأطراف الدولية الفاعلة والمتصارعة على الساحة العراقية من إيران إلى الولايات المتحدة.

كان كل ما حول البابا تذكيراً بأسوأ ما يمكن أن يفعله الناس تجاه بعضهم البعض

عادت إلى الذاكرة فترة الإرهاب الدموي (2003-2017م) التي ضربت العراق منذ أن انتقل إليه أبو مصعب الزرقاوي زعيم تنظيم "التوحيد والجهاد"؛ حيث ظل العراق مركز النشاط الرئيسي بالنسبة للزرقاوي، الذي اقترن اسمه بالتفجيرات والاغتيالات غير المألوفة وقطع رؤوس الرهائن الأجانب، واستهداف الشيعة في العراق؛ حيث تميز دخوله إلى الساحة العراقية بأول هجمات انتحارية في العراق في آب (أغسطس) 2003 عندما انفجرت شاحنة مفخخة في مقر الأمم المتحدة في بغداد مما أسفر عن مقتل رئيس وفد الأمم المتحدة والعديد من أعضائها. وبعد أيام قليلة قام والد زوجة الزرقاوي الثانية، بتفجير سيارة محملة بالمتفجرات بمسجد الإمام علي، وقتل الانفجار 125 شيعياً من بينهم آية الله محمد باقر الحكيم الزعيم الروحي للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق وهو حزب سياسي شيعي.

اقرأ أيضاً: لماذا تقلق طهران من صلوات البابا؟

 وهكذا فتح الزرقاوي باب الدماء والدمار، والحرب الطائفية، لا بل كان أحد الذرائع الواهية لاحتلال العراق من قبل الأمريكان 2003م، فبحسب المحللة السياسية الإيطالية اليسارية المعروفة (لوريتا نابوليوني) استفاد الأمريكيون كثيراً من خلق أسطورة الزرقاوي، ذلك أنّه من 11 أيلول (سبتمبر) 2001 إلى 20 آذار (مارس) 2003 بنت الولايات المتحدة قضيتها لمهاجمة العراق. اتهم نظام صدام بامتلاك أسلحة دمار شامل ودعم الإرهاب، بدون أي دليل على الاتهام الأول، فكان دعم صدام للإرهاب هو الورقة الرابحة الوحيدة التي حملتها الإدارة الأمريكية لإقناع العالم بضرورة إزالة الدكتاتور العراقي. لتشغيلها، كان على الإدارة أن تثبت أن صدام والقاعدة مرتبطان، وصلتهم كان أبو مصعب الزرقاوي.

اقرأ أيضاً: بالصور.. البابا يطلق حمامة سلام في الموصل: الأخوّة أقوى من صوت الكراهية

وبناء على هذه الفرضية، قال كولن باول لمجلس الأمن في 5 شباط (فبراير) 2003 ‏إنّ "العراق اليوم يؤوي شبكة إرهابية مميتة، برئاسة أبو مصعب الزرقاوي، أحد المساعدين والمتعاونين مع أسامة بن لادن ومعاونيه في القاعدة"، واشتهر أبو مصعب لأن كولين باول ذهب إلى الأمم المتحدة وقدمه على أنه زعيم الإرهاب العالمي الجديد.

اقرأ أيضاً: زيارة البابا للعراق: إيران تخسر زعامة العالم الشيعي

 وهكذا استعر القتال الطائفي في العراق الذي ظل حتى تاريخ مقتل الزرقاوي العام 2006، الحدث الذي وصفه الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان "أنه يبعث على الارتياح"، محذراً من أنّ ذلك "لا يعني نهاية الإرهاب في العراق". ولعل هذا ما حصل بالفعل وصولاً إلى داعش وإرهابه الذي تعدى عنفاً ووحشية إرهاب الزرقاوي، وتسبب في كل الدمار والمآسي التي تعاني منها المدن العراقية التي خصّها البابا بالزيارة والموصل تحديداً.

