الإخوان المسلمون في موريتانيا... الشبكة السرية

الإخوان المسلمون في موريتانيا... الشبكة السرية

مشاهدة

23/09/2021

التزم تنظيم الإخوان في موريتانيا العمل السري، منذ 1975 إلى 1991؛ حيث خرج نشطاؤه للعلن مع بدء دخول نظام الرئيس الأسبق، معاوية ولد الطايع، في تعددية سياسية، وبعدها حاول الإخوان، عام 1994، تأسيس حزب سياسي سمّوه "حزب الأمة"، غير أنّ نظام العقيد ولد الطايع وقف دون ذلك، فاضطر الإخوان لاختراق الأحزاب المعترف بها، ثم أسسوا، عام 2001، مجموعة أطلقوا عليها "الإصلاحيين"؛ التي قدمت نفسها للرأي العام على أنّها "مجموعة معتدلة في فكرها، وسطية في رؤاها، بعيدة عن العنف، مؤمنة بالديمقراطية"، غير أنّ المجلس العسكري، الذي حكم عام 2005، فهم اللعبة، ورفض ذلك، لكن عام 2007، في ظل حكم الرئيس الأسبق، سيدي ولد الشيخ عبد الله، تمّ الاعتراف السياسي بحزب "التجمع الوطني للإصلاح والتنمية"، ومنذ تأسيسه، وحتى الآن، يتبع الإخوان طريقة الشبكة والعمل الكامن الممنهج.
حزب "تواصل" يحمل عضوية 100 ألف شخص

"تواصل" مركز السرية الإخوانية
ظهر فكر جماعة الإخوان في موريتانيا منتصف السبعينيات، وكانت الجماعة الإسلامية هي أول تنظيم للتيار الإسلامي في موريتانيا، وتطورت أوضاع الإخوان حتى وصلوا لتأسيس تنظيم "حاسم"، عام 1990، ثم حزب الأمة، وأخيراً حزب "تواصل"، الذي يحمل عضوية 100 ألف شخص، ويترأسه محمد محمود ولد سيدي، الذي خلف جميل ولد منصور، ويستحوذ في البرلمان على (16 مقعداً من 95 مقعداً) بعد حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم الذي يمتلك (50 مقعداً).

الإخوان في موريتانيا يمارسون التقية بطرق مختلفة ومبتكرة تكرّس مبدأهم البراغماتي فينتقلون من معارضة ناصعة إلى كامنة وسرية

ورغم عمله السياسي العلني، إلا أنّ "تواصل"، وفق دراسة "أليكس ثورستون" بمركز كارنيجي، يستند في عمله السياسي على المساجد، ويستغل التوجه الديني والصوفي الغالب في مناطق وولايات موريتانيا واحتياجات الشعب الموريتاني اليومية، كما يمتلك شبكة سرية وعلاقات جيدة مع الإسلاميين في الوطن العربي خاصة بالجزائر، وهو ما يضمن له دعماً مالياً ضرورياً، وتواجداً إعلامياً مهماً، كما أنّ قيادته وسّعت دورها لتتجاوز الحدود الموريتانية.
ووفق ما ورد في صحيفة "المغرب نيوز"؛ فإنّ للحزب صلات مباشرة مع جمعية تكوين العلماء، التي هي المنبر الأبرز الذي يطل منه قيادات الصف الأول من الإخوان في موريتانيا، فأغلبهم يتبادلون الخطابة، ويحتكرون الوصاية على أمر مسجد المركز، كما يعدّ هو المأوى الأكثر جاذبية لكل برامجهم وأنشطتهم، حيث تعقد به اللقاءات والدورات الدورية لرسم السياسات ووضع الخطط التي تساعد في تمدد وانتشار التنظيم وبسط نفوذه على عقول ومشاعر الناس.

اقرأ أيضاً: مسلسل الانشقاقات يستمر في "إخوان" موريتانيا.. ما الجديد؟

ولا يستطيع قادة المركز نكران كلّ رموز التيار الإخواني الذين يزورون البلد، ويحرصون على زيارته، مثال ذلك؛ نائب مرشد التنظيم الإخواني، جمعة أمين، الذي حرص على زيارة المركز عند أول لحظة لوصوله إلى موريتانيا قبل وفاته.
من جانبها، اتهمت الحكومة الموريتانية مركز تكوين العلماء ببثّ خطابات الكراهية والفكر المتطرف، ورأت أنّ الإخوان يقومون بتوظيفه لاستقطاب أعضاء جدد والترويج لأفكار الحركة بين الجماهير، والاستفادة من أنشطته والمصادر التمويلية التي يوفرها، بل واتخاذه واجهة علمية لأنشطتهم الدينية والسياسية.
يمتلك الإخوان تنظيماً خاصاً للأنشطة الجماهيرية

تنظيم الأنشطة الجماهيرية
كما يمتلك الإخوان تنظيماً خاصاً للأنشطة الجماهيرية؛ فوفق صحيفة "البديل" الموريتانية، فإنّ فرع "الإخوان" الدولي بنواكشوط يمتلك هيئات تتكفل بالعمل الفعلي لجمع المال، وتسهيل اكتتاب الحركات المتشددة، تستغل هامش المجتمع المدني، في حين تفوض القيادة السرية التي تتولى مركز القرار والثروة، الواجهة السياسية "تواصل" لتوزع الأدوار على أذرع التنظيم؛ الاعتبارية، والإستراتيجية، والسياسية، والنقابية، والمالية، والخيرية، والروحية.

اقرأ أيضاً: رئاسيات موريتانيا.. الإخوان يشقون صف المعارضة حول المرشح الواحد
يعتمد التنظيم الخاص على وجوه قد تكون مقبولة جماهيرياً؛ بحجة أنّها ليست تابعة للتنظيم، على سبيل المثال: محمد مختار الشنقيطي، الذي ينفي عن نفسه كونه إخوانياً، رغم انتمائه لجماعة الإخوان تنظيمياً، منذ فترة وجوده في موريتانيا، كما أنّه كان من أعضاء التنظيم السري؛ حيث كان يوكل إليه التواصل مع بعض العناصر المتشددة فى السودان، فيما يتولى حالياً النشاط الإعلامي، ويدير خلية "حركيو الإخوان"، وفي تصريحاته، التي وردت بالفيلم الذي عرضته قناة "الجزيرة"، بتاريخ 8 آذار (مارس) 2018، اتضح أن أفكاره تتوافق مع جماعة الإخوان؛ حيث وصفها بأنّها "حاملة للإسلام الوسطي"، ورأى أنّ "حسن البنا شخصية عبقرية؛ فقد وضع منهجاً إسلامياً معاصراً، يصلح لكل زمان ومكان، حتى بعد 90 عاماً من تأسيس الجماعة".

اقرأ أيضاً: لماذا أثار جمال عبدالناصر الجدل في موريتانيا مؤخراً؟
د. سعد بوه، الأستاذ في جامعة نواكشوط، تحدث عن هذا تفصيلياً، في تصريح إعلامي، قائلاً إنّ الآلة الإعلامية التي يمتلكها الإخوان لبثّ الإشاعات والأكاذيب لتمرير أهدافهم ومصالحهم، هي أهم أسلحة هؤلاء للنفاذ لقلوب الناس، واليوم يمتلك إخوان موريتانيا إمبراطورية إعلامية نشطة، تتضمن بعضاً من أهم مواقع الإنترنت المحلية، وصحفاً، وقناة تلفزيونية، وقد حاول هؤلاء ترخيص إذاعة لكنهم لم يفلحوا بعد، وربما ما تزال الفكرة قائمة لبسط نفوذهم على الإعلام السمعي والبصري والمقروء، ومن يتابع الإستراتيجية الإعلامية لهؤلاء يلاحظ تداخل البعد الإعلامي الإخباري بالاستخباراتي.
شبكة التمويل والجمعيات
ويسيطر التنظيم على مؤسسات تجارية كبيرة، ويباشر تسيير ميزانيات ضخمة تطال جميع المجالات التجارية؛ من صيدليات، ومحطات بنزين، ومحلات بيع الملابس والمواد الغذائية، ووكالات تأجير السيارات، وبيع العملات الصعبة في السوق السوداء، كما استصدر فتوى هيئة تابعة له مكلفة بالإفتاء بضرورة دفع أموال الزكاة في صناديق لتمويل الحزب.