اقرأ أيضاً: البابا فرنسيس يصل إلى أربيل... والكاظمي يعلن يوماً وطنياً للتسامح والتعايش

 ضمن هذه السياقات المتوحشة للإرهاب في العراق حيث تتصارع الأطراف الفاعلة من الدول والجماعات الإرهابية والمتطرفة يمكن فهم جزء كبير من زيارة البابا على أنّها رسالة عملية على الدعوة إلى نبذ التطرف العنيف والإرهاب، سواءً حين التقى السيستاني في مدينة النجف، وأجرى الرجلان محادثة هادئة وصفها ‏المساعدون بأنها ركزت على ما يمكن أن يفعله الزعماء الدينيون لوقف العنف باسم الدين. أو في آخر يوم من الزيارة إلى الموصل التي كانت تحت سيطرة تنظيم داعش، وهدفت إلى تعزيز الانسجام بين الناس من مختلف الأديان، فضلاً عن تقديم الدعم لمجتمع مسيحي ‏غالباً ما يتعرض للاضطهاد منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق في العام 2003؛ لقد بدا أنّ زيارة البابا إلى الموصل تبدد أي ‏فكرة بأنّ كلماته كانت مجرد تجريدات باهتة بلا معنى، بل مشبعة بالروح والتحدّي والأمل.

اقرأ أيضاً: البابا في العراق.. التطبيق العملي لوثيقة الأخوة الإنسانية

لقد كان كل ما حول البابا البالغ من العمر 84 عاماً بمثابة تذكير مادي بأسوأ ما يمكن أن يفعله الناس تجاه بعضهم البعض؛ حيث لقي آلاف المدنيين مصرعهم في الموصل بين سقوط المدينة في أيدي تنظيم داعش في العام 2014 واستعادتها من قبل القوات العراقية المدعومة من الولايات المتحدة في العام 2017، الحملة التي استمرت تسعة أشهر لاستعادة المدينة، وشهدت غارات جوية متواصلة لاجتثاث المقاتلين من تنظيم داعش.

وحسب مقال لصحيفة "نيويورك تايمز" (7 آذار/ مارس 2021) قال البابا فرنسيس إنّه "لا يجب أن يكون الأمر على هذا النحو، إنّ الهوية الحقيقية لهذه المدينة هي التعايش المتناغم بين الناس من خلفيات وثقافات مختلفة".

يمكن فهم جزء كبير من زيارة البابا على أنّها رسالة لنبذ التطرف العنيف والإرهاب

ورغم أنّ الساحة التي كان وقف فيها البابا محاطة بأربع كنائس يستخدمها مؤمنون من أربع ديانات، لم تعد موجودة - مجرد أكوام من الحجر والمعادن الملتوية، لكن البابا دعا إلى إعادة التأكيد على "قناعتنا بأنّ الأخوة أكثر ديمومة من قتل الأخوة وأنّ الأمل أقوى من الكراهية، وأنّ السلام أقوى من الحرب"، وتابع: "هذه القناعة تتحدث ببلاغة أعظم من أصوات الكراهية والعنف العابرة، ولا يمكن إسكاتها أبداً بالدماء التي أراقها أولئك الذين يحرّفون اسم الله لمتابعة دروب الدمار".

اقرأ أيضاً: ما أهم ما تحدّث به السيستاني مع البابا فرنسيس في أول لقاء يجمع بينهما؟

 في الخلاصة؛ فإنّ مدينة الموصل مثل دريسدن الألمانية بعد القصف الحارق للحلفاء، وارسو البولندية بعد انتفاضتها التي سحقها النازيون، أو هيروشيما بعد إسقاط القنبلة الذرية، تُركت الموصل، رمزاً لقوة البشرية الرهيبة على التدمير لكنها ستبقى حتماً دليلاً على أهمية التضحية وقيادة رجال الدين وربط الأفعال بالأقوال، وقوة الأفكار في محاربة التطرف الديني والإرهاب. وكما قال البابا في اليوم الأول من زيارته في بغداد: "فلتصمت الأسلحة"، "وليكن الدين في خدمة السلام والأخوّة".

الصفحة الرئيسية