زعيم الإخوان في موريتانيا يحمل رتبة قيادية ويتم تكليفه من طرف التنظيم الدولي ويستعين بقيادات أخرى معينة

وأصبحت زكاة المنتسبين، خصوصاً من كبار التجار، توجه إلى تمويل الحزب بدل صرفها على الفقراء، وفق ما أكدته صحيفة "البديل" الموريتانية، يوم ١٦ أيلول (سبتمبر) ٢٠١٨، وأنّ زعيم الإخوان في موريتانيا يحمل رتبة قيادية ويتم تكليفه من طرف التنظيم الدولي ويستعين بقيادات أخرى معينة، بالطريقة نفسها، تزاول عملها في السرّ، ومن أبرزها: "أمين سر الحركة"، و"رئيس لجنة الاكتتاب"، و"مسؤول الهيكلة"، و"رئيس لجنة المناسبات"، و"المسؤول المالي"، و"رئيس لجنة استقبال الضيوف"، و"المسؤول الأمني"، كما أنّ رئيس الحزب الإخواني الموريتاني يباشر تسيير المنظمات النقابية التابعة للتنظيم، منها نقابات طلابية وعمالية، إضافة إلى هيئات حساسة من قبيل مركز شنقيط للمالية الإسلامية.

اقرأ أيضاً: "اليونيسف" تدقّ ناقوس الخطر في موريتانيا... لماذا؟!
الصحيفة أكدت في التقرير نفسه؛ أنّ تنظيم الإخوان في موريتانيا أنشأ وتبنى منظمات عدة لتبييض الأموال والاستيلاء على الصدقات وأموال الزكاة الوافدة، من أبرزها: "الجمعية النسوية لمكافحة الفقر والأمية"، و"جمعية الإنارة لمكافحة الفقر"، كما يمتلك شبكة من المعاهد الصورية التي توكل إليها مهمة الاكتتاب وإغراء الشباب في الأوساط الاجتماعية الهشّة، لتجنيدهم لاحقاً في صفوف التنظيم.
الزعيم الروحي للجماعة، محمد الحسن ولد الددو

استغلال شبكة الجمعيات لتمويل التنظيم الإخواني
كردّ فعل على استغلال شبكة الجمعيات لتمويل التنظيم الإخواني؛ أغلقت الحكومة الموريتانية جمعية "المستقبل"، وصادرت ممتلكاتها، وهي الجمعية التي يصفها بعض المراقبين بالذراع المالي للتنظيم الدولي، كما أغلقت الجهات الأمنية مستشفى "النور"، ومعهد "تكوين البنات"، التابعَين للجمعية، وكذا أغلقت جامعة "عبد الله بن ياسين" الخاصة، التي يديرها القيادي في جماعة الإخوان، محمد الحسن ولد الددو، وسحبت الترخيص منها، وذلك بعد أيام من إغلاق مركز "تكوين العلماء".
كما أغلقت السلطات الموريتانية جمعية "الخير"، وفرع الندوة العالمية للشباب الإسلامي، المحسوبتين على تنظيم "الإخوان"، معلنة أنّ سبب الإغلاق خرق قانون تسيير الجمعيات في جوانب التمويل، وتسيير أموال الجمعية، واستخدامها، وغياب التصريح بمصادر التمويل، وكيفية صرف الأموال.

اقرأ أيضاً: موريتانيا تقصقص ريش الإخوان.. لن يدمروا دولتنا
يعتمد الإخوان الموريتانيون على عدد من المحاور في عملهم، أولها: النشاط الاقتصادي، تحت مسميات دعم النشاط الأهلي وعمل المجتمع المدني، وفق تقرير لمحمود جمال عبد العال في المركز العربي للبحوث؛ كشف أنّ التنظيم يسيطر على ميزانيات ضخمة ترتبط بالعديد من المجالات التجارية، مثل: الاستثمار في إنتاج وبيع الأدوية، ومحطات البنزين، ومحلات بيع الملابس والمواد الغذائية، ووكالات بيع وتأجير السيارات، إضافة إلى مراكز بيع العملات الأجنبية، كما في المنظومة الدعائية؛ التي هي أحد أهم الأسلحة التي يتكئ عليها حزب تواصل لمواجهة السياسات الحكومية المضادة لأنشطته، عن طريق عدد كبير من المنصات الإلكترونية والصحف، مثل "الأخبار"، و"السراج"، وفي النشاط الخيري والاجتماعي؛ بمحاولة استغلال التراخيص الممنوحة للجمعيات والتنظيمات الخيرية التابعة للإخوان، لتسهيل الحصول على المساعدات والتمويلات الخارجية بهدف دعم أجندتها السياسية.

الإخوان في موريتانيا يمارسون التقية بطرق مختلفة ومبتكرة، تكرّس مبدأهم البراغماتي، فينتقلون من معارضة ناصعة، إلى كامنة وسرية، ولعلّ هذا ما يفسر عمليات الإغلاق التي تطال منافذ وجمعيات ومنظمات الجماعة.

الصفحة الرئيسية